ساعة واحدة
مطار المزة على أبواب الاستثمار.. من ينصف أصحاب الأراضي ويحفظ ذاكرة المكان؟
السبت، 19 سبتمبر 2026
أعاد الحديث عن تحويل مطار المزة العسكري في دمشق إلى مطار للطيران الخاص والتنفيذي فتح ملفات ظلت عالقة لعقود، في مقدمتها ملكية الأراضي التي أُقيم عليها المطار وحقوق أصحابها، إلى جانب مصير مفقودين يُعتقد أنهم مروا بمراكز الاعتقال التي كانت موجودة داخله.
ويقول أهالٍ من معضمية الشام إن أجزاء واسعة من أراضي المطار تعود ملكيتها لهم، وإنها استُملكت على مراحل من دون حصولهم على تعويض عادل، في حين يطالب حقوقيون وذوو مفقودين بعدم تغيير معالم الموقع قبل فحص الأماكن التي استخدمت للاعتقال والتحقيق، والتحقق من احتمال وجود رفات أو مقابر جماعية داخله.
فمن يملك الأراضي التي أُقيم عليها مطار المزة العسكري؟ وماذا عن احتمال وجود مقابر جماعية ورفات لمفقودين داخله؟ وهل يمكن البدء باستثمار الموقع قبل حسم حقوق أصحاب الأراضي والكشف عن مصير المفقودين؟
خلال حلقة أمس من برنامج "سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا، قدم رئيس مجلس مدينة معضمية الشام السابق، المهندس حسن أبو زيد، رواية تفصيلية للتطور التاريخي والقانوني لملكية الأرض، معتبراً أن تسمية "مطار المزة" لا تعكس، وفق قوله، الموقع العقاري للأراضي.
وأوضح أبو زيد أن بداية القضية تعود إلى عام 1934، عندما أصدر المندوب الفرنسي مرسوماً لاستملاك أراضٍ بهدف إنشاء مطار المزة المدني.
وبحسب أبو زيد، كانت أراضي معضمية الشام آنذاك تتألف من عقارين رئيسيين، خُصص جزء منهما لإنشاء المطار، قبل أن تصدر في عامي 1955 و1956 مراسيم استملاك أخرى مرتبطة بالموقع وتثبيته لصالح وزارة الدفاع.
وأضاف أن لجنة شُكلت لاحقاً لفرز العقارات وتصنيفها وتخمينها، قبل صدور قرار قضائي عقاري عام 1967، مشيراً إلى أن الأراضي التي يشغلها المطار حصلت على أرقام عقارية جديدة، وتبلغ مساحتها الإجمالية نحو 3500 دونم.
وأكد أبو زيد أن هذه العقارات سُجلت بأسماء أهالي معضمية الشام باعتبارها منبثقة عن العقارين الأم، وأنها، وفق قوله، لم تُنقل إلى اسم وزارة الدفاع.
وأشار أبو زيد إلى تشكيل لجنة في ثمانينيات القرن الماضي بهدف نقل ملكية الأراضي إلى وزارة الدفاع، إلا أنه أكد أن العقارات لم تُسجل باسم الوزارة.
وأوضح أن اللجنة خلصت إلى أن مساحة الأراضي المعنية تقل عن "الربع المجاني" للعقارين الأم، لكنه قال إنها أغفلت أن مراسيم الاستملاك المعنية صدرت قبل القانون الذي استندت إليه في معالجة القضية.
وأضاف أن أهالي معضمية الشام رفعوا في عهد النظام السابق مذكرات وكتباً وطالبوا بتعويضهم عن الأراضي، من دون الاستجابة لمطالبهم.
كما لفت إلى أن جزءاً من أحد العقارات يقع داخل المطار، في حين انتقلت أجزاء أخرى إلى محافظة دمشق وأُقيمت عليها أبنية ومنشآت، ما يجعل ملف الاستملاك، وفق روايته، أوسع من حدود المطار نفسه.
ولا يحصر أصحاب الحقوق مطالبهم باستعادة الأراضي عينياً، إذ طُرحت خلال الحلقة عدة خيارات لمعالجة الملف في حال تعذر إعادة العقارات إلى أصحابها.
وحدد أبو زيد ثلاثة مسارات، تتمثل في تعويض أصحاب الأراضي وفق السعر الرائج، أو تأمين مساكن للمتضررين من عمليات الاستملاك، أو إشراكهم في المشاريع الاستثمارية التي قد تُقام على أراضي المطار.
وأكد أن سكان معضمية الشام لا يعارضون تطوير المنطقة أو تنفيذ مشاريع استراتيجية للدولة، لكنهم يريدون أن يكونوا جزءاً من هذا التطوير وأن يحصلوا على حقوقهم.
وأشار إلى أن قضية المطار ليست الاستملاك الوحيد الذي واجه سكان المدينة، قائلاً إن مساحات واسعة من أراضي معضمية الشام استُملكت خلال العقود الماضية لصالح وزارة الدفاع وجهات أخرى.
ولا ترتبط القضية بالأرض وحدها، إذ يحمل مطار المزة العسكري بالنسبة إلى سكان المناطق المحيطة به ذاكرة مرتبطة بالاعتقال والعمليات العسكرية والقيود التي فرضها النظام المخلوع.
وقال أبو زيد إن تحويل الموقع من مطار مدني إلى عسكري ألحق أضراراً بسكان معضمية الشام، مشيراً إلى أن رئيس إدارة المخابرات الجوية السابق جميل حسن منع، وفق قوله، الأهالي من البناء في المناطق المحيطة بالمطار لمسافة تراوحت بين كيلومترين وثلاثة كيلومترات.
وأضاف أن المنطقة تعرضت كذلك لتداعيات هجمات إسرائيلية استهدفت المطار، مشيراً إلى سقوط ذخائر ومتفجرات في محيط معضمية الشام تسببت بسقوط ضحايا من السكان.
كما ارتبط المطار خلال سنوات الثورة بالمداهمات والاعتقالات وانطلاق طائرات لتنفيذ عمليات عسكرية، ما جعله، بحسب أبو زيد، مصدراً للخوف بالنسبة إلى سكان المنطقة.
وفي الجانب الحقوقي، حذر المحامي والمستشار القانوني عبد الرحمن العبد الله من التعامل مع الموقع باعتباره مجرد أرض قابلة للاستثمار قبل الانتهاء من التحقيقات المتعلقة بالمفقودين والانتهاكات التي شهدها.
وقال العبد الله إن المطار كان خلال سنوات الثورة مكاناً للاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري، معتبراً أنه لا يمكن البدء بتغيير معالمه قبل استكمال التحقيقات.
وطالب الهيئة الوطنية للمفقودين وهيئة العدالة الانتقالية ووزارة الدفاع بالحفاظ على الموقع ومنع أي أعمال يمكن أن تؤثر في الأدلة المحتملة.
وشدد على ضرورة إخضاع الأماكن التي استُخدمت للاعتقال والتحقيق، إلى جانب المواقع التي يُشتبه في وجود رفات أو مقابر جماعية فيها، لفحص فرق متخصصة وجمع الأدلة قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن مستقبل الأرض.
كما دعا إلى إعادة النظر في القوانين والمراسيم التي استندت إليها عمليات الاستملاك السابقة، ومعالجة حقوق المالكين، مقترحاً تخصيص جزء من عوائد أي استثمار مستقبلي لصندوق جبر الضرر وتعويض الضحايا والمتضررين.
وتبرز أهمية الحفاظ على الموقع في شهادة شخصية قدمها الخبير العسكري والاستراتيجي عبد الله الأسعد خلال الحلقة، الذي قال إنه سبق أن اعتُقل داخل مطار المزة العسكري في بدايات الثورة السورية.
وأوضح الأسعد أنه نشر، بعد سقوط النظام، صورة للزنزانة التي كان محتجزاً فيها، وظهر على أحد جدرانها اسم شخص كان قد حفره على الحائط، قبل أن تتواصل معه عائلة ذلك الشخص.
وبحسب الأسعد، لم تكن العائلة تعرف مصير ابنها منذ نحو 14 عاماً، ما جعل الاسم المحفور على جدار الزنزانة أثراً يمكن الاستناد إليه في البحث عن مصيره.
وقال: "تخيل أن الحفر على الجدار هو دليل قد يقود إلى مصير أحد المفقودين".
واعتبر الأسعد أن هذه الواقعة تظهر حساسية التعامل مع الموقع، إذ قد تحتوي الزنازين والمكاتب والوثائق والأرض نفسها على أدلة تقود إلى مفقودين أو تساعد في توثيق ما جرى.
وأكد أن مطار المزة لم يكن مجرد منشأة عسكرية للطيران، بل ضم مواقع للمخابرات الجوية وأماكن للمداهمات والتحقيق والاحتجاز، داعياً إلى عدم إغلاق الملف قبل الانتهاء من التحقيقات ومعرفة مصير المفقودين.
بدوره، قال العبد الله إن أعداداً كبيرة من المفقودين مروا بمطار المزة ومقار المخابرات الجوية الموجودة داخله، مطالباً الهيئة الوطنية للمفقودين بالحفاظ على الموقع وإجراء تحقيقات شاملة فيه.
وأشار إلى أن الناشط السوري غياث مطر كان من بين الأشخاص الذين مروا بالموقع، مؤكداً ضرورة فحص الأماكن المرتبطة بالاحتجاز والانتهاكات قبل الانتقال إلى مرحلة استثمار الأرض.
وطالب بأن تتولى فرق متخصصة فحص الموقع وجمع الأدلة وتحديد هويات أي رفات قد يُعثر عليها، معتبراً أن الانتهاء من هذه المهمة يجب أن يسبق تغيير طبيعة المكان أو إزالة معالمه.
ومن الناحية العسكرية والفنية، قال الأسعد إن تحويل مطار عسكري إلى مطار مدني ليس أمراً صعباً من حيث المبدأ، لكنه رأى أن الجمع بين الاستخدامين المدني والعسكري في الموقع نفسه قد يخلق تعقيدات تشغيلية.
وأوضح أن الطيران المدني يعتمد على مواعيد ومسارات وضوابط دقيقة للإقلاع والهبوط، بينما تتطلب العمليات العسكرية مرونة وسرعة أكبر، ما يجعل الجمع بين النشاطين في مساحة واحدة أكثر تعقيداً.
وأشار إلى أن أحد الخيارات يتمثل في تحويل المطار بالكامل إلى الاستخدام المدني ونقل النشاط العسكري إلى موقع آخر، لافتاً إلى أن اختيار مواقع القواعد العسكرية يرتبط باعتبارات أمنية واستراتيجية.
لكنه شدد على أن أي نقاش فني بشأن مستقبل المطار ينبغي أن يأتي بعد معالجة القضايا الأخرى المتعلقة بملكية الأراضي والمفقودين وحماية الأدلة.
ويرى العبد الله أن معالجة الملف تتطلب مشاركة عدد من الجهات، في مقدمتها الحكومة ووزارة الدفاع والجهات التشريعية، إلى جانب الهيئة الوطنية للمفقودين وهيئة العدالة الانتقالية وأصحاب الأراضي.
ودعا إلى معالجة آثار قوانين وقرارات الاستملاك السابقة وإعادة الحقوق إلى أصحابها أو تعويضهم، بالتوازي مع استكمال التحقيقات المتعلقة بالضحايا والمفقودين.
أما أبو زيد، فشدد على أن سكان معضمية الشام لا يقفون ضد مشاريع التطوير، وإنما يطالبون بألا تبدأ مرحلة جديدة في المنطقة من دون معالجة حقوق تراكمت على مدى عقود.
Loading ads...
وهكذا، لا يقتصر الجدل بشأن مستقبل مطار المزة العسكري على الاختيار بين إبقائه منشأة عسكرية أو تحويله إلى مطار للطيران الخاص والتنفيذي، إذ يسبق ذلك ملفان أكثر تعقيداً: أرض يطالب أصحابها بحقوقهم، وموقع يحمل آثار مرحلة من الاعتقال والإخفاء القسري قد تكون بعض أدلتها، ومصائر بعض من مروا بها، ما تزال مخبأة داخله.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


