ساعة واحدة
ضيف ومسيرة - يوسف فاضل:"القراءة تمنح الكاتب مرجعيات يستطيع من خلالها أن يقيس مستوى عمله"
السبت، 26 سبتمبر 2026

في حلقة جديدة من برنامج "ضيف ومسيرة"، حل الروائي والكاتب المسرحي المغربي يوسف فاضل ضيفا للحديث عن مسار إبداعي طويل تشابكت فيه الرواية بالمسرح، والواقع بالخيال، والذاكرة الشخصية بتاريخ المغرب وتحولاته. حوار عاد فيه فاضل إلى البدايات الأولى لعلاقته بالفن، وتوقف عند تجربته في المسرح والكتابة والاعتقال، كما فتح صفحات من عالمه الروائي وكشف عن رؤيته للكتابة وعلاقته بالقارئ والجوائز الأدبية.
من سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه شديد التعقيد بالنسبة إلى الكاتب، انطلق الحديث: ما الرواية بالنسبة إلى يوسف فاضل؟ بالنسبة إليه، يصعب الفصل بشكل حاسم بين الواقع والخيال داخل العمل الروائي. فالكاتب حتى عندما يتخيل شخصا أو شارعا أو بيتا، يظل مرتبطا بصورة أو ذكرى أو إحساس استمده بشكل ما من الواقع.
من هنا تصبح الرواية مساحة يلتقي فيها ما عاشه الكاتب وشاهده وسمعه بما صنعه خياله. يقول يوسف فاضل: "الرواية هي المكان الذي يلتقي فيه الواقع بالخيال، بالذكريات وذكريات الأصدقاء وأشكال كثيرة من التخيلات".
كما يكتسب المكان بدوره أهمية خاصة في أعمال فاضل. فالكتابة عن مكان يعرفه الروائي جيدا تسمح له باستحضار تفاصيل دقيقة لا تقتصر على الصورة الخارجية، بل تمتد إلى الروائح والجدران والأزقة والطعام والحياة اليومية.
لذلك حضرت مدن وأماكن عرفها الكاتب عن قرب في أعماله، وفي مقدمتها الدار البيضاء ومراكش.
لم تبدأ علاقة يوسف فاضل بالفن من الرواية وحدها. فمنذ طفولته كان الرسم حاضرا في حياته، واستمر هذا الاهتمام ليقوده لاحقا إلى عالم المسرح. كانت الصدفة واحدة من الأبواب التي أدخلته إلى الخشبة. ففي محيطه الاجتماعي وجد شبابا يمارسون المسرح، فتحول الفضول تدريجيا إلى شغف، وأصبح المسرح جزءا من حياته. وفي الوقت نفسه كانت القراءة تفتح أمامه عالما آخر؛ عالم الروايات والكتب.
يتذكر فاضل مرحلة كان فيها الحصول على الرواية وقراءتها مرتبطا بوقت محدد، إذ كانت الكتب تستعار لفترة قصيرة، ما كان يفرض قراءة مئات الصفحات بسرعة قبل إعادتها. هكذا تشكلت علاقته المبكرة بالأدب، بالتوازي مع المسرح والرسم.
كما لعبت دور الشباب دورا محوريا في تكوينه وتكوين جيل كامل من المسرحيين المغاربة. فهي، في نظره، لم تكن مجرد فضاءات للترفيه، وإنما مؤسسات للتعلم والتكوين والممارسة. وفيها تعلم الشباب المسرح والمثابرة والانضباط والعمل الجماعي، في مرحلة عرفت نشاطا واسعا لمسرح الهواة ومنافسة قوية بين الفرق المسرحية في مختلف المدن المغربية. ويقول عن المهرجان الوطني لمسرح الهواة: "كان موعدا تاريخيا ومهما جدا بالنسبة إلى فرق الهواة. فيه تربينا، وفيه تكوننا، وفيه تعلمنا ممارسة المسرح والمثابرة والجدية".
يحضر التاريخ السياسي والاجتماعي للمغرب بدوره في مسيرة يوسف فاضل. فقد عاش خلال سبعينيات القرن الماضي تجربة الاعتقال، وهي مرحلة تركت أثرا في حياته وكتاباته. ويتحدث عن تلك التجربة قائلا: "قضيت فترة في الاعتقال ما بين عامي 1974 و1975 تقريبا، لمدة تقارب السنة".
لكن المفارقة أن الزنزانة تحولت أيضا إلى فضاء بدأت فيه إحدى مسرحياته بالتشكل في ذهنه. ويقول الكاتب المغربي: "كتبت مسرحية حلاق درب الفقراء في ذهني وأنا في الزنزانة، وبعد أن خرجت من الاعتقال بدأت أكتبها بهدوء". وحققت المسرحية لاحقا نجاحا لدى الجمهور، لتنتقل التجربة إلى السينما حين اقترح عليه المخرج محمد الركاب تحويلها إلى فيلم.
رغم أن التجربة الشخصية تجد طريقها إلى الأدب، يؤكد فاضل أنه لم يفكر في كتابة سيرة ذاتية مباشرة. فالسيرة، بالنسبة إليه، موجودة داخل خزان الذاكرة، ويأخذ منها الروائي في كل مرة جزءا، ثم يمزجه بالتخييل ويعيد بناءه أدبيا. فالروائي لا يكتب فقط ما عاشه، وإنما يكتب كذلك ما سمعه وشاهده وتخيله. ولهذا تصبح التجربة الشخصية مادة أولية وليست بالضرورة موضوعا لسيرة ذاتية صريحة.
ترك المسرح بصمته الواضحة في كتابة يوسف فاضل الروائية. فالحوار والإيقاع والجمل القصيرة وغيرها من العناصر التي ارتبطت بتجربته المسرحية انتقلت، بشكل أو بآخر، إلى رواياته. ومع ذلك، عندما يسأل أي الجنسين أقرب إليه، يختار الرواية. ويقول: "الرواية أقرب إلى قلبي، رغم أنها عمل شاق وأكثر تعبا من المسرحية".
الرواية بالنسبة إلى فاضل عمل أكثر مشقة، وقد يستغرق إنجازها سنوات، بينما يمكن أن تكتب المسرحية خلال مدة أقصر بكثير. لكن ما يمنح الرواية جاذبيتها الخاصة لديه هو الحرية والوحدة. ويشرح ذلك قائلا: "الرواية عمل فردي؛ تكون فيها وحدك. لا توجد فرقة تنتظر منك شيئا، ولا مخرج، ولا أي شخص آخر. أنت وحدك مع عملك".
غير أن هذه الحرية لا تجعل الكتابة سهلة. فالإلهام ليس حاضرا دائما، والكاتب قد يواجه لحظات يشعر فيها بأن الكتابة توقفت. وهنا يشدد فاضل على أهمية النفس الطويل والمثابرة. فجملة واحدة قد تفتح الطريق أمام عشرات الأسطر والصفحات، لكن على الكاتب أن يواصل البحث عنها.
ومن المحطات البارزة في تجربة يوسف فاضل المسرحية تعاونه مع الفنانة المغربية الراحلة ثريا جبران في مسرحية "يك غير أنا".
استعاد فاضل هذه التجربة بكثير من التقدير، قائلا: "كانت ثريا جبران ممثلة قديرة وكبيرة جدا، وكانت إنسانة طيبة". وأشار أيضا إلى حبها الاستثنائي للمسرح وقدرتها الكبيرة على الحضور فوق الخشبة.
انتقل الحوار بعد ذلك إلى عالم يوسف فاضل الروائي وإلى عدد من أعماله، قبل التوقف بشكل خاص عند رواية "كوميديا". والكوميديا هنا لا تفهم باعتبارها مرادفا للضحك والفكاهة، وإنما تحيل إلى المسرح والتمثيل والأقنعة. وفي قلب الرواية تظهر العلاقة بالآخر بوصفها واحدة من القضايا الأساسية.
كيف يرى الإنسان نفسه من خلال الآخرين؟ وكيف تؤثر نظرة الآخر في الطريقة التي يفهم بها الفرد ذاته؟ وكيف تتحول العلاقات إلى فضاء للشك والغيرة وتبادل الأدوار؟ يقول الكاتب المغربي: "المهم في الرواية هو علاقتنا بالآخر؛ فالإنسان لا يرى نفسه إلا من خلال الآخر".
هذه الأسئلة تقف في صلب العالم الذي يبنيه فاضل، حيث يصبح المسرح أكثر من مجرد موضوع، ويتحول إلى استعارة للحياة نفسها: أقنعة وأدوار ونظرات متبادلة، وشخصيات تحاول فهم الآخرين وفي الوقت نفسه اكتشاف حقيقتها.
رغم حضور السجن والسياسة والألم في جزء من أعماله، فإن عالم يوسف فاضل لا يقتصر على هذه الجوانب. ففي حياته مساحة للبحر والرسم والطبخ والتفاصيل اليومية البسيطة. وتحدث خلال الحوار عن علاقته الطويلة بالبحر وعن سنوات كان يقضي خلالها فترات طويلة من الصيف بالقرب منه.
هناك، بالقرب من البحر، يجد الكاتب مساحة أخرى للحياة والتأمل والكتابة، بعيدا عن ثقل التاريخ والسياسة. إنها صورة أخرى ليوسف فاضل: كاتب تحمل ذاكرته الكثير من الأحداث الصعبة، لكنه يظل منشغلا أيضا بالتفاصيل البسيطة والمضيئة في الحياة.
أما القارئ، فيحتل مكانة مهمة لدى يوسف فاضل، وإن كان يرفض أن يتحول إلى سلطة تتحكم في النص أثناء كتابته. ويقول: "رأي القارئ مهم جدا بالنسبة إلي، ولذلك أعطي رواياتي قبل نشرها إلى بعض الأصدقاء ليقرؤوها، وأستمع إلى آرائهم".
لكن هذا الاهتمام بالقارئ يأتي أساسا بعد اكتمال العمل. أما أثناء الكتابة، فيحرص على عدم التفكير المستمر في رد فعل القارئ.
وفي ختام الحلقة، اختصر يوسف فاضل جانبا كبيرا من تجربته في نصيحة أساسية وجهها إلى الشباب الراغبين في دخول عالم الكتابة: القراءة. ويقول: "الكاتب يجب أن يقرأ، فإذا أراد أن يكتب فعليه أولا أن يقرأ".
ويضيف: "على الكاتب أن يعرف ما يكتب في الرواية، وأن يقرأ الروايات الإسبانية وغيرها من آداب العالم، فالعالم موجود في الكتب". فالقراءة تمنح الكاتب مرجعيات يستطيع من خلالها أن يقيس مستوى عمله ويطوره، وألا يكتب بمعزل عن التجارب الأدبية الأخرى.
Loading ads...
بين الرسم والمسرح والرواية، وبين الذاكرة والواقع والخيال، بنى يوسف فاضل مسيرة أدبية وفنية طويلة، وجد فيها في الرواية المساحة الأقرب إلى قلبه لتحويل تجاربه وذكرياته إلى أدب. وهي مسيرة تؤكد أن الكتابة لا تقوم على الإلهام وحده، بل على القراءة والعمل والصبر والمثابرة، وأن الخيال يظل مرتبطا بالواقع والذاكرة والإنسان.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




