حين دخل نابليون موسكو عام 1812 كان يتوقع أن يؤدي احتلالها إلى إخضاع روسيا وإجبار قيصرها على الاستسلام والتفاوض، لكنه وجد مدينة تم إخلاء معظم سكانها، ثم اندلعت الحرائق فيها، ولم يحصل على الاستسلام الذي انتظره، وبعد أسابيع بدأ الجيش الفرنسي انسحابه الكارثي، قبل أن تدخل القوات الروسية باريس عام 1814 ضمن جيوش التحالف الذي أسقط نابليون.
وبعد نحو قرن وربع، اقتربت القوات الألمانية النازية من موسكو عام 1941 ووقفت على حدودها القريبة، لكنها أخفقت في تحقيق الحسم الذي أراده هتلر، وانتهت الحرب بدخول الجيش الأحمر السوفياتي إلى برلين عام 1945.
تستحضر الذاكرة الروسية هاتين المحطتين بوصفهما دليلين على قدرة البلاد على الصمود في وجه الأخطار الكبرى، ولكن ما يهم هنا ليس الانتصار العسكري وحده، بل ما تتركه مثل هذه التجارب في وعي الناس، وكيف تنعكس الذاكرة التاريخية على نظرتهم إلى العالم، وإلى الدولة، وإلى معنى الأمن والاستقرار.
يصعب فصل الوطنية الروسية عن ذاكرة الحروب والتضحية، وقد أسهمت هذه الذاكرة في ترسيخ الاعتقاد بأن بقاء البلاد وأمنها ليسا مسألتين يمكن التعامل معهما باستخفاف، لكن ذلك لا يعني أن جميع الروس يفكرون بالطريقة نفسها، ولا أن الذاكرة التاريخية تفسر وحدها مواقف المجتمع من الأحداث الراهنة
ترتبط عبارة "روسيا لا يمكن فهمها بالعقل" بالشاعر الروسي فيودور تيوتشيف، الذي كتب في القرن الـ19 أن روسيا لا يمكن فهمها بالعقل وحده، وقد تحولت العبارة إلى وصف شائع لبلد كثيرا ما بدا سلوكه محيرا للمراقبين من الخارج، لكنها تصبح مضللة إذا تعاملنا معها باعتبارها حقيقة عن طبيعة الروس، لا تعبيرا عن صعوبة فهم تجربتهم من خارجها.
فالروس لا يفكرون خارج المنطق، ولا تحكمهم عقلية يستحيل تفسيرها، وهم لا يتخذون قراراتهم انطلاقا من الوقائع وحدها، بل من خلال تجاربهم وذاكرتهم الجمعية وذكرياتهم ومخاوفهم، ففي روسيا تحتل الذاكرة التاريخية مكانة خاصة، فالحرب العالمية الثانية أو (الحرب الوطنية العظمى)، ليست مجرد فصل في كتاب مدرسي، إنها حكاية عائلية تمس ملايين الناس، ترتبط بأجدادهم وأقربائهم الذين قاتلوا أو فقدوا حياتهم، وبمدن حوصرت ودمرت، وعائلات عاشت حالات الحصار والجوع والخوف، ونصر دفع المجتمع ثمنا بشريا هائلا لتحقيقه.
لذلك يصعب فصل الوطنية الروسية عن ذاكرة الحروب والتضحية، وقد أسهمت هذه الذاكرة في ترسيخ الاعتقاد بأن بقاء البلاد وأمنها ليسا مسألتين يمكن التعامل معهما باستخفاف، لكن ذلك لا يعني أن جميع الروس يفكرون بالطريقة نفسها، ولا أن الذاكرة التاريخية تفسر وحدها مواقف المجتمع من الأحداث الراهنة.
الجغرافيا بدورها حاضرة في هذا الوعي، فروسيا تمتد عبر 11 منطقة زمنية، من تخوم أوروبا إلى سواحل المحيط الهادئ، وتجاور بلدانا ومناطق تختلف في مصالحها وثقافاتها وحساباتها السياسية، وقد جعلها موقعها عبر قرون في تماس مع قوى متعددة، كما جعل أمن الحدود ومكانة الدولة موضوعين دائمين في حياتها السياسية.
ومن هنا يمكن فهم سبب ربط بعض الروس قوة بلادهم بقدرتها على حماية نفسها، ولماذا ينظرون بقلق إلى التحولات التي يعتقدون أنها قد تهدد أمنهم أو تقلص مكانة البلاد.
لكن الإنسان الروسي وتفكيره ليس نتاج الحروب وحدها، فمن الصعب الحديث عن روسيا دون استحضار مساهمتها الكبيرة في تطور الحضارة الإنسانية، من الأدب والفلسفة والموسيقى والفن بمختلف أشكاله، إلى الرياضيات والفيزياء والطب وعلوم الفضاء وغيرها، وقد تجاوزت أعمال الأدباء الروس كبوشكين وتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف وغوغول حدود اللغة الروسية، كما تركت موسيقى تشايكوفسكي وشوستاكوفيتش ورحمانينوف وسترافينسكي بصمتها في التراث الموسيقي العالمي.
وفي العلوم أسهم العلماء والمهندسون والأطباء الروس والسوفيات عموما في تطوير مجالات علمية معرفية متعددة، وفتح الاتحاد السوفياتي عهدا جديدا في استكشاف الفضاء بإطلاق أول قمر صناعي عام 1957، ثم إرسال يوري غاغارين إلى الفضاء عام 1961 ليصبح أول إنسان يدور حول الأرض، ولم تكن هذه الإنجازات مجرد محطات في المنافسة بين القوى الكبرى، فقد وسعت آفاق العلم والمعرفة، وأثبتت قدرة البشر على تجاوز حدود ما كان يبدو ممكنا وغير ممكن.
ومن المهم ألا ننسب التجربة السوفياتية للروس وحدهم، فقد شاركت شعوب الاتحاد السوفياتي المتعددة في بناء مؤسساته العلمية والصناعية والثقافية، وأسهمت بكفاءاتها وتضحياتها في إنجازاته، وهذا التنوع ليس هامشيا في فهم روسيا، بل جزء من حقيقة مجتمع واسع لا يمكن اختزاله في قومية واحدة أو صورة نمطية.
اعتاد كثيرون من الروس أن تكون الدولة هي الجهة التي ينتظر منها حل المشكلات، وأن تأتي القرارات الحاسمة من أعلى، وفي الوقت نفسه طور الناس وسائلهم الخاصة لتدبير شؤونهم حين تتعطل المؤسسات أو تصبح الإجراءات مرهقة، ومن هنا نشأت القدرة على التكيف في الظروف الصعبة
ولعل أكثر ما يكشف صعوبة فهم الإنسان الروسي أن الأدب الروسي نفسه انشغل طويلا بمحاولة سبر أغوار روحه، فقد غاص الكاتب فيودور دوستويفسكي، في أعماق النفس البشرية حيث يتصارع الإيمان والشك، والرغبة في الخلاص مع نزعة التدمير الذاتي، والتوق إلى الحرية مع الاستعداد للتنازل عنها.
فالإنسان الروسي في رواياته كائن متناقض، لا تحكمه الحسابات العقلية وحدها، بل تدفعه أيضا مشاعر وأفكار قد تقوده إلى ما يناقض مصلحته، أما الكاتب ليف تولستوي، فبحث في العلاقة بين الضمير الفردي وقوة التاريخ، والتقط أدب ومسرح أنطون تشيخوف خيبات الإنسان الروسي اليومية وعجزه عن تغيير حياته.
لم يقدم هؤلاء الأدباء العظام تعريفا نهائيا للشخصية الروسية، لكنهم كشفوا عن عمق تناقضاتها، وعن استحالة اختزالها في صفات جاهزة.
وتبدو هذه التناقضات واضحة في علاقة المواطن الروسي بالدولة، فقد عاش المواطنون السوفيات لعقود في ظل نظام صارم تتولى فيه الدولة إدارة جانب واسع من الاقتصاد، وتوفير السكن والعمل والخدمات، مقابل قيود كبيرة على الحريات السياسية والمبادرة الفردية، ولم تكن التجربة واحدة عند الجميع وعلى مر السنوات، لكن هذا النموذج ترك أثرا في سلوك اجتماعي استمرت بعض ملامحه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
واعتاد كثيرون من الروس أن تكون الدولة هي الجهة التي ينتظر منها حل المشكلات، وأن تأتي القرارات الحاسمة من أعلى، وفي الوقت نفسه طور الناس وسائلهم الخاصة لتدبير شؤونهم حين تتعطل المؤسسات أو تصبح الإجراءات مرهقة، ومن هنا نشأت القدرة على التكيف في الظروف الصعبة، فالإنسان الذي يحتاج إلى إنجاز معاملة أو تأمين حاجات أسرته، قد يجد أن اللجوء إلى العلاقات الشخصية أسرع من انتظار إجراءات بطيئة، وأن تجاوز المشكلة أسهل من محاولة تغيير النظام الذي أنتجها.
وهنا يأتي الحديث عن الفساد والبيروقراطية والاعتماد على الوساطة، وهي ظواهر لا يصح تقديمها باعتبارها صفات روسية متأصلة، فقد عرفتها مجتمعات كثيرة، وهي تنمو حين تضعف المساءلة وتتضخم الإجراءات، وتتسع الهوة بين القوانين المكتوبة وبين التطبيق اليومي على أرض الواقع.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تحجب هذه المشكلات ما يملكه المجتمع الروسي من كفاءات وطاقات، ففيه علماء ومهندسون وأطباء وعمال وفنانون يؤدون أعمالهم بجدية، وأفراد يرفضون الفساد ويتضررون منه، وأناس يجدون حلا لمشكلاتهم رغم صعوبة الظروف.
وأسهمت فترة التسعينيات من القرن المنصرم في ترك أثر عميق في نظرة كثير من الروس إلى الدولة والاستقرار، فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي عاش ملايين الناس اضطرابا اقتصاديا واجتماعيا واسعا، وفقد الكثيرون وظائفهم ومدخراتهم وشعورهم بالأمان، ولم يكن التحول بالنسبة إليهم انتقالا سياسيا مجردا، بل تجربة يومية مرة جعلت المستقبل يبدو أقل وضوحا مما كان عليه.
يساعد ذلك على فهم سبب ارتباط الاستقرار لدى بعض الروس بفكرة الدولة القوية، ولماذا لا تبدو الدعوات إلى التغيير السريع مقنعة للجميع، فمن عاش الفوضى قد يخشى أن يؤدي تفكيك النظام القائم إلى فوضى جديدة شاملة، لكن الخوف من البديل لا يعني الرضا عن الحاضر، كما أن تفضيل الاستقرار لا يعني التخلي عن الرغبة في الإصلاح.
سؤال "كيف يفكر الروسي؟" لا يملك إجابة واحدة ونهائية، وربما لا تكون الإجابة عنه في اكتشاف مفتاح سري للشخصية الروسية، بل في إدراك أن هذا الإنسان مثل بلاده، يحمل تناقضاته الخاصة، وأن محاولة فهمه تبدأ بالاقتراب منه، لا بإصدار الأحكام عليه من بعيد
كما أن روسيا ليست موسكو وحدها، ولا صورة واحدة تمتد من العاصمة إلى أقصى الشرق، إنها فضاء متعدد القوميات والثقافات والتقاليد، من تتارستان إلى شمال القوقاز وسيبيريا والشرق الأقصى، وتختلف تجارب سكانها مع الدولة والتاريخ والهوية، مثلما تختلف مصالحهم وتطلعاتهم، فما يعنيه الأمن والاستقرار في مدينة صناعية صغيرة، قد لا يكون مطابقا لشاب في موسكو أو لأسرة في إحدى جمهوريات شمال القوقاز.
قد يعتز روسي بتاريخ بلاده وإنجازاتها، لكنه ينتقد مؤسساتها، وقد يريد دولة قوية تحميه، من دون أن يرغب في تدخلها بتفاصيل حياته، وقد يشعر المرء بالفخر إزاء تضحيات الأجيال السابقة، وفي الوقت نفسه يتمنى ألا يُطلب من جيله أن يدفع الثمن نفسه، ولا يبدو الأمر متناقضا، فالإنسان يستطيع أن يحب بلاده وأن يرى عيوبها، وأن يرغب في تغييرها دون أن يتخلى عن انتمائه إليها.
ربما لا تكمن خصوصية التجربة الروسية في أن الإنسان هناك يفكر بطريقة مختلفة جذريا عن باقي البشر، بل في الظروف التي تعطي بعض الأفكار وزنا أكبر من غيرها، فالتاريخ يجعل الخطر حاضرا في الذاكرة، والجغرافيا تضفي أهمية على الأمن، وتجربة التسعينيات تجعل الاستقرار مطلبا ملموسا، بينما تترك علاقة الدولة بالمجتمع أسئلة مفتوحة عن الحرية والمبادرة والمسؤولية.
روسيا ليست لغزا خارج العقل، ولا شعبا يحمل طبيعة ثابتة لا تتغير، إنها مجتمع واسع يحمل إرثا ثقافيا وعلميا كبيرا، وذاكرة مثقلة بالتضحيات، وقدرة على الصمود والتكيف، إلى جانب مشكلات وتناقضات تعيق التغير، وفهمها لا يتطلب تعليق الأحكام النقدية أو تبرير قرارات السلطة، بل التمييز بين تفسير السلوك والحكم عليه، وبين المجتمع والدولة، وبين ما يريده الناس وما يجدون أنفسهم مضطرين إلى التعايش معه.
ربما لا يمكن فهم روسيا بالعقل والمنطق وحدهما، فخلف مواقفها وسلوك أبنائها تقف ذاكرة تاريخية مثقلة بالغزوات والتضحيات والانتصارات، وشعور عميق بالانتماء إلى بلد لا يرى نفسه مجرد مساحة جغرافية شاسعة أو محطة وقود فقط، وهذا لا يعني أن الروسي لا تحكمه الحسابات العقلية، أو أن ملايين البشر في هذا البلد يفكرون بطريقة واحدة، بل إن فهمهم يقتضي معرفة التاريخ الذي صنع ذاكرتهم، والأدب الذي كشف تناقضات أرواحهم، والتجارب التي تركت أثرها في نظرتهم إلى العالم.
لذلك فإن سؤال "كيف يفكر الروسي؟" لا يملك إجابة واحدة ونهائية، وربما لا تكون الإجابة عنه في اكتشاف مفتاح سري للشخصية الروسية، بل في إدراك أن هذا الإنسان مثل بلاده، يحمل تناقضاته الخاصة، وأن محاولة فهمه تبدأ بالاقتراب منه، لا بإصدار الأحكام عليه من بعيد.
Loading ads...
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





