تُعَد السكريات المضافة من أكثر المكونات الغذائية انتشاراً في الأطعمة والمشروبات الحديثة؛ إذ تُضاف في أثناء التصنيع أو التحضير بهدف تحسين المذاق، أو إطالة مدة الصلاحية، أو تعزيز القوام واللون. وتختلف هذه السكريات عن السكريات الطبيعية الموجودة في الفواكه، والخضروات، والحليب، التي تأتي مصحوبة بالألياف والفيتامينات والمعادن والعناصر الغذائية المفيدة. وتشمل السكريات المضافة السكر الأبيض، والسكر البني، وشراب الذرة عالي الفركتوز، والعسل، والدبس، وشراب القيقب، وغيرها من المحليات التي تُضاف إلى المنتجات الغذائية. ومع كثرة استهلاك الأطعمة المصنعة، أصبح كثير من الأطفال يتناولون كميات من السكريات المضافة تفوق الاحتياجات اليومية دون أن ينتبهوا إلى ذلك؛ لأن هذه السكريات تدخل في مكونات العديد من المنتجات مثل المشروبات الغازية، والحلويات، والبسكويت، وحبوب الإفطار، والصلصات.
الدكتور داني السلوم، متخصص طب الأطفال في مستشفى ميد كير للنساء والأطفال – دبي، يكشف مدى خطورة وأضرار السكريات المضافة على الأطفال.
بوصفنا أطباء أطفال، نؤكد دائماً أن "التغييرات الصغيرة التي تتكرر يومياً تُحدث أكبر أثر صحي في المدى الطويل". وتُعَد منتجات الألبان جزءاً أساسياً من الروتين الغذائي اليومي للكثير من الأطفال، سواء من خلال الحليب أو الزبادي أو الوجبات الخفيفة المصنوعة من الألبان. وعندما تحتوي كل حصة على كمية أقل من السكريات المضافة، فإن هذا الانخفاض يتراكم بشكل ملحوظ على مدار الأسابيع والأشهر والسنوات. والأهم أن الأطفال يستمرون في الحصول على العناصر الغذائية الأساسية مثل الكالسيوم والبروتين وفيتامين "د"، مع استهلاك كمية أقل من السكر. وهذا يعني أننا نحسن القيمة الغذائية للسعرات الحرارية التي يتناولونها دون المساس باحتياجاتهم الغذائية. ومن منظور الصحة العامة، يُعَد تحسين تركيبة المنتجات الغذائية واسعة الاستهلاك من أكثر الوسائل فعالية لتحسين الأنماط الغذائية للأطفال، من دون الحاجة إلى تغييرات جذرية في سلوك الأسر.
بالتأكيد؛ فالسمنة لدى الأطفال ترتبط بعدة عوامل، إلا أن الإفراط في استهلاك السكر يُعَد من أكثر العوامل التي يمكن تعديلها بسهولة. وفي بلدان الخليج، حيث لا تزال معدلات زيادة الوزن والسمنة بين الأطفال تشكل مصدر قلق، فإن تقليل السكر في الأطعمة والمشروبات التي يستهلكها الأطفال بانتظام يمكن أن يساعد في خفض إجمالي السعرات الحرارية المتناولة يومياً. ومع ذلك، احرصوا دائماً على تذكير الأهالي بأن السمنة نادراً ما تكون نتيجة نوع واحد من الطعام أو عادة واحدة بعينها، بل هي انعكاس لنمط الحياة بشكل عام، بما يشمل التغذية والنشاط البدني وجودة النوم ومدة استخدام الشاشات والعادات الأسرية. لذا؛ فإن منتجات الألبان منخفضة السكر ليست حلاً سحرياً، لكنها خطوة عملية وقابلة للتطبيق لدعم النمو الصحي للأطفال.
يُفاجأ العديد من الآباء عندما يعلمون أن السكر لا يعوق النمو بشكل مباشر، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن الأطعمة والمشروبات الغنية بالسكر غالباً ما تحل محل الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية الضرورية للنمو والتطور الصحي. كما يمكن أن يؤثر الإفراط في تناول السكر في الطريقة التي يتعامل بها الجسم مع الطاقة؛ فالاستهلاك المتكرر لكميات كبيرة من السكر قد يسهم في زيادة الوزن بشكل غير صحي، وتراكم الدهون في منطقة البطن، وارتفاع احتمالية الإصابة بمقاومة الأنسولين، والتعرض لإجهاد استقلابي مع مرور الوقت. والعادات الغذائية التي يكتسبها الأطفال اليوم قد تؤثر في صحتهم لعقود قادمة؛ ما يجعل الوقاية المبكرة أمراً بالغ الأهمية.
تابعي أيضًا.. تأثير السكر الصناعي في صحة الطفل وأهم الأطعمة البديلة.
نعم، والأدلة العلمية في هذا المجال تزداد قوة يوماً بعد يوم؛ فالطفولة تُعَد مرحلة حاسمة في بناء العادات الغذائية والصحة الأيضية التي تستمر مدى الحياة. ويرتبط الإفراط في استهلاك السكر بزيادة خطر الإصابة بالسمنة، التي تُعَد بدورها أحد أبرز عوامل الخطر للإصابة بالسكري من النوع الثاني. ومن خلال تقليل السكريات المضافة في سن مبكرة، نساعد الأطفال على الحفاظ على وزن صحي وتعزيز كفاءة استجابة الجسم للأنسولين. ويمكن تشبيه ذلك بحماية "المحرك الأيضي" للجسم من الضغوط غير الضرورية. كما أن العادات الصحية التي تُكتسب في مرحلة الطفولة غالباً ما تستمر حتى مرحلة البلوغ؛ ما يعني أن فوائدها تمتد إلى ما بعد سنوات الطفولة بكثير.
تمتد فوائد تقليل السكر إلى ما هو أبعد من أرقام الوزن؛ فتسوس الأسنان لا يزال أحد أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً بين الأطفال حول العالم، ويُعَد السكر أحد أبرز مسبباته. كما يساعد خفض استهلاك السكر على الحد من التقلبات الحادة في مستويات الطاقة، التي تظهر عادة على شكل ارتفاع سريع في النشاط يتبعه انخفاض مفاجئ. وكثيراً ما يلاحظ الآباء تحسناً في قدرة أطفالهم على التركيز، واستقراراً أكبر في مستويات الطاقة لديهم، وتحسناً في أنماطهم الغذائية عند تقليل الوجبات الخفيفة والمشروبات الغنية بالسكر. وبشكل عام، فإن تقليل السكر يدعم صحة الطفل ورفاهه الشامل، وليس فقط صحته الجسدية.
إليك.. 10 نصائح للحفاظ على أسنان طفلك صحية منذ ظهورها
بالتأكيد؛ فحاسة التذوق لدى الأطفال تتمتع بقدرة كبيرة على التكيف. وتُظهر الأبحاث أن تفضيل المذاق الحلو يُكتسب ويتشكل من خلال التعرض المتكرر له. ومن المثير للاهتمام أن العديد من الأطفال لا يلاحظون حتى الفرق عندما يتم خفض كمية السكر تدريجياً. ومع مرور الوقت، يعتادون النكهات الأقل حلاوة، ويصبحون أكثر تقبلاً للأطعمة الطبيعية الغنية بالعناصر الغذائية مثل الفواكه والخضروات والزبادي الطبيعي. وتسهم هذه المقاربة في بناء عادات غذائية صحية دون أن يشعر الطفل بالحرمان أو التقييد.
نصيحتي بسيطة: لا تعتمدوا فقط على العبارات التسويقية الموجودة على واجهة العبوة. اقلبوا المنتج واقرأوا البطاقة الغذائية بعناية. ينبغي مقارنة المنتجات بناءً على كمية السكر لكل 100 غرام أو لكل حصة غذائية، كما يجب مراجعة قائمة المكونات؛ فقد تظهر السكريات المضافة تحت أسماء مختلفة مثل السكروز، وشراب الجلوكوز، والفركتوز، والمالتوز، والعسل، وشراب الأغاف، أو مركزات عصائر الفاكهة. ومن النصائح المهمة أن المكونات تُرتب عادة بحسب الوزن من الأعلى إلى الأقل. فإذا ظهرت أشكال متعددة من السكر في بداية قائمة المكونات؛ فمن المرجح أن يكون المنتج أعلى في محتواه من السكر مما يبدو عليه.
نعم، وبعضها قد يكون مفاجئاً للعديد من الأهالي؛ فالزبادي المنكه، وحبوب الإفطار، ومشروبات الفاكهة، والعصائر المخفوقة الجاهزة، والحليب بالشوكولاتة، وألواح الوجبات الخفيفة، وحتى بعض المنتجات التي تُسوَّق على أنها "صحية للأطفال"، قد تحتوي على كميات كبيرة من السكريات المضافة. ومن أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً الاعتقاد بأن المشروبات بنكهة الفواكه تعادل تناول الفاكهة الطازجة. بينما تحتوي العديد من هذه المنتجات على سكريات مركزة وتفتقر إلى الألياف الموجودة في الفاكهة الكاملة. وتبقى المشروبات المحلاة من أكبر مصادر السكر الزائد في النظام الغذائي للأطفال؛ لذلك فإن استبدال الماء بها يمكن أن يحدث فرقاً إيجابياً كبيراً.
يكمن المفتاح في التغيير التدريجي، وليس في فرض قواعد صارمة؛ فالأطفال يتجاوبون بشكل أفضل عندما تصبح العادات الصحية جزءاً طبيعياً من حياتهم اليومية. ومن الخطوات البسيطة التي يمكن اتباعها: جعل الماء الخيار الأساسي للمشروبات، واختيار منتجات الألبان الطبيعية أو منخفضة السكر، وتقديم الفواكه الكاملة بدلاً من الوجبات الخفيفة المحلاة، وحصر الحلويات والمكافآت السكرية في المناسبات بدلاً من جعلها جزءاً يومياً من النظام الغذائي. كما أشجع الآباء على إشراك أطفالهم في التسوق وإعداد الطعام؛ إذ يكون الأطفال أكثر استعداداً لتجربة الخيارات الصحية عندما يشاركون في اختيارها أو تحضيرها، والأهم أن يكون الوالدان قدوة حسنة في تبني العادات الغذائية التي يرغبان في غرسها لدى أبنائهما.
تُعَد هذه المبادرات بالغة الأهمية؛ لأنها تسهم في تحسين التغذية على مستوى المجتمع بأكمله. وغالباً ما تكون أنجح تدخلات الصحة العامة هي تلك التي لا يلاحظها الناس بشكل مباشر. فعندما يعمل المصنعون على خفض نسبة السكر في المنتجات الغذائية التي يستهلكها الأطفال بشكل يومي، تصبح الخيارات الصحية هي الخيار الافتراضي والمتاح للجميع. وهذا يعني تقليل تعرض الأطفال للسكر دون التأثير في حصولهم على العناصر الغذائية الأساسية اللازمة للنمو والتطور. وعند دمج هذه الجهود مع التوعية الغذائية، ووضع بطاقات غذائية واضحة، وتنفيذ البرامج الصحية المدرسية، وتعزيز مشاركة الأسرة، يمكن أن تسهم إعادة صياغة المنتجات بشكل كبير في دعم الجهود الوطنية الرامية إلى الحد من السمنة والأمراض المزمنة.
Loading ads...
وفي نهاية المطاف، فإن الأطفال الأصحاء اليوم سيصبحون بالغين أكثر صحة في المستقبل، والتغييرات الصغيرة التي نقوم بها الآن قد تترك أثراً إيجابياً مستداماً على الأجيال القادمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





