عندما يولد ابن الناقة ميتاً وتكتم حليبها، يحشو الراعي جلده بالتبن ليخدع غريزتها ويستدرّ لبنها، هذا الجسد الخادع تسميه الفصحى «البَوّ»، الكلمة التي اقتبسها العرب لوصف كل مظهر خاوٍ يبتز المشاعر، ولهذه الاستعارة غاية سنعود إليها.
لا يُعدّ تدوير الجدل المحسوم بحثاً عن المعنى، بل استنزافاً واعياً لتعطيل الحقيقة وتجميد الإنجاز في تفكيك البديهيات، وهي الدوامة العبثية ذاتها التي تحكم مسار نقد "تلفزيون سوريا" منذ انطلاقته قبل تسع سنوات، كضرورة تاريخية لحماية رواية الثورة وذاكرتها في لحظة انكسار كادت تبتلعهما. ورغم حضوره في زمن التراجع، استهدفته تيارات متناقضة اجتمعت في خصومته واتخذت من اسمه عنوانا لنسج سرديات زائفة.
تعامت تلك الانتقادات عن حاجة مجتمع مشتت لراية جامعة تعلو فوق الاستقطاب، ولم يكن استدعاء اسم «سوريا» احتكاراً، بل استرداداً لحق وطني عام صادرته سلطة النظام طويلاً. ومع تراكم الحضور الميداني والمهني للتلفزيون مقابل إخفاقات خصومه، تعمقت تلك الخصومة وصولاً إلى محطة التغيير واستعادة البلاد.
غير أن تلك السرديات الخاوية لم تجد ملاذاً في النسيان، بل سرعان ما تحينت الفرصة للعودة، متخذة هذه المرة مسرباً نافذاً إلى أروقة الإدارة والسلطة الجديدة بالعنوان العريض ذاته، وفي مسعى لإحياء هيكل أجوف أسقطت لحظة "ردع العدوان" وما حظيت به المؤسسة من تقدير رسمي وعسكري، كل ما دُسّ في جوفه طويلاً من حجج واهية.
ولكشف حقيقة هذا "البَوّ" الذي يعيدون حشوه كل مرة لا لاستدرار الحليب، بل لقطع منفعة قدمت للسوريين بلا ثمن وكانت زبدتها انتصارهم، لا بد من العودة إلى أبجديات القانون التجاري وقوانين الملكية الفكرية، حيث يتفق الفقه التشريعي العالمي على تفرقة هيكلية حاسمة بين "الاسم التجاري" الذي يمثل الكيان الاعتباري، وبين "العلامة التجارية" أو "عنوان المصنف" الذي يمثل الواجهة الإعلامية.
في حالة "تلفزيون سوريا"، يمثل الكيان المالي والإداري المسؤول أمام السلطات والضرائب والقضاء شركة تحمل اسماً تجارياً مستقلاً ومحايداً هو "فضاءات"، وهي مرخصة أصولاً في سوريا وتمارس نشاطها وفق القواعد الناظمة. أما "تلفزيون سوريا" فهو المنتج، وهو العلامة الفارقة، وهو الهوية التي تتوجه للجمهور. إن محاولة خلط الأوراق بين الشركة وعلامتها التجارية للإيحاء بأن المؤسسة تنتحل صفة الدولة أو تحتكر اسمها، هي محاولة تتصادم مع المنطق القانوني السليم الذي يقر بأن العلامة الإعلامية تكتسب شرعيتها من قدرتها التمييزية وأثرها في السوق، وليس من كونها فرعاً من فروع الحكومة.
إن استدعاء التجارب التشريعية للدول العريقة في مأسسة الإعلام يكشف بوضوح أن ما يُطرح اليوم من قيود إدارية لا يمت بصلة للمعايير العالمية. في الجمهورية التركية، على سبيل المثال، يغلق المشرع أبواب السجلات التجارية بقوة أمام أي شركة تحاول احتكار اسم "تركيا" في هيكلها القانوني دون إذن رئاسي، لحماية النظام العام. في المقابل، يتبنى المشرع التركي مسلكاً مغايراً تماماً على مستوى النشر والإعلام، إذ يخضع القطاع لأحكام قانون الصحافة رقم 5187 وقانون الملكية الصناعية رقم 6769. تنظر هذه القوانين إلى مسميات الصحف والمحطات التلفزيونية والمواقع الإخبارية كعناوين مصنفات وعلامات تجارية تُسجل وتُحمى لدى المؤسسة التركية لبراءات الاختراع والعلامات التجارية وفق تصنيف نيس الدولي، وتحديداً ضمن الفئات المخصصة للنشر والبث والخدمات الرقمية. لا يضع قانون الصحافة أي عائق قانوني أمام استخدام المسمى الجغرافي كعنوان مطبوعة أو محطة، بل يشترط جدية النشر واستمراريته، حيث تنص المادة التاسعة منه على سقوط التصريح في حال انقطاع الإصدار لمدة ثلاث سنوات متتالية، مع بقاء الحماية المقررة للعلامة التجارية المسجلة والتي تسقط بدورها إذا تُركت دون استخدام فعلي لمدة خمس سنوات متصلة.
تتجسد هذه الثنائية بوضوح تام في تجربة صحيفة "تركيا" التي تأسست عام 1970 تحت اسم آخر قبل أن تتخذ مسمى الدولة كواجهة إعلامية دائمة وتتوسع لاحقاً بإصدار نسختها الأوروبية. لم تصطدم هذه المؤسسة بالمحظورات الواردة في قانون التجارة التركي، ولم تكن بحاجة لمرسوم رئاسي لتثبيت وجودها، لكون الكيان الاعتباري المسجل رسمياً الذي يحمل الالتزامات المالية والمسؤوليات التحريرية هو شركة "إخلاص للصحافة المساهمة". يوضح هذا النموذج التطبيقي أن الفصل التام بين الاسم الاعتباري المسجل "إخلاص" والاسم الإعلامي المنشور "تركيا" يوفر للمؤسسة حصانة قانونية تتيح لها الاستفادة من الهوية الوطنية للمنتج الإعلامي دون التعدي على القيود المنظمة للأسماء التجارية في السجلات الحكومية.
يتطابق الواقع المؤسسي لتلفزيون سوريا مع مبدأ الفصل الهيكلي السليم، فالقناة لا تدعي أنها شركة تجارية مستقلة مسجلة في السجل التجاري باسم "شركة سوريا"، ولا تمارس التعاقدات المالية والمصرفية تحت هذه الصفة، بل تعمل كواجهة إعلامية وعلامة تجارية تابعة ومملوكة بصورة قانونية مباشرة للشركة الأم وهي شركة "فضاءات". هذا التمييز ينزع عن التسمية أي شبهة للتحايل التجاري، ويفصل بين الشخصية الاعتبارية للشركة الحاضنة وبين المحتوى المعنوي للخدمة الإعلامية الموجهة للمواطن السوري.
بالانتقال إلى النظام القانوني السوري الحالي ورغم أنه صيغ جله في عهد النظام البائد، يخضع تأسيس الشركات وتنظيم وسائل الإعلام لمنظومة تشريعية محددة تشمل قانون التجارة السوري وقانون الإعلام الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 108 لعام 2011، إلى جانب أحكام المرسوم التشريعي رقم 8 لعام 2007 المتعلق بحماية العلامات الفارقة والمؤشرات الجغرافية والرسوم والنماذج الصناعية. تكرس هذه القوانين قاعدة أصولية راسخة مفادها أن الأصل في المعاملات والأفعال هو الإباحة، ولا يترتب بطلان أو حظر إلا بناءً على نص تشريعي صريح ونافذ يقيد هذا الحق.
بمراجعة النصوص القانونية السورية الناظمة للإعلام والنشر والملكية التجارية، يتبين خلو المنظومة القانونية المعمول بها من أي نص آمر يحظر استخدام اسم "سوريا" كعنوان لوسيلة إعلامية أو كعلامة تجارية تميز خدمة بث إذاعي أو تلفزيوني. يمنع القانون السوري بطبيعة الحال انتحال صفات المؤسسات العامة أو استخدام الشعارات الرسمية للدولة كشعار النسر السوري أو الأختام الوزارية دون ترخيص، إلا أن إطلاق اسم الوطن المجرد على وسيلة إعلامية مطبوعة أو المحطة التلفزيونية لا يندرج تحت هذا الحظر، بل يُعامل وفق ضوابط الحماية القانونية للملكية التجارية.
تتعزز هذه المشروعية القانونية بصورة مضاعفة عند تفحص البيئة التشريعية والتنظيمية خلال مرحلة ما بعد النظام البائد، إذ لم تشهد هذه الفترة صدور أي تشريعات جديدة أو مراسيم تعديلية تفرض قيوداً طارئة على تسميات وسائل الإعلام أو تمنع الكيانات الخاصة من إطلاق المسمى الوطني السوري على منصاتها. إن غياب النص المانع، إلى جانب الاستقرار الإجرائي والتنظيمي، يؤكد بقاء الإجراءات ضمن دائرة المشروعية المكتملة. علاوة على ذلك، تثبت المقابلة التي خص فيها الرئيس التلفزيون أول أيامه في الحكم، والترخيص الذي حصل عليه قبل أكثر من عام بشكل "مؤقت" كخدمة إعلامية خضوعه الكامل للقوانين النافذة واعتراف السلطات المختصة بشرعية هذا النشاط وتوافقه مع النظام العام، مما يكسب التسمية حصانة قانونية مستمرة تنفي عنها أي تعارض تشريعي.
وإذا ما وضعنا تركيا التي ينظر إليها السوريون كنموذج يحتذى به جانبا، ونحينا كل القوانين التي تسير عليها سوريا حاليا بحجة أنها قوانين النظام، وعدنا إلى "الربيع الديمقراطي" الذي أعقب سقوط حكم أديب الشيشكلي عام 1954، تلك الحقبة الذهبية التي استعادت روح دستور 1950 وكرست حرية النشر والتعددية دون وصاية أو احتكار رسمي لمفردات الفضاء العام لوجدنا أن قوانين تلك الفترة لم تمنع أبداً إطلاق اسم سوريا على أي مؤسسة. ولا يتضمن قانون المطبوعات العام الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 53 لسنة 1949 وتعديلاته والذي نظم تلك الفترة أي نص قانوني صريح يمنع إطلاق اسم "سوريا" على أي صحيفة أو مطبوعة دورية، حيث اقتصرت أحكامه المتعلقة بالعناوين، وتحديداً في المادة السادسة عشرة، على إلزام صاحب الامتياز بذكر اسم المطبوعة ونوعها ومنهجها ضمن طلب الترخيص دون فرض قائمة بأسماء محظورة أو استثناء للأسماء الوطنية والجغرافية، واقتصر القيد الاسمي الأساسي في المادة السادسة والثلاثين على حماية الملكية الفكرية بمنع إعادة استخدام اسم مطبوعة محتجبة إلا بعد انقضاء عشر سنوات على توقفها منعاً للالتباس.
إن استقراء التاريخ الصحفي السوري يُسقط ادعاء الاستثناء التنظيمي إذ لم يكن اسم الوطن يوماً حكراً رسمياً مصادراً، بل ظل عنواناً عريضاً لمبادرات إعلامية أهلية ومشاريع فكرية مستقلة واكبت مختلف التحولات في البلاد. فمع بديات تشكل كيان سوريا أصدر توفيق اليازجي وحبيب كحالة جريدة «سوريا الجديدة» بدمشق عام 1918م حتى عطلها الانتداب عام 1926م. وتوازى هذا الحراك جغرافياً بتأسيس أنطون يوسفاكي شعراوي في حلب لجريدة «سورية الشمالية» عام 1921م، تلاها صدور جريدة «صدى سوريا» في حمص عام 1922م على يد نسيب شاهين ووهبة مبيض.
وتجلت أرفع صور هذا التوظيف الأهلي المستقل حين أطلق محمد أبو الخير الدالاتي بدمشق عام 1928م جريدة «سورية» الأسبوعية المصورة، التي تولى إدارتها أحمد مختار الحكيم ثم محمد صالح، وخُصص ريعها لدعم «مدرسة الناشئة العربية»، مستمرة لخمس سنوات، دون أن تجد السلطات آنذاك أي مسوغ لمنع اقتران اسم البلاد بمشروع مدني ذي نفع عام. وصدر غيرها عشرات المطبوعات المستقلة التي حملت الصفة ذاتها مثل «البريد السوري» و«السوري الجديد» و«الشاطئ السوري» باللاذقية عام 1953م.
ويعزز هذا الطرح بالنظر إلى المستقبل وما يطمح إليه السوريون اليوم في مسار بناء دولتهم الحديثة، فلو صيغ قانون إعلام معاصر يستلهم تلك التطلعات في فتح آفاق الحريات، ويضمن حق النقد والمساءلة واستقلالية المنابر عن التغول الإداري، لافضى الاحتكام إليه إلى النتيجة ذاتها. إن القوانين الحية سواء انبثقت من تجارب ديمقراطية قريبة منا أو استُلت من إرث وطني متحرر، أو صيغت استجابة لمستقبل منشود، تتلاقى جميعاً عند مبدأ بديهي يرفض خنق الفضاء العام بالذرائع البيروقراطية، ويقر للمؤسسات الرائدة بحقها الطبيعي في حمل اسم بلادها كعنوان لخدمتها ومسؤوليتها المجتمعية.
إن ما يجب أن يطمح إليه السوريون قائمٌ في لحظات التعافي الوطني بعد حكم الشيشكلي، حين قاد الإجماع العريض الموقّع على "ميثاق حمص" إلى إلغاء مراسيم الحكم الفردي، وإفساح المجال أمام الرئيس الشرعي هاشم الأتاسي لإتمام ولايته التي بترتها الانقلابات.
تُوّج هذا المسار بانتخابات أيلول 1954 النيابية التي جرت في أجواء مشهودة من النزاهة والتنافس الحر تحت مظلة حكومة محايدة أدارها سعيد الغزي، لتفرز برلماناً عكس الفسيفساء السياسية السورية في أبهى صورها التعددية، وانعكس هذا المناخ الدستوري فوراً على الفضاء العام، فانفكت القيود عن المطبوعات المستقلة والحزبية التي خنقها العهد العسكري، واستعادت الصحافة السورية حريتها وحيويتها، فصدرت عشرات الصحف والمجلات اليومية والأسبوعية التي مثّلت مختلف الأطياف الفكرية والسياسية (القومية، المحافظة، واليسارية) وشكّلت منبراً حراً للنقاش والمساجلة السياسية.
وقد ظل هذا المشهد التعددي الحي دليلاً قاطعاً على أن ازدهار الصحافة واستقلال منابرها لا ينفصلان عن مناخ الحريات العامة وسيادة القانون، حتى أسدل رئيس المكتب الثاني عبد الحميد السراج الستار على تلك التجربة الفريدة، إذ استثمر محاكمة "المؤامرة الكبرى" مطلع 1957 على مدرج جامعة دمشق برئاسة العقيد عفيف البزري، لتحويلها إلى منصة استعراضية خُنقت بها الحريات وصُفّي بها الخصوم بتهم العمالة لحكومة نوري السعيد.
كانت الصحافة في مقدمة ضحايا "البوّ" الذي حشاه السراج فاقتيد أصحاب الرأي للمحاكمة كسامي كبارة صاحب صحيفة "النضال" ووزير العدل السابق، وأُغلقت منابر مستقلة كجريدة "ألف باء"، وفُرضت رقابة أمنية دمجت المعارضة بالتخوين. استغل السراج وحلفاؤه كأكرم الحوراني وخالد العظم تلك المحاكمات لترسيخ سلطته كـ "حارس يقظ" قايض التعددية بالهاجس الأمني، ممهداً الطريق لابتلاع المجال العام بأسره.
Loading ads...
إن تدوير الاستفهام ذاته والاتكاء على هياكل أفرغتها التجربة من مادتها، يظل ممارسة تهدف إلى حبس الحقيقة في حلقة مفرغة وتجميد اللحظة أمام استحقاقات بناء الدولة السورية. لقد برهنت المحطات الفاصلة أن الحضور المهني لا يُلغى بافتعال التناقضات، وأن المشروعية تنبع من حماية السردية وحمل هموم الناس لا من اختلاق العوائق، وعليه، فإن المنطق التشريعي والتاريخي يفرض تجاوز هذه الحلقات الاستنزافية بدلاً من إعادة إنتاج الذرائع الجوفاء في كل منعطف لتبرير تقويض المنابر المستقلة، فالمؤسسات الإعلامية الراسخة تستمد مشروعيتها من صدق أثرها في الوجدان العام، لا من "البَوّ".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

