30 دقائق
المكان متكرر والزمن يعيد نفسه.. هل يحمل عقلك ذكريات من كون سابق؟
الإثنين، 21 سبتمبر 2026
ماذا لو أن كل ما فعلته في حياتك، وكل ما ستفعله، قد حدث من قبل؟ ماذا لو كنت نسخة من عدد كبير، وربما لا نهائي، من النسخ التي تكرر كل شيء بحذافيره؟
يقدم عالم الفيزياء شون كارول فرضية جديدة، بوجود نموذج كوني جديد ينطلق من ميكانيكا الكم وفضاء هيلبرت المحدود بدلا من النسبية العامة، ليقترح أن الوجود عبارة عن دورات مغلقة تعيد فيها الأحداث التاريخية والكونية نسج نفسها بحذافيرها كنسخة طبق الأصل في كل مرة، كالأفعى الأسطورية التي تبتلع ذيلها.
جاءت هذه الفكرة أساسا لحل مأزق غريب يسمى "أدمغة بولتزمان"، فالنظريات القديمة تفترض أنه إذا استمر الكون في التوسع بلا توقف، فإن حركة الذرات ستنتج مع الوقت عقولا واعية سابحة في الفضاء تحمل ذكريات وهمية، وربما نكون نحن مجرد أحد هذه العقول الزائفة. وللتخلص من هذه المفارقة، يفترض النموذج أن الكون لا يتصرف بعشوائية مطلقة، بل يسلك مسارا كموميا مضبوطا بدقة يمنع ظهور تلك الأدمغة، ويجبر الكون بعد وقت طويل جدا على العودة إلى نقطة بدايته تماما كما يعود أي نظام مغلق لحالته الأولى.
ولكي تبدأ الدورة من جديد، لا ينتهي الكون بفراغ ميت ودائم، بل يعكس حركته كشريط فيديو يعرض إلى الوراء، فيبدأ الضوء بالتضاغط، وتتحول الثقوب السوداء التي كانت تبتلع كل شيء إلى ثقوب بيضاء تطرد المادة والطاقة للخارج. هذا الانكماش يقود كل شيء نحو "انسحاق عظيم" يماثل الانفجار العظيم لكن في الاتجاه المعاكس، وعندما يبلغ ذروته يرتد من جديد في انفجار وولادة جديدة، ليعيد كتابة نفس تاريخ الكون بالحرف والتفصيل.
ورغم أن هذه الفرضية تقدم زاوية ذكية لفهم "سهم الزمن" وسيره دائما للأمام مع زيادة الفوضى (الإنتروبي)، وتساعد في محاولة التوفيق بين ميكانيكا الكم والجاذبية، إلا أنها تصطدم بعقبة أساسية؛ فالنموذج يعجز عن تفسير سبب بدء الكون في حالة استثنائية من النظام الشديد والإنتروبي المنخفضة، ويبقى مجرد طرح رياضي وفلسفي بانتظار أدلة رصدية تثبته.
إذا كانت وجهة نظر شون كارول صحيحة فعلا، فقد أجرينا هذه المقابلة معه من قبل، وليس مرة واحدة فحسب، بل مرات لا تحصى. وبالاستناد إلى حديثه، فإننا التقينا في دورة سابقة من الكون، وأجرينا هذا الحوار في دبلن بأيرلندا، وطرحنا الأسئلة ذاتها، وتلقينا الإجابات نفسها، وناقشنا الاحتمال المقلق بأن الكون محكوم عليه بإعادة تشكيل نفسه من جديد كنسخة طبق الأصل من سابقتها.
يواصل شون، عالم الكونيات الكمومية والفيلسوف في جامعة جونز هوبكنز في مدينة بالتيمور بولاية ماريلاند الأمريكية، سعيه متلمسا طريقه نحو محاولة الإجابة عن أحد أعمق أسئلة الفيزياء وهو: كيف يمكن للجاذبية، ولهذا الكون الكلاسيكي المألوف لنا، أن ينبثقا من رحم القوانين الغريبة لميكانيكا الكم؟ وبخلاف معظم علماء الكونيات الذين اتخذوا من الكون المرصود حاليا نقطة انطلاقهم للعودة بالزمن إلى الوراء وسبر أغوار بدايات الكون، اختار شون الطريق المعاكس، ولجأ إلى المدى المترامي للاحتمالات الكمومية، متخذا من نظرية الكم نفسها دليلا يمكن أن يهتدي به لتفسير نشأة الكون.
"يفترض شون كارول أن الكون يستمر في الاتساع ثم ينكمش قبل أن يبدأ دورة جديدة"
وعلى عكس ما يمليه عليه عقله، ورغم عدم رضاه الكامل عما توصل إليه، قاده هذا النهج إلى كون يستمر في الاتساع ثم ينكمش قبل أن يبدأ دورة جديدة. صحيح أن الأكوان الدورية ليست بالفكرة الجديدة، إلا أن اقتراح شون ينطوي على تحول فريد. ففي معظم نماذج الأكوان الدورية، تختلف كل دورة عن سابقتها، بينما تظهر دورات شون كصورة طبق الأصل من بعضها، فكل مجرة تتشكل من جديد بهيئتها السابقة، وكل قصة تُعاش مرة أخرى دون تغيير، وكل نقاش دار بين شخصين يُعاد حرفيا دون زيادة أو نقصان.
كما يقدم هذا النموذج الغريب حلا لمعضلة مؤرقة تتعلق بما يسمى "أدمغة بولتزمان". ففي العديد من نماذج الأكوان التي تستمر لزمن طويل للغاية، يُفترض أن تظهر أدمغة واعية في الكون تحمل ذكريات مزيفة لدرجة أن عددها قد يفوق عدد العقول البشرية العادية. وللتعمق أكثر في هذه القضية بدأنا حوارنا مع شون كارول كالتالي:
شون كارول: تمثل ميكانيكا الكم رؤيتنا الأساسية والأشد جوهرية عن هذا العالم. ومع ذلك، عندما تدرس الفيزياء، تتعلم أولا الميكانيكا الكلاسيكية، ثم بعدها ميكانيكا الكم، وأثناء تعلمك للأخيرة، ستجد نفسك مضطرا مرة أخرى إلى البدء بنظام كلاسيكي لتحويله في النهاية إلى نظام كمي. بعبارة أخرى، إنك تتعلم خلال هذه العملية كيفية "تكميم" النظرية.
وبالفعل، أحرز هذا النهج التقليدي نجاحا باهرا مع قوى مثل الكهرومغناطيسية، لكنه بدا عاجزا أمام الجاذبية. لقد حالفنا الحظ ببساطة مع قوى الطبيعة الأخرى، لكن ما قد يبعث على الدهشة حقا ونحتاج إلى التوقف عنده قليلا ليس صعوبة "تكميم" الجاذبية (أي تحويلها من قوة متصلة وسلسة إلى كيانات أو وحدات طاقة صغيرة تسمى كمات)*، بل كيف نجحت عملية "التكميم" هذه مع كل شيء آخر بهذا القدر من الكفاءة؟
لذا خلال العقد الماضي، انغمس تفكيري تماما في كيفية اللجوء لميكانيكا الكم باعتبارها بوصلتي الأولى، ومحاولة استنتاج كيف ينبثق العالم المرصود أو الكون الذي نراه اليوم على هيئته الحالية منها، بدلا من البدء بدراسة العالم المرصود ثم محاولة "تكميمه".
وللوصول إلى إجابة، بدأت بالسؤال الأهم: ماذا لو نظرنا إلى ميكانيكا الكم من منظور أكثر جدية؟ تمنحنا ميكانيكا الكم بداية جديدة نقية لا تشوبها افتراضات مسبقة، ولكن عند تطبيق أفكار كهذه على كون لا نهاية له، سرعان ما سنواجه معضلة حقيقية محتملة وهي أدمغة بولتزمان. ولكن قبل الشروع في تفكيك هذه المعضلة، علينا أن نفهم أولا ما هي أدمغة بولتزمان من الأساس.
إذا افترضنا بأن الكون سيظل يمتد إلى ما لا نهاية، فهذا معناه أنه سيقضي معظم عمره في حالة تسمى "التوازن الحراري"، وهي حالة تتوزع فيها الطاقة بأكبر قدر ممكن من التساوي، فيبدو الكون ظاهريا هادئا وساكنا، دون أي أحداث تهب على أجوائه المستقرة. لكن طالما أن حرارة الفضاء لم تهبط إلى الصفر، فإن هذا السكون الظاهري لن يخلو من بعض التقلبات، والتي قد تتيح تشكيل جيوب صغيرة من الفوضى وسط النظام.
لتقريب المعنى أكثر، فكر في المسألة الرياضية الشهيرة التي كلف بها طلاب الفيزياء في بداية دراستهم. فقد طُلب منهم تخيل الهواء في الغرفة التي يجلسون فيها ثم حساب الوقت اللازم لجمع جزيئات هذا الهواء كلها من خلال حركتها، في نصف الغرفة. تقول الفيزياء إن ذلك سيحدث حتما في النهاية نتيجة الحركة العشوائية للذرات، لكنه يحتاج إلى فترة زمنية طويلة جدا قد تتجاوز بكثير عمر كوننا الحالي.
وبالمثل، تبدأ التقلبات والتذبذبات داخل الكون في استنفاد كل الاحتمالات المسموح بها فيزيائيا بعد مرور وقت كاف، فينبثق من رحم هذا الاحتمال كون يماثل كوننا، وتظهر فيه فجأة "عقول" عابرة، وحيدة، ومحاطة بفراغ كوني تام، ومحملة بذكريات زائفة توهمها بأنها عاشت تاريخا كاملا في عالم حقيقي يشبه كوننا قبل هذه اللحظة، هذه العقول هي ما يعرف بـ "أدمغة بولتزمان".
"في سيناريو الكون اللا نهائي لا مفر من ظهور أدمغة بولتزمان، وبأعداد مهولة تتجاوز بكثير أعداد البشر"
تشير الحسابات في النماذج التي تقول إن الكون لا نهاية له إلى أنه لا مفر من ظهور مثل هذه الأدمغة وبأعداد مهولة تتجاوز بكثير أعداد البشر أو الكائنات التي نشأت حياتها وازدهرت عبر مليارات السنين على الكواكب وبين المجرات والنجوم. وهنا تكمن المفارقة، فلو كانت هذه النظرية صحيحة بالفعل، فذلك معناه أنك ربما تكون واحدا من هذه الكيانات، وأن كل ما يقبع داخل ذاكرتك مبتور الصلة تماما بالواقع الحقيقي.
لكن ما قد تغفو عنه هو أنك في اللحظة التي ستتوصل فيها إلى هذه النتيجة، ستسقط هذه الفرضية في فخ التناقض الذاتي وستدمر نفسها بنفسها. فلو كانت صحيحة فعلا، فهذا يعني امتلاكك الآن لذكريات لا يمكن التعويل عليها، فما الذي قد يجعلك تثق بهذه الأدلة أو الحسابات التي قادتك إلى هذه النظرية من الأساس؟
شون كارول: لأصدقك القول، لم تحظ هذه الفكرة يوما بقبولي، ولم أجد فيها ما يستهويني. فهي فكرة قديمة أججت في نفسي دائما تخوفات جراء عجزها عن حل المشكلات التي تواجهنا بالفعل، فضلا عن خلقها لمشكلات جديدة كليا. فبعض ثوابتها الفيزيائية مثلا تقتضي معايرة بالغة الدقة والإحكام لتتطابق مع الكون الذي نراه اليوم. لهذا، لم أجشم نفسي عناء إطالة المكوث عندها أو إهدار وقت كبير في التفكير فيها.
غير أننا أدركنا في ورقة بحثية حديثة أعددتها بالتعاون مع زميلتيّ ناديا دياتشينكو، وساكشي دولاني من جامعة جونز هوبكنز، أن ثمة ثغرة يمكن التسلل من خلالها لحل معضلة أدمغة بولتزمان، وهي أن نبدأ بوصف كمومي للوجود بأكمله وهو "الدالة الموجية للكون". فميكانيكا الكم تصف الكون من خلال فضاء رياضي متخم بالاحتمالات يدعى فضاء هيلبرت. لكننا لا نعلم إن كان هذا الفضاء محدود الأبعاد أم أنه ممتد إلى ما لا نهاية. ولأن محدودية أبعاده لا تزال احتمالا قائما، فقد قررنا استكشاف ما الذي قد يفضي إليه الدرب عند دراسة هذا الاحتمال.
شون كارول: يمثل فضاء هيلبرت المساحة التي تنطوي على جميع الحالات الكمومية الممكنة، أو بعبارة أخرى، جميع الدوال الموجية المحتملة. لتقريب الصورة أكثر، فلنأخذ على سبيل المثال الإلكترون. يمتلك هذا الجسيم خاصية جوهرية تعرف باللف المغزلي، وهي خاصية تمكنه من التحرك إلى أعلى أو إلى أسفل أو تحوله إلى خليط يتأرجح بين الحالتين في وقت واحد. وهنا تحديدا يبزغ الدور الذي يلعبه فضاء هيلبرت، إذ يمثل المساحة التي تضم في كنفها جميع هذه الاحتمالات والتوليفات الممكنة.
وفي حالة كان فضاء هيلبرت ذا أبعاد محدودة، سيحيلنا ذلك إلى نتيجة رياضية شهيرة معروفة بنظرية تكرار بوانكاريه، التي يعود أصلها إلى العالم هنري بوانكاريه حين كان يتأمل حركة الكواكب حول الشمس. تنص هذه النظرية على أن أي نظام يملك نطاقا محدودا من الحالات الممكنة، سيعود حتما إلى نقطة قريبة جدا من نقطة بدايته بمجرد انقضاء وقت كاف، وهو ما يُعد منطقيا. فإذا كان لديك وقت لا نهائي، وعدد محدود من الحالات التي تشغلها، ستعود بالتأكيد إلى حالة قد مررت بها من قبل. وهكذا، حين نجمع هذه العناصر معا لتصل إلى عدد محدد من الحالات الممكنة التي تتطور بسلاسة عبر مدة زمنية لا نهائية، سنصل في النهاية إلى مفهوم الدورات الكونية.
"يمثل فضاء هيلبرت المساحة التي تنطوي على جميع الحالات الكمومية الممكنة"
(لتسهيل الصورة أكثر، تخيل أن لديك صندوق ألعاب صغير به ثلاثة مكعبات فقط بثلاثة ألوان مختلفة، ولديك طفل يستغرق في اللعب بها مدة طويلة جدا. ستدرك على الفور أن المكعبات الثلاثة لا يمكن ترتيبها إلا بعدد محدد جدا من الأشكال. في البداية، سيرتب الطفل المكعبات، ثم سيغير ترتيبها كل دقيقة. ووفقا لمحدودية الخيارات المتاحة أمامه مقابل وقت مفتوح للعب، ستجده ينهي الترتيبات كلها في وقت قصير من بداية اللعب، ثم سيعيد الكرة من جديد، وبالطبع سيظهر ترتيب للمكعبات قد ظهر في مرة سابقة. ومع استمراره في اللعب، سيكرر الترتيبات ذاتها مرات لا تحصى).*
في النماذج العادية، تمر كل دورة كونية بجميع الحالات المسموح للنظام أن يشغلها، ومن ضمنها تلك الحالات التي تتشكل فيها أدمغة بولتزمان. ولكن إن ضبطت مسار تطور الكون بدقة فائقة، لن تمر الدالة الموجية بالضرورة بجميع الاحتمالات. (والدالة الموجية هنا ليست جسيما ماديا يتحرك، بل هي خريطة رياضية تعبر عن حالة النظام الكوني بإعطائك نسب احتمالات مكان وجود الجسيمات وكيف ستتغير في المستقبل)*. تخيل الأمر كأنك تضبط حركة الذرات، تلك الكرات الصغيرة التي تتصادم ككرات البلياردو فيصعب استكشاف كل ترتيب ممكن لها.
في هذه الحالة، سنراها تسلك مسارا واحدا محددا. وما إن تبلغ نهايته، حتى ترتد عائدة إلى نقطة البداية لتسلك المسار ذاته في دورة جديدة متكررة. وإن لم يمر هذا المسار بالحالات التي تحفز ظهور أدمغة بولتزمان، فلن تبزغ تلك الأخيرة إلى الوجود أبدا، أو على الأقل سيكون احتمال ظهورها نادرا جدا لدرجة تمنعها من تشكيل نسبة تفوق عدد البشر أو الكائنات الواعية في هذا الكون. وهو بالضبط ما نعتقد أن ثمة احتمالية لحدوثه في نموذجنا العلمي. إذ لا يكفي أن يكون الكون دوريا على نحو تقريبي، أو بمعناه العام، بل لا بد لتطوره الكمومي أن يظهر نتيجة لحدوث دورات متناهية في الدقة والانتظام.
شون كارول: بالضبط. تقر معظم النماذج الكونية بأن الكون يبدأ بانفجار عظيم يليه مرحلة تمدد ثم تبريد إلى أن يهوى في النهاية إلى فراغ تام. وهو بالضبط ما نشهده اليوم في كوننا المرصود، فالمجرات تتباعد عن بعضها، وحرارة الفوتونات الهائمة في إشعاع الخلفية الكونية (وهو الإشعاع الحراري الذي خلّفه وراءه الانفجار العظيم)* تبرد وتتلاشى حتى لا يتبقى في النهاية سوى فضاء خال من كل شيء. وهناك يستكين الكون في كنف هذا الفراغ أمدا طويلا.
غير أن الأمر مختلف في نموذجنا الحالي، إذ نعرض المشهد معكوسا. فمثلما كان تمدد الكون يعني تباعد كل شيء عن بعضه، وتضاؤل كثافته أو زيادة تخلخله، وتمدد الفوتونات (أي جسيمات الضوء)* إلى أن تنزاح نحو الأحمر، ستجد في نموذجنا أن الفوتونات تتوافد لتنضغط وتبدأ انزياحها نحو الأزرق، فتنبثق الجسيمات فجأة وتنتشر في الأرجاء. وبدلا من ظهور ثقوب سوداء تبتلع كل شيء، ستتشكل ثقوب بيضاء تلفظ باستمرار المادة والطاقة إلى خارجها. (عندما يبتعد عنا مصدر ضوئي كمجرة على سبيل المثال، تمتد موجات الضوء وتستطيل، فيتحول لونها نحو الطرف الأحمر من الطيف الضوئي، وهو دليل على تمدد الكون وهو ما يطلق عليه الانزياح نحو الأحمر، والعكس عند الانزياح نحو الأزرق)*.
"تدور فصول الحكاية بأكملها بصورة عكسية، فنراها تتجه نحو الانسحاق العظيم الذي يماثل تماما الانفجار العظيم ولكن في زمن معكوس"
وبالتالي، تدور فصول الحكاية بأكملها بصورة عكسية، فنراها تتجه نحو الانسحاق العظيم الذي يماثل تماما الانفجار العظيم ولكن في زمن معكوس. وعندما يصل ذلك الانسحاق إلى نقطة ارتداد، يبزغ الانفجار العظيم الذي نعرفه مرة أخرى، وهكذا تتكرر الدورة من جديد.
قد تتساءل عن سبب استغراق الكون لهذا الكم الهائل من الوقت لإنهاء دورة والبدء من جديد، ويعود السبب في ذلك إلى أن أجزاء مهولة من الحالة الكمومية للكون تتطور في وقت واحد، ولا تتكرر عملية الولادة هذه إلا عندما تتناغم فصول القصة بأكملها وتصطف جميعها من جديد عند نقطة البداية. ولو انتظرت وقتا كافيا، ستدرك أن تاريخ الكون بأكمله سيستمر إلى ما لا نهاية في إعادة تكرار نفسه بدقة مدهشة.
شون كارول: لا تخامرني مشاعر قوية تجاه هذا الأمر في الحقيقة، فكما ذكرنا في الورقة البحثية، تعتمد المسألة كلها على اختيار ما تؤمن به في النهاية. يمكنك تأمل هذا النموذج باعتباره كونا دوريا يعيد فيه التاريخ نفسه مرارا وتكرارا، أو يمكنك اعتباره كونا واحدا مميزا يولد مرة واحدة فقط ثم يلتهم ذيله على غرار "الأوربوروس"، ذلك الرمز الأسطوري القديم للأفعى التي تبتلع ذيلها (فتشكل حلقة دائرية تعبّر عن الخلود أو اللانهاية، ويعود أصل هذا الرمز التاريخي إلى مصر القديمة)*.
شون كارول: يمكن لنماذج كهذه أن تساعدنا على بناء فهم أفضل لطريقة عمل الزمن. سنجد مثلا في عالمنا الحقيقي الذي ندركه الآن أن الزمن يتبنى اتجاها واحدا مستقيما، فيتحرك من الماضي إلى المستقبل، وهو ما يعني أن بإمكاني اليوم أن أقوم بأفعال قد تؤثر على المستقبل، لكنني مهما واصلت سعيي، سأظل عاجزا تماما عن فعل أي شيء قد يؤثر على الماضي. غير أن الفيزياء الأساسية – وفق أفضل فهم بلغناه لقوانينها حتى الآن – تجادل بأن الزمن لا يملك اتجاها محددا.
لكننا لحسن الحظ نعرف نوعا ما كيف نحل هذا التناقض عبر مفهوم يُدعى "الإنتروبي"، وهذا المفهوم في جوهره ليس إلا طريقة لعد الاحتمالات. لنأخذ فنجان قهوة كمثال على ذلك. يتكون هذا الفنجان من ذرات وجزيئات لا نراها منفردة، ولا نستطيع تحديد موضع كل منها أو اتجاه حركتها.
وبناء على ما نراه في فنجان القهوة، يمكننا أن نتساءل عن عدد الترتيبات المختلفة للذرات التي يمكن أن تعطينا الشكل ذاته، وهذا العد للترتيبات هو ما يسمى بالإنتروبي. فحين نسكب الكريمة فوق القهوة على سبيل المثال، تكون المادتان في البداية منفصلتين. وإن رغبنا في حساب عدد الاحتمالات التي ستترتب فيها الذرات بحيث تظل الكريمة في جانب، والقهوة في جانب آخر، سنجدها احتمالات قليلة جدا، بخلاف الاحتمالات المهولة التي ستظهر حينما نحاول مزجهما معا. لذلك تتجه الأمور دائما نحو الاختلاط أو العشوائية، أي زيادة الإنتروبي. وهذا الميل الدائم للإنتروبي نحو التزايد هو ما يمنح الزمن اتجاهه إلى الأمام، أو بمعنى أصح يمنحنا شعور أن الزمن يمضي إلى المستقبل فحسب.
"هذا الميل الدائم للإنتروبي نحو التزايد هو ما يمنح الزمن اتجاهه إلى الأمام"
ولكن إذا كانت الإنتروبي في تزايد مستمر ودائم، فهذا يعني أن الكون في بداياته الأولى، أي في وقت قريب للغاية من لحظة الانفجار العظيم، انغمس في حالة خاصة جدا ذات "إنتروبي" شديدة الانخفاض. فلماذا كانت بداية الكون بهذه الدرجة من الانخفاض، أو بمعنى أدق: لماذا بدت شديدة الانتظام على هذا النحو المذهل؟ في الحقيقة، لا يملك أحد إجابة قاطعة، غير أن نفوسنا انطوت على جذوة مشتعلة بالأمل في أن يمنحنا بناء نموذج كوني قائم على أسس ميكانيكا الكم بعض المؤشرات لفهم هذا اللغز.
شون كارول: للأسف لم نتمكن من حل مشكلة انخفاض الإنتروبي في هذه الفترة من عمر الكون، على الأقل في ظل ما بلغناه من معرفة حتى الآن. بل والأدهى أن هذا النموذج زاد المشكلة تعقيدا. فنحن نجري عمليات محاكاة حاسوبية مصغرة تبدأ فيها الدالة الموجية للكون بحالة ذات إنتروبي منخفضة. ولو سألتنا عن السبب، سيكون جوابي أن هذا نابع من رغبتنا وقرارنا الشخصي ولا شيء أكثر من ذلك. ولكن من يعلم، فقد ترشدنا الأيام القادمة إلى تفسير ما. فهذه هي الآلية التي يعمل بها العلم، إذ يحقق مآربه عبر إنجازات صغيرة ومتراكمة.
شون كارول: في نموذجنا الحالي، ما إن يتمدد الكون ويبرد حتى يصل إلى حالة من التوازن الحراري حيث تحترق النجوم وتتحول إلى ثقوب سوداء، ثم تتبخر الثقوب السوداء، ولا يتبقى في النهاية سوى فضاء خال تماما. وفي خضم ذلك كله، يبقى الزمن موجودا دون أن يمسه شيء باستثناء اتجاهه الذي يختفي خلال معظم تاريخ الكون.
إلا أن سهم الزمن المختفي لن يمثل عائقا حقيقيا أمام أي مراقب أو راصد. ففي هذه المرحلة من عمر الكون، لن يوجد أي مراقب من الأساس، وسيكون الفراغ الممتد بلا نهاية هو كل ما لدينا.
شون كارول: غايتنا الأخيرة هي محاولة فهم الجاذبية الكمومية، إلا أن إحدى العقبات الكبرى التي تعترض طريقنا تتمثل في غياب البيانات التجريبية الدقيقة، إذ لا نزال عاجزين مثلا عن رصد الجسيمات الافتراضية للجاذبية والمعروفة بالغرافيتون.
Loading ads...
ومع ذلك، فمعرفتنا بحقيقة أن كوننا انغمس في حالة إنتروبي شديدة الانخفاض في بداياته، تعتبر من أثمن وأهم المعطيات التي بين أيدينا اليوم. فمحاولتنا لفهم كيف يمكن لهذه الحالة أن تنشأ في كون خاضع في الأصل لقوانين ميكانيكا الكم، ستفتح أمامنا الباب لفرص كبيرة يمكن من خلالها تعلم الكثير عن الجاذبية، ونظرية الكم، وعلم الكونيات، وعن السبب الرئيسي الذي يجعل الزمن يمضي على هذا النحو.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





