دلالة استهداف المواقع المدنية خليجياً؟
نقلُ الضغط العسكري إلى المجال الاقتصادي والسيادي لدول المنطقة.
كيف يؤثر التصعيد على فرص الوساطة الخليجية؟
يضعف الثقة ويحوّل الوسطاء إلى أطراف متضررة مباشرة.
تُعيد الهجمات الإيرانية صياغة مشهد الصراع الإقليمي عبر نقله من مواجهة عسكرية مباشرة إلى مساحة أكثر حساسية تمسّ البنية المدنية والاقتصادية لدول الخليج، في تصعيدٍ يتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية ليطال المطارات والموانئ وشبكات الطاقة وحركة الطيران.
ويأتي هذا التطور في لحظةٍ سياسية دقيقة كانت فيها العواصم الخليجية تتحرك لاحتواء الحرب وفتح قنوات تهدئة، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول الرسائل الكامنة وراء توسيع نطاق الاستهداف، ومدى انعكاسه على فرص أي وساطة خليجية مقبلة مع الولايات المتحدة لوقف التصعيد.
وتعكس طبيعة المواقع المستهدفة تحوّلاً لافتاً في نمط العمليات، إذ طالت الهجمات – وفق بيانات رسمية صادرة الأحد 1 مارس 2026 – مطارات ومنشآت خدمية وموانئ ومناطق صناعية ومدنية في عدة دول خليجية، مع تسجيل إصابات بشرية وأضرار تشغيلية محدودة.
في المملكة العربية السعودية، أفادت تقارير إعلامية بسماع انفجارات في الرياض والمنطقة الشرقية، بينما أعلنت الخطوط الجوية السعودية إلغاء عدد من الرحلات الإقليمية والدولية نتيجة الأوضاع الأمنية وتعطل المجال الجوي في عدة دول مجاورة.
وفي الكويت، أعلنت وزارة الكهرباء حدوث انقطاع جزئي للتيار نتيجة سقوط شظايا مسيّرات على خطوط الطاقة، بينما أكدت وزارة الدفاع رصد 97 صاروخاً و283 طائرة مسيّرة والتعامل معها وفق قواعد الاشتباك.
وأشارت التصريحات الرسمية، التي نقلتها وكالة الأنباء الكويتية، إلى سقوط قتيل و32 مصاباً في هجمات إيرانية على البلاد، إضافة إلى استهداف مطار الكويت الدولي وتفعيل خطط الطوارئ وتحويل الدراسة إلى التعليم عن بُعد كإجراء احترازي.
أما في البحرين، فنقلت وكالة الأنباء الرسمية عن الجهات المعنية تضرر مبانٍ مدنية بينها فندق في المنامة، إلى جانب استهداف مطار البحرين الدولي بطائرة مسيّرة، مع اعتراض 45 صاروخاً و9 طائرات مسيّرة وفق بيان قوة الدفاع، وتفعيل خطط الطوارئ الصحية ورفع الجاهزية في المستشفيات.
وأعلنت وزارة الدفاع القطرية اعتراض 18 صاروخاً باليستياً وتسجيل 16 إصابة وخسائر مادية محدودة، فيما تعامل الدفاع المدني مع 114 بلاغاً لسقوط شظايا، واندلع حريق محدود في المنطقة الصناعية دون إصابات، وفق ما أكدته البيانات الرسمية الصادرة عبر مكتب الاتصال الحكومي.
وفي الإمارات، أفادت البيانات الرسمية التي نقلتها وكالة أنباء الدولة بوقوع وفاة وإصابات نتيجة سقوط شظايا قرب منشآت مدنية ومطارات، بينما أعلنت وزارة الدفاع اعتراض 173 صاروخاً باليستياً و209 طائرات مسيّرة، في واحدة من أوسع عمليات التصدي الجوي التي شهدتها المنطقة، تزامناً مع إغلاق جزئي للمجال الجوي وإعادة جدولة الرحلات.
استهداف الوساطة
ويحمل توقيت الضربات دلالة سياسية تتجاوز بعدها الميداني، إذ طالت دولاً لعبت أدواراً تقليدية في جهود الوساطة والتهدئة، وعلى رأسها سلطنة عُمان التي استضافت خلال السنوات الماضية قنوات اتصال ومفاوضات غير مباشرة بين طهران وواشنطن.
فقد تعرّض ميناء الدقم لهجوم بطائرتين مسيّرتين، إحداهما أصابت سكناً عمالياً وأدت إلى إصابة عامل وافد، بينما سقطت الأخرى قرب خزانات الوقود دون خسائر إضافية، وفق ما نقلته وكالة الأنباء العُمانية عن مصدر أمني.
كما أُعلن عن استهداف ناقلة نفط قبالة سواحل مسندم وإجلاء طاقمها المؤلف من 20 شخصاً، في حادثة تحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري إلى تهديد خطوط الملاحة والطاقة.
بالسياق السياسي، أكد الأمين العام لمجلس التعاون، جاسم محمد البديوي، في بيان له، أن هذه الاعتداءات تمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة سلطنة عمان، وتصعيداً خطيراً من شأنه تقويض أمن واستقرار المنطقة وتهديد سلامة الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية.
وأوضح أن "العمليات العسكرية الغادرة التي تشنها إيران ضد دول المجلس، تعكس نواياها تجاه دول المجلس والمنطقة بشكل عام، لا سيما وأن دول المجلس سبق وأن نقلت للنظام الإيراني وفي عدة لقاءات ومناسبات، تأكيدات بأنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها للقيام بأي عمليات عسكرية ضد إيران".
وشدد البديوي على أن استهداف إيران لمرافق مدنية يعتبر خرقاً كبيراً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ولقواعد حسن الجوار.
كما اعتبر المتحدث الرسمي باسم الخارجية القطرية، ماجد محمد الأنصاري، أن استهداف سلطنة عمان "يُعد استهدافاً لمبدأ الوساطة ذاته ويقوّض أحد أهم أدوات احتواء الأزمات".
وأضاف الأنصاري، في منشور عبر منصة "إكس": "كما حذرنا عند استهداف دولة قطر في إطار وساطتها، يمثل هذا الاعتداء نمطاً كارثياً يهدد دور الوسطاء ويقوّض أحد أهم أدوات احتواء الأزمات والحفاظ على السلم والاستقرار".
الاستهداف المتعمد للأشقاء في عمان، الدولة التي بذلت جهودًا صادقة في مساعي الوساطة وحقن الدماء، وسعت إلى إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا حتى اللحظة الأخيرة، يُعد استهدافًا لمبدأ الوساطة ذاته. كما حذرنا عند استهداف دولة قطر في إطار وساطتها، يمثل هذا الاعتداء نمطاً كارثياً يهدد دور…
— د. ماجد محمد الأنصاري Dr. Majed Al Ansari (@majedalansari) March 1, 2026
وفي السياق ذاته، أكّد المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش، أن "العدوان الإيراني على دول الخليج أخطأ العنوان"، مشدداً على أن "حربكم ليست مع جيرانكم"، في إشارة إلى أن توسيع دائرة الاستهداف ليشمل دولاً غير منخرطة عسكرياً يعزّز الانطباع بأن برنامج طهران الصاروخي بات "عنواناً دائماً لعدم الاستقرار في المنطقة".
العدوان الإيراني على دول الخليج أخطأ العنوان، وعزل إيران في لحظتها الحرجة. حربكم ليست مع جيرانكم، وبهذا التصعيد تؤكدون رواية من يرى أن إيران مصدر الخطر الرئيسي للمنطقة، وأن برنامجها الصاروخي عنوانٌ دائم لعدم الاستقرار. عودوا إلى رشدكم، وإلى محيطكم، وتعاملوا مع جواركم بعقلٍ…
— د. أنور قرقاش (@AnwarGargash) March 1, 2026
ويعكس هذا الموقف تحوّلاً في المزاج السياسي الخليجي من محاولة احتواء التصعيد إلى التحذير من انعكاساته الاستراتيجية على أمن الإقليم وثقة الشركاء الدوليين.
ويرى أستاذ السياسة الاستراتيجية الدكتور قحطان الخفاجي، أن استهداف المنشآت المدنية الخليجية يمثل محاولة لخلق عناصر ضغط في الصراعات الدولية.
ويضيف لـ"الخليج أونلاين" أن نجاح هذا الأسلوب "مرهون بقدرة الطرف الضارب على الاستدامة والتأثير الدقيق، وهي معايير لا تتوفر في الجانب الإيراني الذي يفتقر للقدرة على مواصلة مثل هذه العمليات بدقة عالية".
كما يعتقد الخفاجي أن هذه الهجمات لا تقوض فرص السلام فحسب، بل تدفع الأطراف الخليجية لتعزيز تعاونها الأمني مع الجانب الأمريكي طلباً للحماية، لافتاً إلى أن هذا السلوك العدواني يضعف مساعي الحياد لإنهاء الحرب؛ "لأن محاولة وقف الصراع تحت وطأة التهديد المباشر تمس كرامة الدول وسيادتها".
ويوضح الخفاجي أن الرسائل الإيرانية من قصف المناطق المدنية في دول تربطها بها علاقات تجارية وتاريخية تهدف إلى إبعاد تلك الدول عن واشنطن، وإيصال إشارة بقدرة طهران على تحويل المعركة إلى صراع إقليمي.
لكنه يرى أن هذه الأهداف لن تتحقق لإدراك دول الخليج أن المواجهة الأساسية هي "أمريكية-إيرانية" وأن هذه التداعيات ثانوية يمكن احتواؤها.
ويعتقد أستاذ السياسة الاستراتيجية أن إيران في المرحلة المقبلة قد لا تكون بحاجة لوسطاء، مرجحاً عودتها إلى توازنات ما قبل عام 1979، ورغم ذلك يشير إلى أن دول الخليج قد تظل مندفعة نحو خيار السلام باعتباره الخيار الأفضل دائماً، وإن كان زخم الوساطة سيتراجع أمام ضرورة حماية البنية التحتية وإعادة الإعمار.
ويلفت الخفاجي إلى أن ضرب الأهداف المدنية لن يقلل من الردع الأمريكي، بل سيؤدي إلى تصعيده تجاه الأطراف التي تزعزع استقرار المنطقة.
ويؤكد بأن هذه الأعمال قد تمنح واشنطن الذريعة والدافع للذهاب بعيداً نحو فرض استراتيجيات لنزع الأسلحة الصاروخية بعيدة المدى من المنطقة لضمان أمن حلفائها.
وتُظهرُ القراءةُ الاستراتيجية أن الهجمات جاءت في سياق ردّ إيراني أوسع أعلن فيه الحرس الثوري استهداف 27 قاعدة أمريكية في المنطقة، معتبراً أن عملياته تندرج ضمن الرد على الضربات الأمريكية – الإسرائيلية التي سبقتها بساعات.
وتزامن هذا التصعيد مع تطور بالغ الحساسية تمثل في إعلان مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين، بينهم مسؤولون في الحرس الثوري ووزارة الدفاع، نتيجة الضربات التي استهدفت الداخل الإيراني السبت 28 فبراير 2026، وهو ما يفسّر تسارع توسيع نطاق العمليات خارج الحدود الإيرانية.
وفي هذا الإطار، يرى مراقبون أن طهران سعت إلى ربط أمن الخليج مباشرة بمسار الحرب، لإيصال رسالة مفادها أن استمرار العمليات ضدها لن يبقى محصوراً جغرافياً، بل سيمتد إلى المجال الحيوي للاقتصاد العالمي والطاقة.
كما يُفهم من هذا السلوك أنه محاولة لخلق ضغط غير مباشر على واشنطن عبر حلفائها الإقليميين، انطلاقاً من إدراك أهمية استقرار الخليج بالنسبة للمصالح الأمريكية.
Loading ads...
بالمقابل، تذهب تقديرات أخرى إلى أن إيران لا تستهدف قطع علاقاتها مع جيرانها بقدر ما تحاول استخدام التصعيد كأداة تفاوض قسرية، تُظهر من خلالها أن أي مواجهة مفتوحة ستقود إلى اضطراب إقليمي واسع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

اجتماع وزاري خليجي طارئ: أمن دولنا كلٌ لا يتجزأ
منذ دقيقة واحدة
0



