12 أيام
"المسلمون يحرقون باريس"... كيف سخّرت إسرائيل أدواتها لتعميم الكذبة؟ - رصيف22
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

في الوقت الذي يتعرض فيه رئيس بلدية فرنسي ومجموعة من الدبلوماسيين للعنف والضرب على يد مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة، تظهر التصريحات الإسرائيلية الرسمية والتعليقات ما لا يخفى من "الشماتة" تجاه أحداث الشغب والتظاهرات في الشارع الفرنسي، شماتة مبنية بالأساس على فرضية مطلقة بربط الأحداث بالمهاجرين من العرب والمسلمين حصراً، ما يدفع للتساؤل: هل تدفع فرنسا ثمن اعترافها السياسي بالدولة الفلسطينية ووقوفها إلى جانب لبنان في الحرب الإسرائيلية عليه؟
قد يبدو السؤال غريباً للوهلة الأولى، لكن بعد تتبع مسارات محددة قد يكون الجواب نعم، وغالباً بخوارزميات وأيد إسرائيلية، فكيف ذلك؟
مع ما شهدته فرنسا مؤخراً في خريف 2026 من موجة عارمة من الاحتجاجات الطلابية والاجتماعية التي بدأت باعتصامات داخل المدارس الثانوية احتجاجاً على تهالك البنية التحتية ونقص المعلمين، لم يكن العالم الافتراضي أقل فوضى وتبادلاً للاتهامات.
وبمجرد ما اتسعت المظاهرات لتتحول إلى مواجهات واسعة في الشوارع رفعت مطالب تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة والخدمات العامة، انتشرت حسابات إسرائيلية تربط الشغب حصراً بالمهاجرين من العرب والمسلمين وتبث الفكرة في مواقع التواصل، لتأتي تصريحات السياسيين واثقة بعدما تمت تهيئة مواقع التواصل بما يكفي من الآراء التحريضية.
تتحرك البروباغندا الإسرائيلية تجاه الحدث الفرنسي على عدة مستويات. السياسي من خلال التصريحات الرسمية التي لا تخفي شماتتها، التنظيمي من خلال إشاعة تضليل مفاده أن "يهود فرنسا في خطر" بسبب زيادة أعداد العرب والمسلمين، والسيبراني من خلال عمل انزياح في الخوارزميات لصالح السردية الإسرائيلية ذاتها.
فقد نشرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" 21 تشرين الثاني/ أكتوبر 2026 تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بنيامين نتنياهو يدعي أنه أخبر ماكرون بعد 7 أكتوبر "إذا لم نقضِ عليهم هنا، فسيكونون لديكم في باريس، وهذا بالضبط ما يحدث الآن"، والمقصود العرب والمسلمين!
وهذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها نتنياهو ربط أي أحداث داخلية أوروبية بالمسلمين، فقد سبق ووصف بريطانيا بسخرية في آب/ أغسطس 2026 بأنها "جمهورية إسلامية"، مما أثار إدانة دبلوماسية وموجة غضب قوية من لندن التي وصفت التصريحات بأنها "غير مقبولة على الإطلاق".
أما تصريحات نتنياهو عن فرنسا تحديداً، فلم تأت إلا بعد أن تمت تهيئة الفضاء الإلكتروني بالكامل وتغذيته بالـ"إسلاموفوبيا" بواسطة حسابات إسرائيلية كانت كل مهمتها ربط أحداث الشارع الفرنسي حصراً بالمهاجرين من العرب والمسلمين.
لم يقتصر الأمر على تصريحات نتنياهو، ففي خطوة وصفتها أوساط فرنسية بأنها "بروباغندا سخيفة"، أمر وزير الهجرة والاستيعاب الإسرائيلي، أوفير سوفر، بإطلاق مبادرة لمعالجة ملفات الهجرة المفتوحة لتسريع لليهود الفرنسيين "خوفاً على حياتهم" واستعجال إجراءات هجرة أصحابها إلى إسرائيل.
كما لم يضيع وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، الفرصة لتأكيد الرواية الإسرائيلية بأن يهود فرنسا في خطر بسبب مسلميها، فصرح بالقول موجها خطابه لهم "عودوا إلى دياركم، هذا هو بيتكم وهذا هو وطنكم"
لقيت صورة الرجل والمرأة الذان جردا من ملابسهما من قبل متظاهرين انتشاراً واسعاً في العالم، وهي الصورة التي نسبتها كثير من الحسابات لمتظاهرين مسلمين، لكن موقع TF1 الفرنسي، قام بالتحقق من الصورة، ليتبين أنها مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، ليست هنا المشكلة فقط، فقد تم توليدها ونشرها للمرة الأولى من قبل حساب إسرائيلي.
كما روّجت للشائعة حسابات قريبة من اليمين المتطرف وأخرى من حركة "ماغا"، وحصدت إحدى الصورتين عشرات الملايين من المشاهدات. وأفادت نيابة باريس الموقع بأنها لا تملك أدلة تؤكد وقوع الاعتداء المزعوم، داعية إلى الحذر من الرواية المتداولة.
فقد ترافق الحراك الميداني في فرنسا بطبيعة الحال مع سجال رقمي وإعلامي واسع، وبعدة لغات، ولم تكن أدوات الذكاء الاصطناعي من الأسلحة المحرمة فيه، قبل أن تظهر نظريات واتهامات متعددة حول وجود أيدٍ إسرائيلية خلف الأحداث الميدانية، مع اتهامات صريحة لشبكات إسرائيلية بقيادة حملات تضليل ممنهجة لإلصاق تهم الشغب والتخريب بالمسلمين والعرب والمهاجرين.
حساب ADAM على منصة إكس، التقط وجود منشورات منسقة، حيث نشر صور لثمان حسابات تعرض نفس الرسالة، وترجمتها الحرفية "معلومة طريفة: لم يتضرر مسجد واحد خلال أعمال الشغب في فرنسا"، متهماً إسرائيل بالوقوف خلف "عملية نفسية" تهدف إلى إلقاء اللوم في احتجاجات فرنسا على المسلمين. وبحسبه فقد ظهرت أجهزة الدعاية الإسرائيلية على التلفزيون الوطني الفرنسي لنشر معلومات عن تعرض الكُنُس اليهودية للاعتداء.
والخبر الأصلي هو عن تعرض كنيس يهودي واحد للهجوم، وقد تم تداوله بداية نقلاً عن "جهاز حماية الجالية اليهودية"، وكان كنيس صغير في باريس قد تضرر بناء على شكوى سجلها سُجّل اقتحام وتخريب كنيس في باريس بالتزامن مع الاضطرابات الأخيرة، لكن لم يثبت أنه اعتداء مرتبط بالمظاهرات أو بدافع معاداة اليهود بحسب السلطات الفرنسية، وانحصرت الخسائر ببعثرة محتويات الخزائن وتخريب مكتب الحاخام، بينما بقيت لفائف التوراة سليمة، بحسب المصدر.
وبحسب وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة نت، فقد تم رصد وجود جبهة رقمية تجمع حسابات إسرائيلية بارزة وحسابات من اليمين الأوروبي المتطرف، تعمل على اختطاف أزمة المعيشة الفرنسية وتأطيرها باعتبارها "خطراً إسلامياً" وتهديداً لاستقرار أوروبا.
وبحسب التقرير انتشرت صور ومقاطع فيديو حصدت عشرات الملايين من المشاهدات، زُعم أنها حديثة من احتجاجات فرنسا، وتربط بين غضب الشارع الفرنسي وإعلان الرئيس إيمانويل ماكرون اعتراف بلاده رسمياً بدولة فلسطين قبل أكثر من عام، وتحديدا في سبتمبر/أيلول 2025.
و"انتشرت اللقطات على حسابات يتابعها الملايين على منصة إكس، مع ادعاءات بنمط واحد تقريبا: المتضامنون مع الفلسطينيين يقودون المشهد، وعلم فلسطين يظهر بين أعمال الحرق والشغب، واختفاء لافت للعلم الفرنسي وسط الاحتجاجات، ومنشورات تهدد باقي الدول الأوروبية بالمصير نفسه".
وفي المقابل روجت شخصيات مثل الباحث الإسرائيلي د. إيلي ديفيد وحسابات إخبارية مثل Visegrád 24 لرواية مفادها أن التخريب الحالي هو نتيجة اعتراف الرئيس إيمانويل ماكرون بدولة فلسطين في أيلول/ سبتمبر 2025، وتكررت عبارات ساخرة مثل: "تهانينا لفرنسا على اعتراف فلسطين بها"، مع إرفاق صور لمبانٍ تحترق وأشخاص يرفعون أعلام فلسطين، ووصفت منشورات أخرى العلم الفلسطيني بأنه "علم العنف".
وبحسب وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة نت، تكشف الكلمات والعبارات الأكثر تكرارا في المنشورات المرصودة، ومنها "الإسلاميون" و"شغب الطلاب" و"الجماعات المدافعة عن فلسطين" و"فرنسا الأبية"، كيف اختلط الحديث عن الاحتجاجات الفرنسية بقضايا فلسطين والهجرة والإسلام السياسي. وقد "جمعت الوحدة عينة من 10 آلاف تغريدة، وحللت الروابط بينها، وذلك باستخدام برنامج متخصص في رسم خرائط العلاقات الرقمية… وأظهرت النتائج شبكة تضم 2893 حسابا، يرتبط بعضها ببعض عبر 3326 صلة، تقوم على إعادة النشر والاقتباس والرد والإشارة".
وبحسب تحليل التفاعلات والروابط داخل الشبكة، تصدّر إيلون ليفي، المتحدث السابق باسم الحكومة الإسرائيلية، الحسابات الأكثر تأثيراً، يليه هيلل نوير، وحسابا "Jack TheRippler" و"Blue white"، ثم اليميني المتطرف تومي روبنسون. وضمت الشبكة حسابات إسرائيلية وأوروبية مناهضة للهجرة، تقاطعت منشوراتها في ربط اضطرابات فرنسا بالتضامن مع فلسطين وتصويره تهديداً لاستقرار أوروبا.
في تصريحات تكاد تحسم الجدل، حذّر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو من أن جهات أجنبية تحاول التدخل في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، المقررة في نيسان/ أبريل وأيار/ مايو من العام المقبل، وذكر تحديداً الملياردير إيلون ماسك و"شركة إسرائيلية".
وحذّر بارو من أن جهات أجنبية "تستغل انقساماتنا"، وتستخدم الهجرة والعلمانية والصراع الإسرائيلي الفلسطيني على نحو انتهازي كأسلحة لإذكاء الكراهية والتوترات. وأشار تحديداً إلى شركة إسرائيلية قال إنها أنشأت حسابات فرنسية مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي "لافتعال مواجهات مصطنعة حول القضية الفلسطينية".
Loading ads...
وكان بارو قد أشار إلى شركة تأثير رقمي إسرائيلية تدعى "BlackCore"، اتهمتها السلطات الفرنسية بإنشاء شبكات متطورة من الحسابات الفرنسية الوهمية لاستبدال النقاشات الحقيقية بافتعال مواجهات مصطنعة حول القضايا الإسلامية والفلسطينية، وتدشين حملات تشويه ضد سياسيي اليسار المدافعين عن حقوق الطلاب. وهي ذات الشركة التي اتهمتها باريس في حزيران/ يونيو الماضي بتشغيل حسابات مزيفة لتنفيذ حملة تشويه ضد مرشحين من حزب ميلانشون خلال الانتخابات البلدية التي أُجريت في آذار/ مارس، بحسب صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

الضمان الاجتماعي: تعديلات جديدة لحماية حقوق المشتركين...
منذ دقيقة واحدة
0

جدل نيابي واسع يرافق انتخابات رئاسة "النواب" حول لغز...
منذ دقيقة واحدة
0



