في عام 1929 رسم الفنان البلجيكي "رينيه ماغريت" لوحته الشهيرة المثيرة للجدل "خيانة الصور"، والتي تظهر غليونًا كتب تحته: "هذا ليس غليونًا".
كان "ماغريت" يقصد أن صورة الشيء ليست الشيء نفسه، فأنت ترى الرسم وتقول تلقائيًا "هذا غليون"، بينما الموجود أمامك ألوان على قماش تمثل غليونًا.
العبارة تدفعك إلى الانتباه لهذا الفرق، وقد شرح "ماغريت" فكرته بسؤال "هل يمكنك حشو هذا الغليون بالتبغ؟" فالرسم، مهما بلغت واقعيته، يظل تمثيلًا للغليون.
هذا المفهوم ينطبق على الأسواق أيضًا حين تنفصل الصورة عن الواقع، فالآن قد تنظر إلى سعر برميل النفط على الشاشة، ثم تجد أن الحكومات والمصافي الخاصة مضطرة لدفع مبلغ آخر لشرائه.
- قبل أيام، وصف "جيف كوري"، مؤسس "ريل ماكرو"، خام "برنت" بأنه "عقد مزاجي"، فالسعر، قرب 106 دولارات، لا يعبر عن حجم الضغوط التي يتحملها مشتري النفط الفعلي.
- الفجوة كانت ملموسة، حيث قالت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها لهذا الشهر إن سعر خام برنت المؤرخ، مرجع الشحنات الفعلية، 134 دولارًا مقابل 107 دولارات للعقود الآجلة عند صدور التقرير.
- في سياق منفصل، كشف تقرير لـ "سي إن بي سي" عن أن استئجار ناقلة من الساحل الأمريكي للصين يكلف 76 مليون دولار، وبحمولة مفترضة مليوني برميل، تكون أجرة البرميل 38 دولارًا.
- هذه أجرة رحلة بعينها، تُضاف لسعر الشحنة المناسب، وتعميمها، أو إضافتها آليًا لبرنت المؤرخ، يخلط تكاليف ومرجعيات مختلفة، لكنها تعطينا لمحة عن التكلفة الخفية وراء تلبية احتياجات الاقتصادات.
لماذا لا يطفئ النفط الأمريكي الغلاء؟
- عند تسوية الأربعاء، أغلق عقد ديسمبر لخام "برنت" عند 108.82 دولار، ومثيله لغرب تكساس الوسيط عند 97.15 دولار، بفارق 11.67 دولار.
- سجل تقرير "آر بي إن إنرجي" الصادر في 12 أكتوبر فارقًا قدره 13.71 دولار بين عقدَي ديسمبر للأسبوع المنتهي في 9 أكتوبر، هذا الفارق يقيس العلاقة بين مرجعين جغرافيين، ويتأثر بالنقل والمخزون وخصائص الخام.
- عادةً، يغري الخصم مشتريًا باستيراد الخام الأمريكي، فتساعد التجارة على تضييق الفجوة، وعندما تلتهم أجرة الرحلة هذا الخصم، تتعطل المراجحة: يظل النفط أرخص قرب مصدره، وغاليًا عند المستهلك البعيد.
- أوضح تقرير لـ "رويترز" أن انشغال الناقلات بالخدمة في هرمز والنقل بين السفن قلص المعروض للرحلات الأخرى، وهكذا قد يرفع تعافي الصادرات نفسه تكاليف نقل البراميل المنافسة.
- يمكن للمشتري تثبيت سعر الخام عبر التحوط لكن ذلك لا يعني بالضرورة تثبيت الفاتورة كلها؛ فقد ترتفع أجور الشحن، أو يطلب البائع مبلغًا إضافيًا مقابل توفير الشحنة المطلوبة.
عاد التدفق وبقي الاستنزاف
- بحسب بيانات "كبلر"، تجاوزت صادرات الخليج مستويات ما قبل الحرب خلال الأسبوع المنتهي في 18 أكتوبر، والإجمالي يجمع هرمز والمسارات البديلة.
- لذلك، يحمل القول إن "إمدادات هرمز عادت لطبيعتها" اختصارًا مضللًا، فالأنابيب والموانئ البديلة وعمليات النقل بين السفن تعيد توصيل النفط، لكنها لا تعيد تلقائيًا أمن الممر البحري أو كفاءة شبكة النقل السابقة.
- وصول البرميل الجديد لا يمحو ما استُهلك قبله، فقد كانت المخزونات العالمية المرصودة، بنهاية سبتمبر، أقل بنحو 509 ملايين برميل من مستواها بنهاية فبراير، وفق الوكالة الدولية، وتلك وسادة أمان مفقودة.
- تحسن الإجمالي قد يخفي هشاشة أيضًا، فخلال سبتمبر، قابلت زيادة تدفق النفط بحرًا هبوطًا كبيرًا بالمخزون البري، وهذا مهم، لأن النفط المنقول بالسفن لا يمنح المصافي مرونة المخزون المتاح بجوارها.
- تمتد المشكلة إلى سوق الوقود، حيث يضغط تعطّل الإمدادات الروسية والشرق أوسطية على الديزل (وهو أمر يعزز طلب المصافي على الخام بدوره) بينما تحد صيانة المصافي من المرونة.
- لذلك تصبح فاتورة الطاقة أوسع من الضغوط في سوق "برنت"، لتشمل أسعار الخام، ثم الشحن والتأمين، ثم التكرير والتوزيع، ولا تكفي حركة العقود لقياس الانفراج الذي يصل للاقتصاد.
كم يستحق الطريق الآمن؟
- ترى الوكالة الدولية السوق في حالة عجز حتى نهاية 2026، مع ضعف بإمدادات المقطرات خلال 2027، فيما تفترض إدارة المعلومات تعافي معظم إنتاج المنطقة بنهاية الربع الثاني من 2027.
- في توقعاتها المنشورة هذا الشهر، قدرت إدارة معلومات الطاقة متوسط "برنت" الفوري عند 105 دولارات للربع الأخير من 2026، و84 دولارًا لعام 2027؛ بانفراج تدريجي مشروط بتحسن التدفقات وإعادة بناء المخزون.
- مع ذلك، تظل حجة الهبوط قوية أيضًا، حيث تتوقع الوكالة الدولية انكماش الطلب في 2026، وتراجع تكاليف بعض الناقلات، وذلك بسبب ضغط الكلفة المرتفعة على الاستهلاك، وتحسن توافر السفن.
- لهذا يتوقف استمرار الغلاء على قابلية التعافي، بمعنى أن الهجمات والعقوبات وأضرار المصافي قد تمدده، بينما يضعفه أمن الملاحة وتوافر الناقلات.
- لذلك سيظل النفط في حالة اختبار لمفهوم "خيانة الصور" كلما وصلت ناقلة إلى وجهتها، فإذا زال ثمن الخوف والطريق المكلف، فقد تتلاشى العلاوات والفروق السعرية لتكون الشاشة أكثر تعبيرًا عن الواقع، وإلا فستبقى حالة "الانفصال" مسيطرة في كل مكان.
Loading ads...
المصادر: أرقام- سي إن بي سي- بلومبرج- رويترز- وول ستريت جونال- وكالة الطاقة الدولية- إدارة معلومات الطاقة- بورصة إنتركونتنتال- ريجزون- تقرير "آر بي إن إنرجي"- متحف مقاطعة لوس أنجلوس للفنون
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

البرميل الذي لا يظهر على الشاشة
منذ 38 دقائق
0




