هناك مؤشرات عديدة على تحولات في الوضع الاستراتيجي لدولة الاحتلال، على الرغم مما يروّجه قادة دولة الاحتلال الإسرائيلي من أن الوضع الاستراتيجي لإسرائيل “على ما يرام”. وقد جاءت هذه التحولات في سياق تداعيات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتُعدّ ضمن الضرر الاستراتيجي الذي أصاب دولة الاحتلال الإسرائيلي.
موافقة ترمب على بيع طائرات إف-35 للسعودية
وافق ترمب على بيع طائرات إف-35 إلى المملكة العربية السعودية من دون اشتراط التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يقلّص قدرة الاحتلال على استثمار التفوق التكنولوجي مقابل التطبيع. وعلى الرغم من الحديث عن فروق في النسخة، وأن السعودية حصلت على نسخة أقل تطوراً من المقاتلة النفاثة، فإن المقلق استراتيجياً يتمثل في استعداد واشنطن لتقليص الفجوة في تفوق إسرائيل على غيرها من دول المنطقة.
كذلك، فإن القانون الأميركي الذي يضمن التفوق النوعي لإسرائيل يصبح مفتوحاً على مطالب دول أخرى لاحقاً. ولعل الأخطر من ذلك أن حصول السعودية على هذه الطائرات سيفتح شهية دول أخرى، مثل مصر وتركيا والإمارات وغيرها، لدخول سباق تسلح أوسع، علماً أن المنطقة دخلت هذا السباق منذ مدة. ولم تعد لدى إسرائيل قدرة على وضع “فيتو” على السلاح الأمريكي المراد تصديره للدول العربية، وهذه وحدها مؤشر مهم وخطير على وضع دولة الاحتلال الإسرائيلي.
في هذا السياق، إذا سقط مشروع التطبيع، فإن استراتيجية إسرائيلية أساسية تسقط معه، وهي إعادة دمج إسرائيل في المنطقة ضمن هذا المشروع. ولا يقتصر الأمر على المنطقة فحسب، بل يشمل العديد من مناطق العالم، إذ أُعيد تسليط الضوء على إسرائيل بوصفها دولة استعمارية منبوذة، لا دولة قابلة للدمج. وهذا يؤكد أن السابع من أكتوبر وما بعده أنتجا قيوداً بنيوية على محاولات إحياء التطبيع، ومن المأمول أن تكون الدول العربية مدركة لهذه الحقيقة.
وهذا الواقع يضع دولة الاحتلال أمام خيارين: إما دفع الثمن وتقديم تنازلات في إطار القضية الفلسطينية، أو الاستمرار في التعنت، بما يعنيه ذلك من زيادة الأعباء السياسية والاقتصادية على المستوى الاستراتيجي.
قد جرى إملاء نص الاعتذار على نتنياهو، وفرض توقيته عليه، وبُثّ علناً، ما شكّل هزّة في صورته أمام جمهوره، وأحدث تأثيرات وردود فعل داخل تحالفاته اليمينية التي كانت تطالب بمزيد من القصف والبطش في الخارج، سواء ضد الوسطاء أو غيرهم.
ظهرت اختلافات في المواقف بين الإدارة الأميركية ودولة الاحتلال الإسرائيلي في أكثر من قضية، ومن أبرز الأمثلة ما حدث بعد إجبار ترمب لنتنياهو على الاعتذار لقطر عقب قصف الدوحة، حيث جرى توقيع اتفاق دفاع استراتيجي بين الولايات المتحدة وقطر بعد وقت قصير من القصف الفاشل والغادر الذي استهدف اجتماع الوفد القيادي المفاوض لحركة “حماس” في الدوحة.
يُعدّ الاعتذار في السياسة أمراً رمزياً على الرغم من ثقله المعنوي الكبير، إلا أن هذا الاعتذار تحديداً مثّل إدانة لدولة الاحتلال، وإعلان انصياع لإرادة الولايات المتحدة بدرجة أكبر، ودليلاً إضافياً على حدود النفوذ الإسرائيلي في واشنطن. فقد جرى إملاء نص الاعتذار على نتنياهو، وفرض توقيته عليه، وبُثّ علناً، ما شكّل هزّة في صورته أمام جمهوره، وأحدث تأثيرات وردود فعل داخل تحالفاته اليمينية التي كانت تطالب بمزيد من القصف والبطش في الخارج، سواء ضد الوسطاء أو غيرهم.
تحاول دولة الاحتلال تقويض العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة من خلال تصوير تركيا على أنها أقرب إلى روسيا وإيران، وأن دورها يضعف الغرب عموماً.
تطور علاقات أردوغان وترمب
يُضاف إلى ما سبق أن صداقة ترمب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تشهد تعاظماً، مع ضغط متنامٍ على إسرائيل لحثّها على تجنب القصف في سوريا. ويشير تطور هذه العلاقة إلى بروز دولة إقليمية قوية، هي عضو في حلف الناتو، يمكن أن تشارك في هندسة الملفات الإقليمية بالتعاون مع الإدارة الأميركية، بما لا يتوافق مع رغبات دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل ربما يكون على حسابها في بعض هذه الملفات.
وفي هذا السياق، أشار ترمب إلى إمكانية إعادة إدماج تركيا في برنامج إف-35، وهو ما يهدد مرة أخرى التفوق الجوي لدولة الاحتلال. وتزداد الخطورة إذا أُخذ في الحسبان تطور الصناعات الدفاعية التركية، سواء في مجال المسيّرات أو غيرها. ولعل ازدياد قوة تركيا قد يجعلها نواة لمحور جديد في المنطقة لا تكون إسرائيل ضمنه، بل على النقيض منه، وهو ما يفسر كثافة النقد الصهيوني الموجّه مؤخراً لتركيا وللرئيس أردوغان.
في المقابل، تحاول دولة الاحتلال تقويض العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة من خلال تصوير تركيا على أنها أقرب إلى روسيا وإيران، وأن دورها يضعف الغرب عموماً. ولذلك نشهد تحالفات إسرائيلية جديدة مع أحزاب يمينية متطرفة في أوروبا تروّج الرواية ذاتها المعادية لتركيا.
Loading ads...
وعلى الصعيد العملي، يبرز التحالف الثلاثي بين إسرائيل واليونان وقبرص كمحاولة لصدّ النفوذ التركي، ولا سيما في شرق البحر الأبيض المتوسط. وليس من الصعب تحليل هذا التحالف بوصفه أداة توازن في مواجهة الصعود التركي. ومرة أخرى يبدو هذا المحور ضعيفاً أمام تركيا، خاصة إذا استطاعت الأخيرة التعاون مع كل من مصر وسوريا الجديدة في صناعة توازنات جديدة، ما يجعل هذه المحاور الإسرائيلية أقرب إلى التشويش منها إلى صناعة معادلات استراتيجية حقيقية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

