تعيش سوريا بمرحلة دقيقة، فبعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، خرج السوريون من نفق الاستبداد الطويل ليواجهوا تحديات جسيمة على مختلف المستويات، البلاد تعاني من انقسامات سياسية حادة، ووضع أمني معقد، واقتصاد منهار ترك 90% من السكان تحت خط الفقر. في هذا السياق الهش، برزت مؤشرات مقلقة وهي الإدارة الجديدة ربما تسلك طريقاً لا يحبذه الشعب السوري وهو، وأعني به تعيين الأقارب في المناصب الحساسة.
فخلال الأشهر القليلة الماضية، شهدنا تعيين ماهر الشرع، شقيق الرئيس الحالي، في منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية، وهو منصب بالغ الأهمية يشرف على الشؤون الإدارية والتنظيمية لمكتب الرئاسة، كما برز اسم حازم الشرع، شقيق آخر للرئيس، في المشهد السياسي والإعلامي، حيث رافق الوفود الرسمية في زيارات خارجية، وتشير تقارير إلى أنه سيشغل موقعاً في مجلس الاستثمار للاستفادة من علاقاته الإقليمية، هذه التحركات تثير تساؤلا جادا.
لماذا تشكل المحسوبية خطورة مضاعفة على سوريا اليوم؟
المحسوبية وتولي الأقارب للمناصب العليا ليسا ظاهرة جديدة على المنطقة العربية أو العالم، لكن خطورة هذا التوجه في سوريا تكمن في توقيته وظروفه الخاصة، فالبلاد تعيش مرحلة انتقالية بالغة الحساسية، تحتاج فيها إلى بناء مؤسسات قوية لا إلى تعزيز علاقات الدم والولاء الشخصي.
خبراء كثر تحدثوا عن تعيين الأقارب في هذا التوقيت بالذات ووصفوه بأنه يظهر انطباعات سلبية، مفادها أن الانتماء العائلي أهم من الكفاءة، مما يعمق مشاعر الإقصاء والتهميش، وأخرى رسالة للدول المانحة والمستثمرين: تفيد بأن بيئة الاستثمار تخضع لمحسوبية قديمة جديدة، مما يعيق تدفق الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، والأخطر من ذلك، هو ما تشكله هذه التعيينات من مخاطر بتنفير الفصائل والمؤسسات التي دعمت صعود الرئيس الحالي، فالتحالف الذي أوصل الإدارة الجديدة إلى الحكم كان واسعاً ومتنوعاً، وتحويل الحكم إلى "شأن عائلي" قد يفكك هذا التحالف ويزيد من حالة الانقسام.
يصل البعض إلى القلق من هذا التوجه حيث يتعارض مع الخطاب الإصلاحي الذي رفعته الإدارة الجديدة، فالرئيس الشرع يخاطب السوريين بتواضع كرجل أمين على تطلعات الملايين برجل دولة يخدم مصالها، وأطلق حملات لمكافحة الفساد
يصل البعض إلى القلق من هذا التوجه حيث يتعارض مع الخطاب الإصلاحي الذي رفعته الإدارة الجديدة، فالرئيس الشرع يخاطب السوريين بتواضع كرجل أمين على تطلعات الملايين برجل دولة يخدم مصالها، وأطلق حملات لمكافحة الفساد، وفي خطوة إيجابية، أغلق المكتب التجاري لشقيقه جمال بعد اتهامات باستغلال صلة القرابة، وعقد اجتماعاً عائلياً حذر فيه أقاربه من استغلال اسم العائلة وهذا بحسب ما انتشر مؤخرا.
لكن هذه الخطوات الإيجابية تبقى غير مكتملة إذا كانت تهدف إلى ضبط سلوك الأقارب دون معالجة جذور المشكلة، وهي تمركزهم في مواقع السلطة أصلاً. فالمواطن السوري البسيط سيسأل بحق: لماذا يتواجد الأقارب أصلاً في هذه المواقع الحساسة؟
وبما أنني محب لدولتي و أيضا أنتمي لهذه الحكومة بكل ما فيها سأقدم لها النصائح التالية:
أولاً: الفصل الواضح بين العائلة والدولة
يجب أن تترجم التحذيرات العائلية إلى سياسات ملزمة تمنع تولي الأقارب من الدرجة الأولى لأي مناصب سيادية أو حساسة، التجارب العالمية الناجحة، كما في سنغافورة واليابان، تؤكد أن النهوض الاقتصادي والإداري يحتاج إلى تكنوقراط أكفاء، لا إلى أقارب مخلصين.
ثانياً: بناء مؤسسات لا أفراد
الشفافية هي الدواء الناجع للشكوك، على الحكومة الجديدة أن تعلن بوضوح معايير اختيار المسؤولين، وألا تترك المجال للتكهنات والتسريبات الصحفية التي تؤجج المخاوف، الإعلان الرسمي عن التعيينات وتبريرها بالكفاءة والمؤهلات خطوة ضرورية .
ثالثاً: استلهام العبر من التجارب المريرة
دول كثيرة عانت من المحسوبية، مثل زيمبابوي، وما زالت تدفع ثمناً باهظاً من استقرارها واقتصادها ، سوريا ليست بحاجة إلى نموذج جديد للفشل، بل إلى استثمار كل الطاقات والكفاءات السورية بغض النظر عن انتماءاتها العائلية أو السياسية.
رابعاً: توسيع دائرة الثقة
صحيح أن المرحلة الانتقالية تتطلب درجة عالية من الثقة، خاصة فيما يتعلق بأسرار الدولة، كما يبرر البعض هذه التعيينات، لكن بناء الثقة مع الشعب لا يقل أهمية عن الثقة داخل الدائرة الضيقة، والمجتمع السوري واسع بطاقاته وخبراته، التي تستحق أن توضع في المكان المناسب.
Loading ads...
إن سوريا الجديدة التي حلم بها السوريون وضحوا بأرواحهم من أجلها لا يمكن أن تُبنى على أسس قبلية أو عائلية، إنها تحتاج إلى نظام يقوم على الكفاءة والشفافية والمواطنة المتساوية، إن التحذيرات من عودة "المحسوبية" ليست تشكيكاً مسبقاً بالنوايا، بل هي دعوة صادقة لتصحيح المسار قبل فوات الأوان، فالدول لا تبنى بالأسماء والعائلات، ولكن بالعقول المخلصة والأيدي العاملة، بصرف النظر عن انتماءاتها وقراباتها، وهذا ما نتمناه لسوريا البلد الذي ضحى من أجله الملايين بين شهيد ومفقود ومهجر وكثير منهم فقد جزءا من جسمه للخلاص من طغمة كانت تذيق الشعب الويلات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



