في هذا اللقاء، تأخذنا اختصاصية التغذية السريرية لينا النتشة (متخصصة في تغذية الأطفال الخدج) في رحلة متكاملة لتوضيح أهم المبادئ والبرامج الطبية المعتمدة في تغذية الأطفال الخدج .
تُعد تغذية الأطفال الخدج من أكثر الجوانب حساسية في الرعاية الصحية، نظرًا لاحتياجاتهم الغذائية المرتفعة وسرعة نموهم، إلى جانب عدم اكتمال نضج أجهزتهم وقدرتهم المحدودة على تحمل التغذية في الأيام الأولى بعد الولادة. ومن هنا يبرز دور أخصائي التغذية في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة (NICU)، ليس فقط في حساب السعرات والعناصر الغذائية، وإنما في اختيار نوع التغذية، وتحديد الكميات المناسبة، ومتابعة التحمل والنمو، وتعديل الخطة وفق الحالة السريرية أيضاً.
تختلف احتياجات الأطفال الخدج عن الأطفال مكتملي النمو، لأنهم يحتاجون إلى كثافة غذائية أعلى لدعم النمو والتطور. وفق إرشادات ESPGHAN 2022 (الجمعية الأوروبية لطب أمراض الجهاز الهضمي والكبد والتغذية لدى الأطفال)، تتراوح احتياجاتهم عادةً:
كما تُعدّ النسبة بين البروتينات والسعرات الحرارية في غاية الأهمية؛ لضمان بناء العضلات والأنسجة دون دهون ودعم النمو السليم.
يُعد حليب الأم الخيار الأفضل للطفل الخديج، لما يوفره من تغذية سهلة الهضم، ودعم نمو الدماغ والجهاز العصبي، ونضج الأمعاء والبكتيريا المفيدة فيها، إضافة إلى دوره في تقليل خطر التهاب الأمعاء والقولون الناخر (NEC) والعدوى. لكن حليب الأم وحده قد لا يوفر دائمًا الاحتياجات المطلوبة من البروتينات والطاقة والمعادن لدى الخديج، خصوصًا عند الوصول إلى التغذية الكاملة. لذلك يمكن استخدام Human Milk Fortifier (HMF) لزيادة كمية البروتينات والطاقة والكالسيوم والفوسفور في الحليب، ودعم النمو والوقاية من نقص المعادن وهشاشة العظام المرتبطة بالخدج.
تعتمد طريقة التغذية على استقرار الطفل وقدرته على تحمل التغذية المعوية. عند عدم القدرة على الرضاعة الفموية أو عدم كفايتها، يمكن استخدام أنبوب تغذية مثل NGT لإعطاء الحليب بشكل آمن وتدريجي. أما TPN (التغذية الوريدية الكاملة) فتُستخدم عندما لا تكون التغذية المعوية ممكنة أو لا تستطيع وحدها تلبية الاحتياجات الغذائية بسبب الحالة السريرية. ومع تحسن حالة الطفل وتحمله للتغذية المعوية، يتم تقليل الدعم الوريدي تدريجيًا والاعتماد بصورة أكبر على التغذية المعوية، ثم الانتقال إلى الرضاعة المباشرة عندما يصبح الطفل مستعدًا سريريًا لذلك.
تبدأ التغذية المعوية مبكرًا عندما تسمح الحالة السريرية، وغالبًا خلال الساعات الأولى بعد الولادة. ويمكن البدء بتغذية بسيطة أو Trophic feeds بكمية تتراوح بين 12 إلى 24 مليلتر لكل كيلوغرام من الوزن يومياً، لتحفيز نضج الأمعاء وحركتها. بعد التأكد من استقرار الطفل وتحمله، يمكن زيادة التغذية تدريجيًا بمعدل يقارب 18 إلى 30 مليلتر لكل كيلوغرام من الوزن يومياً، مع مراقبة علامات عدم التحمل والحالة السريرية. ويكون الهدف النهائي عادةً التوصل إلى 150 إلى 180 مليلتر لكل كيلوغرام من الوزن يومياً.
وهنا لا تقتصر الحماية على سرعة زيادة التغذية، بل تشمل اختيار حليب الأم، والمراقبة المستمرة، والتدخل المبكر عند ظهور علامات عدم التحمل؛ إذ يرتبط تناول حليب الأم تحديدًا بانخفاض خطر NEC والعدوى.
يحتاج الأطفال الخدج إلى اهتمام خاص بالحديد والفيتامينات والمعادن بسبب سرعة النمو ومحدودية مخزون بعض العناصر. توصي ESPGHAN وبكمية حديد تُقارب 2 إلى 3 ملليغرامات لكل كيلوغرام من الوزن يومياً. بينما توصي إرشادات AAP الحديثة بأن يبدأ الأطفال الخدّج الذين يعتمدون على تغذية معوية كاملة بالحديد أو الدعم بالحديد بحلول عمر أسبوعين وذلك لضمان الحصول على 2 إلى 3 ملليغرامات من الحديد الصافي (العنصري) لكل كيلوغرام من الوزن يومياً. أمّا الفيتامين د (Vitamin D)، فتوصي "الجمعية الأوروبية لطب وأبحاث أطفال الأمعاء والكبد والتغذية" (ESPGHAN) بتقديم 400 إلى 700 وحدة دولية لكل كيلوغرام من الوزن يومياً للطفل الخديج المستقر صحياً. بحد أقصى اعتيادي لا يتجاوز 1000 وحدة دولية في اليوم. وتُحدد الحاجة الفعلية وفق وزن الطفل وحالته والتغذية. لذلك يجب أن يتم إعطاء الحديد والفيتامينات ضمن برنامج طبي تغذوي واضح، مع مراقبة مخزون الحديد والحالة السريرية، وليس بشكل عشوائي.
التقييم لا يعتمد على الوزن وحده، بل يشمل الوزن، والطول، ومحيط الرأس، ومعدل النمو، وكمية السوائل والحليب، والسعرات والبروتينات، وتحمل التغذية، إضافة إلى المؤشرات المخبرية عند الحاجة.
مثلاً في حالة طفل وُلد قبل موعده في الأسبوع الـ 29 من الحمل، ويبلغ من العمر الآن 14 يوماً ووزنه 1.2 كيلوغرام. يرضع هذا الطفل حليب الأم المدعم بالمغذيات بكمية 160 مليلتر لكل كيلوغرام يومياً.
توفر هذه الخطة الغذائية اليومية للطفل:
السعرات الحرارية: 128 سعرة حرارية لكل كيلوغرام.
البروتينات: 3.84 غرام لكل كيلوغرام.
الدهون: 6.72 غرام لكل كيلوغرام.
الكربوهيدرات: 13.76 غرام لكل كيلوغرام.
وتعد هذه الأرقام نموذجاً مثالياً؛ لكونها تقع بالكامل ضمن الحدود والتوصيات التي حددتها "الجمعية الأوروبية لتغذية الأطفال" (ESPGHAN) لدعم نمو الطفل الخديج بشكل آمن وسليم.
تغذية الأطفال الخدج ليست مجرد أرقام محسوبة، بل هي عملية مستمرة تتطلب تقييمًا دقيقًا ومتابعة مستمرة وتعاونًا بين أخصائي التغذية والفريق الطبي والأسرة. ويكمن دور أخصائي التغذية في تحويل الإرشادات العلمية إلى خطة عملية وآمنة، ثم تقييم نتائجها وتعديلها بما يتناسب مع احتياجات كل طفل.
أنا اختصاصية تغذية سريرية وحميات، حاصلة على درجة البكالوريوس في التغذية السريرية والحميات عام 2025، وحاصلة على مزاولة مهنة في التغذية السريرية والحميات من وزارة الصحة في المملكة الأردنية الهاشمية.
خلال مسيرتي الأكاديمية والمهنية، حرصتُ على بناء خبرة تجمع بين الجانب العلمي والسريري والتطبيقي. تلقيت تدريبًا سريريًا في مدينة الحسين الطبية، شمل التقييم الغذائي، وتخطيط التدخلات الغذائية العلاجية، ومتابعة الحالات باستخدام Nutrition Care Process (NCP)، كما اكتسبت خبرة عملية في مجال التغذية السريرية من خلال تدريبي في لبنان تحت إشراف اختصاصية التغذية دعاء الظاهر.
Loading ads...
إلى جانب العمل السريري، لدي اهتمام بالتثقيف والتوعية الغذائية وصناعة المحتوى؛ حيث شاركت بشكل تطوعي مع Healthy Nutrition Club في إعداد وتصوير فيديوهات توعوية حول التغذية والصحة إضافة إلى تغذية الأطفال الخدج ، كما أعمل على تقديم محتوى غذائي مبني على الأدلة العلمية عبر منصاتي الرقمية. أؤمن أن دور أخصائي التغذية لا يقتصر على وضع خطة غذائية، بل يشمل فهم الحالة بشكل متكامل، ومواكبة الأدلة العلمية، والتعاون مع الفريق الطبي، وتحويل المعرفة إلى تدخل غذائي آمن وفعّال.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

ما حقيقة حدوث اكتئاب ما بعد الولادة عند الرجال ؟
منذ 11 ساعات
0




