2 ساعات
بعد عام ونصف من الحرية.. لماذا يشعر سوريون بأن الواقع لم يتغير؟
الجمعة، 24 أبريل 2026
يثير مزاج سوريين كثر حيال واقعهم، أسئلة شتى حول طريقة تفسيرهم لما يجري في بلدهم. وقد لوحظ في الوقفة التي حدثت في ساحة يوسف العظمة الدمشقية قبل أيام أن بعض الشعارات التي رفعها المعتصمون، تلقاها مؤيدو السلطة على أنها إنكار مقصود للتغييرات وحنين للزمن الأسدي!
يمكن في البداية ملاحظة وجود مفارقة لافتة تحكم المشهد، إذ مرّ نحو عام ونصف على سقوط نظام البراميل، ومع ذلك ما يزال قطاع واسع من السوريين يشعر بأن الواقع يزداد سوءاً، أو على الأقل لا يتحسن بالقدر المتوقع.
هذا الشعور لا يمكن تفسيره أولاً ومعالجته ثانياً، من خلال اتهام الناس بإنكار الواقع، أو النظر إليهم كمتآمرين على السلطة الجديدة، رافضين لأي تغيير. لأن المسألة هنا أعمق من ذلك، وتتصل بطبيعة التجربة السورية نفسها، ونوابض تشكل الوعي الجمعي خلال سنوات الثورة والحرب، وصولاً إلى العلاقة الملتبسة بين التوقعات والواقع.
الفجوة الواضحة بين ما تقوله السلطة وما يروّجه مؤيدوها، وبين ما يلمسه الناس على الأرض، تتحكم بتعبيرات هؤلاء، فالسلطة الجديدة قد تعلن خطوات إصلاحية، أو تطرح مشاريع لتحسين الحياة، أو تعيد ترتيب مؤسسات الدولة، لكن المواطن العادي يقيس الأمور بمعايير توفّرِ الكهرباء أو غيابِها، وتأمين الخبز أو فقدانه، وانخفاض الأسعار أو ارتفاعها، الأمن الشخصي أمام انفلات الواقع، وغير ذلك من التفاصيل، وهو حين لا يلمس تحسناً مباشراً في هذه العناصر، يصبح كل كلام سياسي مجرد إنشاء معلق في الهواء.
المشكلة هنا تكمن في أن عقلية السوريين باتت شديدة الحساسية تجاه الوعود. لقد أملوا أن يتحسن واقعهم خلال عشرات السنين، لكن حياتهم كانوا تسوء بشكل مطّرد وانتهت إلى ثورة عارمة، وحرب طويلة، خلفت خسائر هائلة. لذلك لم تعد الشعارات وحدها قادرة على إنتاج الثقة، مهما كانت عقلانية أو واقعية.
السوريون خرجوا من الثورة بإرث من الألم وما يساويه من الأمل الكبير. كانوا يتوقعون تحوّلاً جذرياً نحو الدولة العادلة وشفافية المؤسسات وصولاً إلى المشاركة السياسية
ويضاف إلى ما سبق الخوف من إعادة إنتاج التسلط. فكثير من السوريين ينظرون نحو الواقع الحالي وما كان يجري في ظل النظام السابق فقط، وأيضاً يقارنون بين الحاضر والمستقبل المحتمل. أي أنهم لا يسألون وحسب: هل الوضع الآن أفضل من زمن الدكتاتورية الدموية؟ وإنما يسألون أيضاً: هل المسار الحالي سيقود إلى نظام جديد مغلق؟
الحساسية هذه ليست مخترعة، فقد بدأ عهد الأسد الأب وكذلك الابن أيضاً بادعاء خطاب إصلاحي، ثم تحولت سياستهما تدريجياً إلى الإجرام المطلق. لذلك فإن أي مؤشر على مركزية شديدة للقرار، أو غياب التعددية، أو تضييق المجال العام، يُقرأ فوراً كنذيرٍ مبكرٍ على إعادة إنتاج نموذج قديم، حتى لو كانت النيات مختلفة.
لكن هذا البعد السياسي لا يكفي وحده لفهم المزاج العام. هناك أيضاً بعد نفسي عميق، مرتبط بسنوات الصدمة المتواصلة. فقد عاش السوريون أكثر من عقد من العنف، تحت القصف شبه اليومي، وقاسوا مرارة النزوح واللجوء، وألم الفقدان، وكذلك الانهيار الاقتصادي، والتشظي الاجتماعي. هذه الكوارث لا تنتهي – كما يظن بعضهم - بسقوط النظام، لأن آثارها تستمر في الوعي والسلوك. كما أن المجتمعات التي تمر بصدمات كبرى تميل إلى الحذر المفرط، وإلى قراءة الواقع بطريقة متشائمة، وإلى توقع الأسوأ حتى في لحظات التحسن.
هنا يمكن رؤية المواطن السوري وكأنه "دمية اختبار صدمات". في اختبارات السيارات، حيث توضع دمية في المقعد الأمامي، وتُطلق السيارة نحو جدار صلب، ثم تُفتح الوسادة الهوائية لمعرفة مدى الحماية.
لكن هذه الدمية، في الواقع السوري، ليست جسماً بلا حياة. إنها إنسان تعرّض لسلسلة من الاصطدامات المتتالية، في كل مرة كان يُقال إن الوسادة الهوائية الجديدة ستخفف الصدمة، لكن المواطن خرج من هذه الاختبارات أكثر تشققاً وقابلية للانهيار. لذلك فإن أي اصطدام جديد، حتى لو كان أخف، يُشعره بأنه قد يتحطم نهائياً.
الإحساس بالهشاشة يجعل التوقعات مختلفة أيضاً. السوريون خرجوا من الثورة بإرث من الألم، وما يساويه من الأمل الكبير. كانوا يتوقعون تحوّلاً جذرياً: نحو الدولة العادلة، وشفافية المؤسسات، وصولاً إلى المشاركة السياسية، والفرص الاقتصادية الجديدة. وحين تحدث التغيرات ببطء أو بشكل جزئي، يبدو الفارق شاسعاً بين الحلم والواقع. وهنا المقياس يصبح مقارنة الحاضر بالماضي، ومقارنة الحاضر بالحلم. وكلما كان الحلم كبيراً، بدا الواقع أصغر وأكثر إحباطاً.
يضاف إلى ذلك عامل الثقة الاجتماعية. فبعد أن مزقت سنوات الحرب العلاقات بين السوريين، وأضعفت شعورهم بالمصير المشترك. واندلاع الأزمات التي وقعت في الساحل وفي السويداء وفي الشمال السوري، برزت مؤشرات تؤكد تباين الإرادات بين المجموعات الطائفية والقومية. وعندما تغيب الثقة بين المجتمع والسلطة، وبين فئات المجتمع نفسها، يصبح أي تغيير موضع شك. حتى الخطوات الإيجابية تُفسَّر أحياناً بوصفها موجهة لفئة دون أخرى، أو مقدمة لسيطرة جديدة. في هذا المناخ، يتضخم الشعور السلبي، لأن الناس لا يرون الصورة العامة، وينظر كل منهم من زاوية تجربته الخاصة.
يمكن القول إن الإحساس بأن الواقع أسوأ لا يعني بالضرورة أن هذا صحيح، لاسيما حين نرى أن الناس تقيسه بمعايير تجعل المزاج العام متشائماً، حتى في لحظة تحمل بوادر إيجابية.
Loading ads...
في المحصلة، تبدو صورة المواطن كدمية اختبار صدمات أكثر من مجرد استعارة بلاغية. ذلك أنها تلخص حالة المجتمع الذي عانى، وأصبح يخشى أن يكون التغيير الجديد مجرد تجربة أخرى تُجرى عليه. المشكلة فعلياً ليست فقط في قوة الاصطدام المتوقعة، بل في أن الجسد نفسه صار مدمَراً. لذلك فإن عملية الانتقال الحقيقية تحتاج قرارات سياسية وإصلاحات اقتصادية، وقبل هذا تحتاج أيضاً إلى ترميم الثقة، وإعطاء الناس إشارات ملموسة بأنهم شركاء في قيادة المركبة نفسها، وتحديد اتجاهها، وتقرير سرعتها، وليسوا أدوات اختبار، وعندما يشعر المواطن بذلك، فقط عندها يبدأ المزاج العام بالتغير، لأن الناس لم يعودوا يخافون من الاصطدام القادم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


