على ضفاف الفرات في مدينة دير الزور، حيث تنتشر المقاهي والمطاعم تلقي بأضوائها على ما تبقّى من مياه النهر، تدور حكايا الشباب الباحثين عن فرص عمل، بعد أن عادوا إليها عقب تهجير استمر نحو 10 سنوات، كان سببه الرئيسي خروجهم بثورة أهم مطالبها العدالة الاجتماعيّة.
وفضلا عن هؤلاء الشبان الذين اعتقدوا أنّ إسقاط النظام البائد سيفتح أمامهم فرص كبيرة للعمل، نشأ جيل جديد من خريجي الجامعات والمعاهد، يضافون إلى آلاف الباحثين عن وظيفة تشكّل ضمانا لمستقبلهم، وتؤمّن ما يقيهم الحاجة والعوز.
يقول عمر الحمّادي، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ مطالبه التي نادى بها مع انطلاق الثورة لم تتحقّق بعد، فهو لم يخرج بالمظاهرات لمطالب سياسيّة، بل كان هدفه العدالة في توزيع فرص العمل التي كان يراها تذهب أمام عينيه لأصحاب الواسطات والنفوذ وأبناء المسؤولين.
في مدينة صغيرة مثل دير الزور، يعرف الناس بعضهم بعضا، ولا تكاد قصّة تحدث، أو معاناة يعاني منها أحدهم، إلّا وتصبح حديث الناس في جلساتهم وحكاياهم اليوميّة، لتمسي حديث الناس بين ليلة وضحاها، فانعدام فرص العمل هو حديث الناس اليوم.
يقول أنس المصطفى، أحد الباحثين عن فرصة عمل، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ في الشارع الذي يسكنه يمكن أن يجتمع أكثر من ثلاثين شاباً يبحثون عن فرص عمل، وقسم كبير منهم يحملون الشهادات الجامعيّة، لكنّهم أمضوا سنة بعد عودتهم إلى المدينة من دون أن يجدوا عملاً ثابتاً، ويضيف "معظمنا يعمل بشكل متقطّع؛ يوم هنا وأسبوع هناك، في أعمال لا تتناسب مع اختصاصاتنا ولا تؤمّن أبسط متطلّبات الحياة".
مريم، خريجة المعهد التقاني للحاسوب، تتناول المشكلة من زاوية مختلفة، إذ تشير إلى أنّ عدداً متزايداً من الشبّان باتوا يشترطون الارتباط بفتيات يعملن، بهدف تقاسم أعباء المعيشة وتأسيس أسرة قادرة على الاعتماد على ذاتها، وتوضح أنّ غياب فرص العمل المتاحة للفتيات لا يعني فقط ضياع سنوات الدراسة دون مردود فعلي، بل انعكس أيضاً بشكل مباشر على تراجع معدّلات الزواج، وتضيف لموقع تلفزيون سوريا، بلهجتها العاميّة "البنت اللي ما تتوظّف ما حدا يدق بابها"
شهادات جامعيّة بلا قيمة عمليّة
تفاقمت أزمة البطالة في دير الزور مع تزايد أعداد الخريجين في ظل غياب مشاريع إنتاجيّة قادرة على استيعابهم، فالكليات والمعاهد تخرّج سنوياً مئات الشبان والشابات، لكن سوق العمل المحلي شبه مشلول، والقطاع الخاص محدود، في حين لا تزال مؤسسات الدولة عاجزة عن فتح باب التوظيف على نطاق واسع.
علي، خريج كلية الاقتصاد، يقول إنّه تقدّم إلى عشرات الوظائف، لكن من دون جدوى، ففي كل مرة يُطلب منه الانتظار، أو يُقال له إنّ الفرص محدودة، في حين يرى آخرين يحصلون على وظائف عبر علاقاتهم، ويضيف أنّه اضطر إلى العمل في محل لبيع المواد الغذائية بأجر يومي لا يتجاوز ما يغطي تكاليف المواصلات والطعام.
اقتصاد هشّ وفرص محدودة
يعزو مختصّون جزءاً كبيراً من المشكلة إلى هشاشة الواقع الاقتصادي في دير الزور، التي تعرّضت خلال السنوات الماضية لدمار واسع في البنية التحتيّة، إضافة إلى غياب الاستثمارات، وضعف رأس المال المحلي، وتراجع النشاط الزراعي والصناعي الذي كان يشكّل في السابق ركيزة أساسيّة لفرص العمل.
ويشير الباحث الاقتصادي خالد العبد الله إلى أنّ المدينة بحاجة إلى خطّة إنعاش اقتصادي حقيقيّة، تبدأ بإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجيّة، وتوفير بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار، ويؤكّد أنّ الاعتماد على الوظائف الحكوميّة وحدها لم يعد خياراً واقعياً، في ظل محدودية الموارد وارتفاع عدد الباحثين عن عمل.
الهجرة كخيار أخير
أمام انسداد الأفق الاقتصادي، أو عدم ضمان فرصة عمل، يجد عدد كبير من الشباب أنفسهم مضطرين للاختيار بين الهجرة الداخليّة أو مغادرة البلاد نهائياً، بعضهم يشدّ الرحال إلى مدن أخرى أملاً بفرصة عمل أفضل، في حين يفكّر آخرون بالهجرة الخارجيّة رغم ما تنطوي عليه من مخاطر وتكاليف باهظة.
يقول حسام العبيد، خريج اللغة الإنكليزيّة، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ معظم أصدقائه إمّا غادروا فعلاً أو يستعدّون للمغادرة، موضحاً أنّ أحداً لا يرغب في ترك مدينته وأهله، لكن البقاء بلا عمل وبلا أي أفق للمستقبل لم يعد محتملاً، ويضيف أنّه يشعر بأنّ أحلام جيله باتت معلّقة إلى أجل غير معلوم.
من جهته، يروي عبد الحميد العمر، وهو مهندس نفط، أنّه اضطر إلى العمل على درّاجة ناريّة كوسيلة أجرة، بعد أن عجز عن إيجاد وظيفة تتناسب مع شهادته، ويقول "لم تعد الشهادة طريقاً إلى العمل، وأي فرصة تضمن قوت يومي أصبحت خياراً لا يمكن رفضه".
آثار اجتماعيّة مقلقة
لا تتوقّف تداعيات البطالة عند حدود الدخل المحدود أو العجز عن تلبية الاحتياجات المعيشيّة، بل تتجاوزها إلى بنية المجتمع ذاته، حيث تترك آثاراً اجتماعيّة ونفسيّة عميقة يصعب احتواؤها مع مرور الوقت، فحرمان الشباب من فرصة العمل لا يعني فقط تعطّل طاقتهم الإنتاجيّة، بل تمسّ استقرارهم الشخصي ودورهم داخل الأسرة والمجتمع.
ويُعدّ تأخّر سنّ الزواج من أبرز هذه الآثار، إذ يجد كثير من الشباب أنفسهم عاجزين عن تحمّل أعباء تأسيس أسرة في ظل غياب الدخل الثابت، ما يخلق حالة من القلق المزمن والشعور بالعجز. كما تسهم البطالة في ارتفاع مستويات الإحباط والاكتئاب، وتغذّي الإحساس بعدم العدالة وانسداد الأفق، الأمر الذي ينعكس سلباً على العلاقات الاجتماعيّة ويزيد من حدّة التوتر داخل العائلة الواحدة.
وفي هذا السياق، تشير الناشطة الاجتماعيّة ريم العبد الله، لموقع تلفزيون سوريا، إلى أنّ الشاب العاطل عن العمل يفقد تدريجياً شعوره بالجدوى والانتماء، ويبدأ بالتشكيك في قيمته ودوره داخل المجتمع»، موضحة أنّ هذه الحالة قد تدفع بعضهم إلى الانسحاب الاجتماعي أو الانخراط في سلوكيات سلبيّة، كالعنف أو الإدمان أو الهجرة غير النظاميّة، وتؤكّد العبد الله أنّ البطالة لم تعد مجرّد مشكلة اقتصاديّة عابرة، بل أزمة اجتماعيّة مركّبة، تتطلّب سياسات جادّة وحلولاً مستدامة، لأنّ تجاهلها يهدّد النسيج الاجتماعي ويعمّق أزمات الشباب على المدى البعيد.
مطالب وحلول مقترحة
يطالب شباب دير الزور ببرامج واضحة لدعمهم، تبدأ بتأهيلهم وتدريبهم بما يتناسب مع احتياجات السوق، مروراً بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وصولاً إلى اعتماد معايير شفافة في التوظيف، تضمن تكافؤ الفرص بعيداً عن الواسطة والمحسوبيّة، كما يدعو ناشطون إلى إشراك الشباب أنفسهم في وضع الحلول، والاستماع إلى آرائهم واحتياجاتهم الحقيقيّة، بدلاً من الاكتفاء بوعود لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
Loading ads...
يقول عمر في ختام حديثه: "أحلامنا لم تمت، لكنها مؤجّلة. نريد فقط فرصة عادلة لنثبت أنّنا قادرون على بناء مدينتنا من جديد" وفي مدينة أنهكتها الحرب، يبقى رهان المستقبل معلّقاً على قدرة هؤلاء الشباب على الصمود، وعلى وجود إرادة حقيقيّة لتحويل وعود العدالة الاجتماعيّة إلى واقع ملموس.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

