قبل وصولي إلى مدينة أريحا الفلسطينية قادماً من الأردن، كنت أفكر في خيارين لاستكمال الطريق، أو في وجهتين محتملتين يمكنني أن أقصدهما؛ الأولى هي قريتي، قرية قبلان، الواقعة في منتصف المسافة تقريباً بين مدينتيّ نابلس ورام الله في وسط الضفة الغربية المحتلة، والثانية هي مدينة رام الله نفسها.
في أوقات سابقة، وتحديداً قبل انفجار الأوضاع في الضفة الغربية بسبب إرهاب قطعان المستوطنين، كنت أستقلّ إحدى سيارات السرفيس التي تنقل الركاب من المبنى الحدودي المسمَّى "استراحة أريحا" إلى مدينة نابلس، ثم أتصل تلفونياً بمكتب من مكاتب التاكسيات الموجودة في قريتي، ليرسل إليّ سيارة حتى مدخل القرية القريب من حاجز الجيش الإسرائيلي المعروف باسم "حاجز زعترة".
أنزل من سيارة السرفيس عند مدخل القرية، فيكون التاكسي في انتظاري، لكن في مرات كثيرة كنت أصل قبل التاكسي، فأنتظره. هذا الانتظار في منطقة لا يوجد فيها سوى جنود مدجّجين بالسلاح، ومستوطنين مدجّجين بالكراهية، كان يؤرقني ويخيفني، ويشعرني أن الدقائق تمر بطيئة إلى أن ألمح التاكسي قادماً من خلف المنعطف القريب، فتنفرج أساريري، ويزول قلقي.
في ذلك الوقت لم يكن الخوف مبرَّراً تماماً، وربما يمكنني الاعتراف هنا بأن السبب الرئيسي لهذا الخوف هو غيابي الطويل عن تفاصيل الحياة اليومية في فلسطين، والاحتمالات التي تتكوَّن في ذهن الشخص الذي يقوم بزيارة قصيرة لبلاد قد يحدث فيها أي شيء دون مقدمات ودون أسباب واضحة ومعقولة.
كنت أقول في نفسي: ما أدراني ما الذي يمكن أن يخطر في بال هذا الجندي أو ذاك المستوطن إن رآني أقف وحيداً إلى جانب الطريق؟ كانت احتمالاتي هي سبب قلقي، دون التقليل من أن هذه الاحتمالات مدعومة بتاريخ طويل من التجارب السيئة.
لكن بعد عنف المستوطنين اليومي في الضفة الغربية لم يعد هناك مكان للاحتمالات، وبالتالي فلن أغامر بالاتصال بمكتب قد يتأخّر في إرسال سيارة إلى مكان أصبح تحت سيطرة المستوطنين. لهذا، كنت أفكر في خيارين: إما أن أستقل تاكسي من الاستراحة إلى قريتي، وهذا مُكلف جداً، أو أستقل سيارة سرفيس إلى مدينة رام الله ومن هناك أزور قريتي بعد يوم أو يومين.
وما سأنفّذه لا يعتمد على ترجيحي الشخصي، بل يقرّره أي الطريقين سالكة لحركة السير وأيهما مغلقة.
لماذا أركّز على فكرة الخوف في مقدمة هذا المقال؟ لسبب بسيط يتعلّق بالطريقة التي كان يبدأ بها الاستيطان في الضفة الغربية، وما طرأ عليها في السنوات الأخيرة من تغييرات مدروسة، الغاية منها تحقيق أسرع وأكبر نتائج على الأرض، وذلك دون التعرّض لتغطية إعلامية تؤدّي إلى تنديد دولي ذي تأثير.
كان الاستيطان قديماً يبدأ بالجرَّافة وخرائط الموقع على الأرض ومخطّط البناء، لذلك فإن التغطية الإعلامية له كانت ترتكز على معطيات واضحة ومعرَّفة بالأرقام والصور، وتالياً فإن إمكان الفلسطينيين ومؤسساتهم المعنية تجهيز ملفّ قانوني كان أسهل. كان من المعتاد أن تسمع في الإعلام أن الحكومة الإسرائيلية صادرت 100 دونم مثلاً من أراضي بلدة أبو ديس، من أجل توسيع مستوطنة معاليه أدوميم، فتبدأ حملة قانونية وسياسية من أجل إدانة هذا القرار.
كان الاستيطان نشاطاً تقوم به وزارة الإسكان في إسرائيل، مما يؤدّي بالتالي إلى أن تكون الإدانات الدولية موجَّهة إلى هذه المؤسسة، ومُطالِبةً إياها بالتوقّف عن هذا النشاط لعدم شرعيته، ولإضراره بمرتكزات الحل النهائي للصراع أو لمسار العملية السلمية، حين كان هناك مسار كهذا.
وبغض النظر عما كانت تحقّقه هذه الإدانات من نتائج على الأرض، وإن كانت تلجم الحكومة الإسرائيلية هنا، أو تؤجّل عملها هناك، أو حتى توضع في درج الأمم المتحدة فوق أخواتها من الإدانات الكثيرة، إلا أنها كانت تُزعج الحكومة الإسرائيلية وتفرض عليها الكثير من العمل الدبلوماسي للتبرير.
الآن، لم يعد الاستيطان يبدأ بالجرافة، بل صار يبدأ بالتخويف. لم تعد الحكومة الإسرائيلية مضطرة إلى نشر تصوّرها عن عدد الوحدات السكنية التي تنوي بناءها في المستوطنة الفلانية، وبدلاً من ذلك أوكلت هذه المهمة إلى ذراعها الضاربة في الضفة الغربية، وهي المستوطنين أنفسهم، وتحديداً إلى الجماعات المنفلتة والمسلّحة منهم مثل شبيبة التلال وغيرهم.
يمكننا هنا اختصار الحكاية بجملة واحدة وهي أن المستوطنين يبدأون بتخويف الفلسطينيين، ثم يأتي الاستيطان كعملية سيطرة على الأرض ليملأ الفراغ الذي خلَّفه الخوف.
لكن هذه الجملة بحاجة إلى تفسير يجعل الآلية أكثر وضوحاً لدى القارئ البعيد، والذي لا يضطر إلى قطع المسافة من أريحا إلى بيت أمه في قبلان، أو إلى الذهاب لقطف أشجار الزيتون التي يمتلكها أباً عن جد عن جد الجد، لكن حظّه وحظّها جعلا منها سهلة التصويب من بندقية مستوطن يتمركز فوق الجبل القريب.
في العام 2025، وثّقت الأمم المتحدة 1800 هجوم لقطعان المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين وعلى ممتلكاتهم، أغلب هذه الاعتداءات تمت على الطرق بين المدن أو في الحقول التي يمتلكها المواطنون ويذهبون إلي زراعتها أو قطف محاصيلها، وعلى التجمّعات البدوية أو الريفية الصغيرة غير المحمية من تجمّعات مركزية أو كبيرة.
نتيجة لهذه الهجمات، تتحدّث "هيومن رايتس ووتش" عن 107 تجمعات سكانية هُجّرت كلياً أو جزئياً، وأصبح سكانها نازحين في أماكن أخرى. هذا عن التجمّعات السكانية، لكن في ما يخص السكان أنفسهم، وثّقت الأمم المتحدة نزوح 6200 فلسطيني من الضفة الغربية منذ 2023 وحتى 29 أيلول/ سبتمبر الجاري.
تقول حكومة إسرائيل في دفاعها عن إرهاب مستوطنيها إن هذه "حالات فردية"، لكن هيّا نصدّق هذه الكذبة التي لا تنطلي على أحد، ثم نسأل الذين يتبنونها ويروجون لها: من يستفيد من نتائج هذا العنف؟ من يزوّد كرفانات المستوطنين وخيامهم بالكهرباء والماء؟ من يشق لهم الطرق؟ من يحميهم؟ والأهم ماذا لو قرّر فلسطيني أن يقاوم هذا "العنف الفردي" بـ"عنف فردي مضاد"، أو بكلمات أدق أن يدافع عن نفسه وعن ممتلكاته؟
الجواب سهل جداً وهو أن رصاص الجنود الإسرائيليين التابعين لهذه الحكومة سيقوم بـ"تحييد" المدافع عن نفسه، ثم سيتم لصق صفة "إرهابي" به بكل سهولة.
لكن كيف تستفيد إسرائيل من كل هذا؟ ولماذا تعتبره أكثر جدوى من سياساتها الرسمية الخاصة بمصادرة الأرض وتهجير السكان؟ أقول لأن هذا الأسلوب يشتغل في مسارين متوازيين، الأول هو الكلفة المادية التي يدفعها الفلسطيني لقاء بقائه على أرضه؛ بيت يُحرق، محصول زيتون أو قمح يُمنع قطفه أو حصاده، تراكتور يُصادر، أغنام تسرق، إغلاق طريق يؤدّي إلى إهدار الوقت وكلفة زائدة بالوقود وأجرة التنقل... وهكذا.
استطاع الفلسطيني أن يصمد أمام كل هذه العقبات والعراقيل، مرة بمنطق أنه صاحب حق لن يتنازل عنه، ومرة بأن الله سيعوّضه عن خسائره، ومرة بمنطق "المجاكرة" ومن سيتألم أولاً.
لكن المستوطنين ومن يقف خلفهم، أضافا إلى مسار الكلفة المادية المسار الثاني الذي يتعلّق بالإرهاق النفسي، إذ إن امتداد هذه الاعتداءات وشمولها كافة مناطق الضفة الغربية، وحدوثها خلال كل ساعات النهار والليل، جعل الفلسطيني في حالة استنزاف دائم وتفكير لا يتوقّف بأسئلة من نوع: هل سيعود الأولاد من المدرسة سالمين؟ هل علينا أن نسهر الليلة لحماية البيت؟ هل سأستطيع العودة إن ذهبت إلى العمل؟
Loading ads...
أنا أيضاً كنت أتساءل: هل سأصل قريتي إن قرّرت السفر لزيارة أمي؟ وإن وصلت، فهل سأستطيع العودة؟ الجواب دون تردّد هو "طز في المستوطنين ومن يقف خلفهم"، وهذا ما يقوله الفلسطيني هنا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






