7 أشهر
اللغة والمناهج واختلاف البيئة.. عقبات تواجه الطلاب السوريين العائدين إلى بلادهم
الثلاثاء، 4 نوفمبر 2025
عادت شام، الطالبة في الصف الرابع، من لبنان إلى بلدتها زردنا في ريف إدلب بعد ثماني سنوات قضتها هناك برفقة عائلتها.
التحقت بعد وصولها إلى سوريا بمدرستها الجديدة قبل نحو شهر، لتبدأ رحلة تأقلم صعبة مع بيئة تعليمية مختلفة تماماً عما اعتادته.
تعاني شام من الاختلاف الواسع بين المدارس في سوريا ولبنان، سواء من حيث اللهجة أو المناهج والكتب الدراسية، إذ إن المناهج السورية تُدرّس بالكامل باللغة العربية، في حين تعتمد المدارس اللبنانية اللغة الفرنسية أو الإنجليزية في معظم المواد، باستثناء مادة اللغة العربية.
عودة آلاف الطلاب من بلدان اللجوء
تُعد شام واحدة من آلاف الطلاب السوريين العائدين إلى البلاد من بلدان اللجوء والاغتراب في لبنان وتركيا وأوروبا وغيرها، بعد سنوات من الثورة والحرب.
العديد من هؤلاء التحقوا هذا العام بالمدارس السورية، ليجدوا أنفسهم أمام تحديات متعددة تتعلق باختلاف المناهج، ولغة التعليم، وطبيعة البيئة الجديدة، وغيرها من المتغيرات التي تجعل عملية الاندماج معقدة. وتتفاوت حدة الصعوبات من طالب إلى آخر، بحسب خلفيته اللغوية واستعداد أسرته للعودة.
ويؤكد مختصون أن دور الأهل أساسي في هذه المرحلة، سواء من خلال استخدام اللغة العربية في المنزل خلال سنوات الاغتراب، أو عبر اتخاذ خطوات عملية لتخفيف التحديات، مثل تسجيل أبنائهم في دروس خصوصية لتقوية لغتهم العربية، ما يساعدهم على الاندماج وتجاوز فجوة التغيير اللغوي.
دروس خصوصية لتقوية اللغة العربية
يقول مأمون عثمان، وهو مواطن سوري عاد إلى مدينته حلب مع عائلته بعد "تحرير البلاد" قبل أقل من عام، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن التحديات التي تواجه الطلاب العائدين تنقسم بين ما يتعلق بالأهالي وما يتعلق بالطلاب أنفسهم.
ويشير إلى أن العائلات التي كانت تخطط للعودة كان ينبغي أن تُحضّر أبناءها مسبقاً، عبر إشراكهم في دورات خاصة لتعلم اللغة العربية خلال العطلة الصيفية مثلاً، وخاصة للأطفال الذين لم يتقنوا العربية جيداً.
ويؤكد عثمان أنه اتبع هذه الخطوة مع أبنائه، الأمر الذي ساعدهم على فهم اللغة العربية والكتابة بها بسهولة أكبر.
ويضيف أن للمعلم دوراً محورياً في سرعة تأقلم الطلاب مع اللغة العربية، إذ يمكنه أن يجعلهم يحبون المادة أو ينفرون منها تبعاً لأسلوبه، مشدداً على أهمية اختيار معلمين يمتلكون طرق تدريس مشوقة وجاذبة، بعيداً عن الأساليب الجافة التي قد تُكره الطلاب باللغة العربية.
العامل النفسي وتقبّل البيئة الجديدة
يشير عدد من أولياء أمور الطلاب العائدين إلى أن العامل النفسي يلعب دوراً حاسماً في مدى تقبّل الأطفال للعيش مجدداً في سوريا، ومدى استعدادهم للتأقلم مع البيئة الجديدة.
ويؤكد الأهالي أن الطالب الذي لا يتقبل فكرة العودة سيجد نفسه رافضاً لكل ما حوله، بما في ذلك المدرسة. فالمشكلة – كما يوضحون – لا تكمن بالضرورة في المؤسسة التعليمية ذاتها، بل في رفض الطالب للواقع الذي يعيشه وكراهيته له. هذا الرفض النفسي ينعكس مباشرة على تحصيله الدراسي وقدرته على التركيز، إذ لا يكون السبب في ضعف الأداء المدرسة نفسها، بل البيئة الجديدة التي لم يستطع تقبلها بعد.
ممارسات مدرسية تُعزز العزلة
يشتكي عدد من أهالي العائدين إلى سوريا من ضعف اندماج أبنائهم مع زملائهم في المدارس المحلية.
ويقول مأمون عثمان في هذا السياق: "هناك نظرة سلبية من بعض الطلاب الموجودين مسبقاً تجاه زملائهم القادمين من الخارج، سواء من لبنان أو تركيا، كما تُرتكب بعض الأخطاء من كوادر المدارس، مثل وضع الطلاب القادمين من تركيا في صفوف مستقلة"، موضحاً أن هذه الممارسات تحول دون اندماجهم الحقيقي وتشجع على تكوين مجموعات مغلقة بين الطلاب العائدين أنفسهم.
ويضيف أن بعض المعلمين يعمدون إلى عزل الطلاب القادمين من الخارج بهدف منحهم اهتماماً خاصاً، لكنه يرى أن هذا الإجراء يؤدي عملياً إلى خلق عزلة مضادة عن بقية الطلاب، رغم أنه يتفهم نية المدرسين في تقديم الدعم لهم.
صعوبات لغوية أكثر من مناهجية
يتحدث فائز، طالب الصف العاشر العائد من تركيا إلى حلب، عن تجربته قائلاً إنه لم يواجه صعوبة في مضمون المواد العلمية، بل في اللغة المستخدمة في تدريسها.
ويشرح: "كل ما أدرسه في الفيزياء والكيمياء والرياضيات درسته سابقاً في تركيا، لكن بلغات مختلفة، فالمسميات هنا جديدة عليّ رغم أن المفاهيم الأساسية مألوفة".
وللتغلب على هذه المشكلة، يحضر فائز دروساً خصوصية في اللغة العربية، معتبراً أن تقوية لغته تُعد مفتاحاً لفهم جميع المواد الأخرى، خصوصاً أن اللغة العربية مادة أساسية ومرسبة في النظام التعليمي السوري، وتتطلب اهتماماً كبيراً.
اللغة الفرنسية.. تحدٍ إضافي للعائدين من تركيا
يوضح مأمون عثمان أن التحدي الأكبر الذي يواجه أبناءه يتمثل في تعلم اللغة الفرنسية، وهو ما ينطبق على معظم الطلاب القادمين من تركيا، بخلاف القادمين من لبنان الذين اعتادوا دراسةَ هذه اللغة ضمن مناهجهم.
ويشير إلى أن الطلاب العائدين من تركيا يدرسون ثلاث لغات أصلاً ـ العربية والإنجليزية والتركية ـ ثم يُطلب منهم تعلم الفرنسية أيضاً، ما يزيد من حجم الضغط عليهم.
ويضيف عثمان أنه فضّل عدم التركيز كثيراً على اللغة الفرنسية لأبنائه في ظل التحديات الكثيرة التي يواجهونها، مفضلاً أن يوجّهوا جهودهم نحو اللغة العربية والرياضيات وبقية المواد التي يراها أكثر أهمية في المرحلة الحالية.
اختلاف الأرقام والمصطلحات الحسابية
من الصعوبات اللافتة التي أشار إليها عدد من الطلاب العائدين من لبنان وأولياء أمورهم، اختلاف الأرقام والمصطلحات بين المناهج الدراسية.
ففي لبنان، اعتاد الطلاب الأرقامَ الفرنسية (Un, deux, quatre) أو الإنجليزية (one, two, three)، بحسب لغة المنهاج المعتمد، بينما لا يعرفون الأرقام العربية (١، ٢، ٣) ولا حتى طريقة كتابتها المعتمدة في سوريا، إلى جانب اختلاف تسميات العمليات الحسابية كالجمع والطرح والضرب والقسمة، التي تعلموها بلغات أجنبية.
ويقول جمعة أخرس، وهو عائد من لبنان ووالد لثلاثة طلاب في مراحل دراسية مختلفة، لموقع تلفزيون سوريا، إن السنوات الأولى من الثورة السورية، بين عامي 2012 و2014، شهدت اعتماد مناهج سورية خاصة للطلاب السوريين في لبنان، لكنها أُلغيت لاحقاً لصالح المناهج اللبنانية الرسمية.
ضعف في اللغة العربية وتأثيره على التحصيل
عادت مروة، الطالبة في الصف الثاني الابتدائي، هذا العام مع عائلتها من لبنان إلى سوريا. وتوضح والدتها أن معلمتها الجديدة طالبت بإعادتها إلى الصف الأول بسبب ضعفها الشديد في اللغة العربية والرياضيات، نتيجة لاعتماد المناهج اللبنانية على اللغة الإنجليزية.
وتضيف الأم أن معلمة اللغة الإنجليزية كانت الوحيدة التي أثنت على تفوق مروة في مادتها، ما يعكس الفجوة الكبيرة في مستوى اللغة العربية لدى الأطفال العائدين.
العائدون من أوروبا وصعوبات الفصحى
عاد أحمد حمادي برفقة أسرته من فرنسا العام الماضي، والتحق أبناؤه بمدارس بلدته في ريف إدلب.
يقول أحمد إن أبرز الصعوبات التي واجهت أبناءه كانت اللغة العربية الفصحى، رغم إتقانهم العربية المحكية، إذ كان يتحدث معهم بها في حياتهم اليومية بفرنسا. ويضيف أن التعليم هناك لم يكن متاحاً بالعربية، ما جعل أبناءه يواجهون صعوبة في الكتابة والنطق الصحيح بالفصحى خلال الأشهر الأولى، قبل أن يتحسن مستواهم بسرعة بفضل صغر سنهم وجهود الكادر التعليمي في المدرسة.
ويشير إلى أن الأطفال يملكون قدرة كبيرة على التعلم من خلال اللعب والتفاعل مع أقرانهم، ما ساعدهم على الاندماج بسرعة.
جهود مديريات التربية لدمج العائدين
أكد محمد عبد الرحمن، معاون مدير التربية والتعليم في حلب، في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، أن الطلاب العائدين من الخارج يواجهون مجموعة من التحديات عند التحاقهم بالمدارس السورية، أبرزها صعوبة التكيّف مع البيئة التعليمية الجديدة، والفروق اللغوية والمصطلحية الناتجة عن تلقيهم التعليم بلغات مختلفة، إلى جانب معاناتهم النفسية والاجتماعية بسبب ظروف اللجوء والعودة.
Loading ads...
ولمواجهة هذه التحديات، أطلقت مديرية التربية والتعليم في حلب عدداً من الإجراءات التيسيرية، من بينها تشكيل لجان خاصة لاستقبال الطلاب وتقييم مستواهم الدراسي، والسماح بالتسجيل الفوري حتى في حال نقص الوثائق، ومعادلة الشهادات الصادرة من الخارج، وتنفيذ برامج دعم تربوي لتعويض الفاقد التعليمي، إضافة إلى تقديم الإرشاد النفسي والاجتماعي ومنح المرونة في النقل بين المدارس بما يتناسب مع أعمارهم ومستوياتهم العلمية، بما يضمن عودتهم الآمنة والفاعلة إلى مقاعد الدراسة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


