3 أشهر
"تغني عن محال تجارية".. البسطات في اللاذقية حل مؤقت أم اقتصاد دائم؟
السبت، 31 يناير 2026
تمتلئ الشوارع في محافظة اللاذقية، منذ ساعات الصباح الأولى، بالبسطات والعربات الجوالة، التي تتخذ من الأرصفة قرب المدارس وفي مداخل الأحياء الشعبية، وحتى في الشوارع الرئيسية، مقرا لها، حيث تنتشر الطاولات الخشبية والعربات الحديدية، والبسطات البسيطة، حاملة للمارة الخضر والفاكهة والملابس والأدوات المنزلية، وحتى الوجبات السريعة.
هذه الظاهرة لم تعد استثناءً أو حالة طارئة، بل تحولت إلى جزء من المشهد الاقتصادي اليومي في المدينة، مترجمة حجم الضغوط المعيشية، وكاشفة في الوقت ذاته عجز السوق الرسمية عن استيعاب آلاف الباحثين عن لقمة العيش، ليتشكل على الأرصفة المكتظة، اقتصادٌ موازٍ فرضته الظروف المعيشية، ليغدو واقعا يوميا يطرح أسئلة عميقة حول طبيعته ومستقبله.
دوافع انتشار البسطات والعربات الجوالة
يعتبر ارتفاع معدلات البطالة في البلاد عامة وفي اللاذقية خاصة، إضافة إلى انخفاض الدخل وغلاء تكاليف فتح محل تجاري، من أبرز أسباب التوجه نحو فتح بسطات. فالبسطة لا تحتاج إلى رأس مال كبير، ولا تتطلب إيجارات مرتفعة، كما أنها لا تحتاج إلى تراخيص معقدة، ولا لدفع ضرائب كبيرة.
يقول "أبو أحمد"، صاحب بسطة خضر في حي شعبي في جبلة، إن فتح محل كبير يحتاج إلى عشرات ملايين الليرات. ويضيف أن البسطة هي الحل الوحيد، خاصة في ظل الفقر الشديد الذي يعيشه معظم الناس حاليا وفق قوله.
النزوح الداخلي وفقدان مصادر الرزق
من المعروف أن محافظة اللاذقية استقبلت خلال السنوات الماضية آلاف الأسر القادمة من مناطق أخرى، كثير منها فقد مصادر رزقه السابقة، ومع غياب فرص العمل وازدياد تعداد السكان، غدت البسطات والعربات الجوالة خيارا جيدا وسريعا لتحقيق مكسب يؤمن لقمة العيش.
"أحمد عبد الله"، أحد سكان اللاذقية، وهو من محافظة إدلب، يوضح أنه جاء إلى اللاذقية منذ عام ٢٠١٢، بعد أن خسر منزله وعمله من جراء قصف النظام البائد.
ويقول: "بدأت بعربة جوالة أبيع الخضر والفواكه، ثم فتحت لولدي بسطة صغيرة ليساعدني في مصروف المنزل.. كانت البسطة خيارا وحيدا أمامنا، والحمد لله على كل حال".
سهولة الدخول إلى هذا النوع من العمل
البسطات والعربات، كما هو معروف، لا تتطلب شروطا عمرية أو مهنية، ولا تحتاج لشهادات أو خبرات، لتجعل هذه السهولة من البسطات محط إغراء للرجال والنساء، وحتى لكبار السن، في محاولة لتأمين دخل يومي مهما كان متواضعا.
وهو ما تؤكده السيدة "أم يامن"، التي تبيع المواد الغذائية وبعض المستلزمات والألبسة على بسطة في اللاذقية، حيث أشارت إلى أنها لا تجيد أي عمل ولا تحمل أية شهادات تخولها للعمل خارج إطار عملها الحالي.
يتميز سوق البسطات بشموليته واتساعه ليضم كل أنواع المواد، حيث تنتشر بكثافة في الأحياء الشعبية، وتقدم أسعارا أقل من المحال التجارية، ما يجعلها مقصدا للأسر ذات الدخل المحدود.
وبجولة بسيطة في شوارع المدينة، يلاحظ انتشار بسطات الملابس المستعملة والجديدة والأدوات المنزلية والأحذية وأدوات الطبخ وألعاب الأطفال.
وإضافة إلى ما ذكر، تنتشر بشكل متزايد العربات الجوالة الغذائية، كعربات القهوة والذرة المشوية والفول، والسندويشات السريعة، قرب المدارس والجامعات والشواطئ، خصوصا في فصل الصيف مع بدء الموسم السياحي.
كيف ينظر الناس إلى سوق البسطات؟
يرى الكثير من السكان في مدينة وريف اللاذقية، في هذه البسطات متنفسا اقتصاديا، حيث تتميز بأسعار أقل ومسافة أقرب من الأسواق المركزية، كما تقدم تنوعا كبيرا في الخيارات.
تقول "أم علي"، موظفة من سكان حي الدعتور، إن البسطات خيارها الوحيد، مشيرة إلى أنها لا تضطر للنزول إلى السوق للتبضع، نتيجة انتشار كل المستلزمات بجانب منزلها.
ويخالفها "عبد الله رجب"، سائق تكسي، الرأي، حيث يعتبر البسطات والعربات مصدر فوضى نتيجة لغياب التنظيم. ويؤكد أن انتشار البسطات يسبب ازدحاما مروريا، وتعديا على الأرصفة، كما تشوه المشهد الحضاري وفق تعبيره.
أما "أبو إياد"، صاحب محل تجاري في جبلة، فيعتبر موضوع انتشار البسطات أمرا سلبيا بالنسبة له كصاحب محل تجاري، باعتبارها تتسبب بمنافسة غير عادلة للمحال المرخصة وفق قوله.
ويشير إلى أن الجانب الصحي أيضا غير جيد في البسطات، مبررا قوله بأن المواد تعرض في الشوارع دون مراعاة الشروط الصحية. ويضيف: "تنفذ الجهات المعنية أحيانا حملات إزالة أو مصادرة، لكنها تكون مؤقتة في أغلب الأوقات، حيث تعود البسطات للظهور بعد أيام فقط".
انقسام الآراء حول البسطات في اللاذقية
بعد استطلاع آراء مجموعة من الناس في الشوارع، اتضح وجود انقسام حول هذا النوع من الاقتصاد الموازي، فتيار اعتبر أن البسطات والعربات الجوالة واقع إيجابي، يساعد على تأمين فرص عمل غير رسمية، وتخفيف حدة البطالة، وتوفير سلع بأسعار أقل، إضافة إلى تنشيط حركة البيع اليومية.
أما التيار الآخر، فاعتبر أن انتشار البسطات أمر مليء بالسلبيات، وعلى رأسها غياب الرقابة الصحية والتموينية، وانعدام الحماية القانونية للبائع، علاوة على خسائر المحال النظامية والتهرب الضريبي الذي يضر بشكل أو بآخر بالإيرادات العامة.
هذه الشهادات المأخوذة من قلب الشارع، تعكس صراع البقاء وتأمين لقمة العيش بين طرفين، كلاهما ضحية للظروف الاقتصادية القاسية التي تمر بها البلاد.
سوق البسطات.. حل مؤقت أم اقتصاد دائم؟
السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه هنا: "هل البسطات والعربات الجوالة حالة مؤقتة ستختفي بتحسن الأوضاع؟ أم أنها تحولت إلى اقتصاد دائم فرض نفسه على المدينة؟".
يشير الواقع إلى أن استمرار الأزمة الاقتصادية وغياب بدائل حقيقية، قد يدفع هذا القطاع غير المنظم إلى التوسع أكثر وأكثر، ويجعله يتحول إلى مكون ثابت في المشهد الاقتصادي، ما لم يتم التعامل معه بسياسات واقعية من قبل الجهات المعنية بالأمر.
وكي لا يصبح منظر البسطات جزءا حقيقيا من الشارع، تطالب شريحة واسعة من السكان والمعنيين، بحلول تتأرجح بين التنظيم والاحتواء.
ومن أبرز تلك الحلول تخصيص أماكن منظمة للبسطات كسوق الجمعة مثلا، ومنح تراخيص مؤقتة برسوم رمزية، إضافة إلى فرض رقابة صحية وتموينية.
كما يطالب بعض أصحاب البسطات والعربات بدمج العاملين في الاقتصاد غير الرسمي تدريجيا، ودعم مشاريع صغيرة بديلة تغنيهم عن العمل العشوائي.
لم تعد البسطات والعربات الجوالة في اللاذقية مجرد مشهد عابر، بل أصبحت مرآة لاقتصاد الحاجة الذي صنعته الظروف.
ومن الواضح، أنه رغم انقسام الشارع بين من يراها فوضى يجب إزالتها، ومن يعتبرها شريان حياة هام، فإن تجاهلها لم يعد ممكنا بسبب كثرة العائلات التي تعتمد عليها، كمصدر دخل أو كمصدر تسوق.
Loading ads...
وفي الأيام القادمة، قد تتوسع البسطات بلا ضوابط، وتصبح واقعا دائما يفرض نفسه على المدينة وأهلها، إذا لم تنظم ضمن رؤية اقتصادية واجتماعية عادلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
سنن التدافع وتحولات المشهد الدولي
منذ 8 دقائق
0


