ساعة واحدة
70 عامًا على مهرجانات بعلبك.. كيف صنعت ذاكرة لبنان الموسيقية؟
السبت، 19 سبتمبر 2026

أعمدة معبد جوبيتر في بعلبك خلال مهرجانات عام 2025.. سبعون عامًا ارتبطت فيها الموسيقى بالموقع الأثري
في سبعينيتها، تستعيد مهرجانات بعلبك تاريخًا جمع فيروز والرحابنة وأم كلثوم ونجوم العالم، وصنع من المعابد ذاكرة موسيقية للبنان.
في قاعة "أسمبلي هول" في الجامعة الأميركية في بيروت، تعود مساء اليوم السبت أصوات من السنوات الأولى لمهرجانات بعلبك. فالحفل الختامي لأسبوع سبعينية المهرجان يحمل عنوان "أصداء من التراث الموسيقي لبعلبك 1957–1974"، ويعيد تقديم موسيقى ارتبطت بمرحلة صنعت جانبًا أساسيًا من تاريخ المهرجان.
غير أنّ المناسبة تتجاوز استعادة حفلات قديمة. فمنذ تأسيس مهرجانات بعلبك رسميًا عام 1956، تعاقبت على مسارحها أسماء لبنانية وعربية وعالمية، وتحولت الأعمدة والمعابد إلى جزء من الصورة نفسها التي بقيت للأعمال في ذاكرة الجمهور.
فيروز والرحابنة، وديع الصافي وصباح، أم كلثوم، إيلا فيتزجيرالد ومايلز ديفيس، ثم أسماء من أجيال لاحقة؛ سلسلة طويلة جعلت مهرجانات بعلبك أكثر من موعد صيفي. كانت مساحة تُنتج فيها أعمال جديدة، وتلتقي فيها الموسيقى اللبنانية بعروض جاءت من أنحاء العالم.
يعتمد المهرجان عام 1956 تاريخًا رسميًا لانطلاقه، حين تأسست مهرجانات بعلبك الدولية برعاية الرئيس اللبناني آنذاك كميل شمعون، وأدارتها لجنة من 12 متطوعًا من خلفيات ثقافية مختلفة.
كانت الفكرة منذ البداية مرتبطة بالمكان: تقديم العروض وسط المعابد الرومانية، وجعل بعلبك مركزًا ثقافيًا وسياحيًا يستقطب فنانين من لبنان وخارجه. ويُظهر أرشيف المهرجان وجود عرض يعود إلى عام 1955، لكن التاريخ المؤسسي الذي تُحسب على أساسه السبعينية هو 1956–2026.
وهنا بدأ المكان يؤدي دورًا لا يقل أهمية عن الفنان نفسه. فمعابد بعلبك لم تكن خلفية يمكن استبدالها بمسرح آخر، إذ أصبحت بحدّ ذتها جزءًا من العرض لا غنى عنه.
وبعد عقود، بقيت هذه الصورة ملازمة لاسم المهرجان، حتى إن العودة إلى بعلبك بعد أي انقطاع كانت تُقدَّم بوصفها عودة إلى المكان بقدر ما هي عودة إلى الحفلات.
منذ السنوات الأولى، لم تقتصر الفكرة على استضافة عروض أجنبية. أطلق المهرجان مشروعًا أصبح معروفًا باسم "الليالي اللبنانية"، وجمع فنانين وملحنين وكتابًا وراقصين لبنانيين في إنتاجات صُممت خصيصًا للمسرح الكبير.
في عام 1957، بدأت هذه التجربة تجمع أسماء مثل الأخوين رحباني وفيروز وزكي ناصيف وتوفيق الباشا ووديع الصافي، ثم توسعت خلال السنوات التالية بمشاركة صباح وفيلمون وهبي ونصري شمس الدين وروميو لحود وغيرهم.
فيروز خلال بروفة "صح النوم" في بعلبك عام 2006 قبل إلغاء دورة ذلك العام بسبب الحرب - غيتي
وأصبحت فيروز واحدة من أبرز الأصوات المرتبطة بليالي بعلبك، فيما منحت أعمال الرحابنة والفنانين المشاركين المسرح اللبناني صيغة تجمع الغناء والتمثيل والدبكة والموسيقى والفولكلور في عرض واحد.
لم يكن الأمر مجرد نقل للتراث الشعبي إلى المسرح، فقد أعيدت صياغته ليناسب إنتاجات ضخمة، وظهرت على الخشبة صورة للقرية والجبل والدبكة والأزياء والموسيقى المحلية ضمن قالب مسرحي حديث.
وتحتفظ الجامعة الأميركية بصور من الستينيات لفيروز والراقصين والدبكة اللبنانية في مهرجانات بعلبك، وتقرأ تلك التجربة بوصفها جزءًا من تكوين صورة ثقافية حديثة للبنان في تلك المرحلة.
بالتوازي مع "الليالي اللبنانية"، كانت بعلبك تستضيف موسيقى ومسرحًا وباليه من مدارس مختلفة.
غنت أم كلثوم في المهرجان في دورات عدة، بينها 1966 و1968 و1970. وفي عام 1971 وصلت إيلا فيتزجيرالد، ثم استضافت بعلبك مهرجانًا دوليًا للجاز عام 1972، قبل أن يصعد مايلز ديفيس إلى مسرحها عام 1973. وفي 1974 حضر تشارلز مينغوس وجوان بايز.
هكذا كان الجمهور يشاهد في المكان نفسه مسرحًا رحبانيًا، وأم كلثوم، وأوركسترات سيمفونية، وباليه، وجازًا أميركيًا.
المغنية الأميركية جوان بايز على مسرح مهرجانات بعلبك عام 1974، في واحدة من السنوات التي جمعت أسماء لبنانية وعالمية - غيتي
استمرت هذه الصيغة بعد عودة المهرجان لاحقًا. ففي السنوات التالية مرّت من بعلبك أسماء مثل نينا سيمون وهيربي هانكوك وتشارلز أزنافور وستينغ وباكو دي لوسيا، وفي الوقت نفسه ظل الفنانون اللبنانيون جزءًا أساسيًا من البرنامج.
وقد أعطت هذه المجاورة بين المحلي والعالمي المهرجان إحدى سماته الأساسية، بمعنى أنّ ما يُنتج في لبنان يظهر على المسرح نفسه الذي يستقبل أسماء من المشهد الموسيقي الدولي.
عام 1975، توقفت المهرجانات مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية. استمر الانقطاع 22 عامًا، من 1975 حتى 1996، قبل استئناف العروض في 1997 بحضور أوركسترا راديو فرنسا الفيلهارمونية وفرقة كركلا.
أوركسترا راديو فرنسا الفيلهارمونية على أدراج معبد باخوس عام 1997 مع استئناف مهرجانات بعلبك بعد 22 عامًا من التوقف - غيتي/ أ ف
لكن العودة لم تعنِ نهاية الانقطاعات.
ففي 2006 ألغيت الدورة بسبب الحرب الإسرائيلية على لبنان، بعدما كانت فيروز تستعد للعودة إلى بعلبك بمسرحية "صح النوم". وفي 2013 و2014 نُقلت عروض إلى بيروت بفعل التوتر الأمني المرتبط بالحرب في سوريا.
خلال جائحة كورونا، تغير الشكل مجددًا. قدّم المهرجان عام 2020 حفل "صوت الصمود" بالبث المباشر من بعلبك، واستمرت تجربة البث في 2021، قبل عودة الجمهور لاحقًا إلى المعابد.
وفي 2024، دفعت الأوضاع الأمنية المهرجان إلى تقديم حدث بديل في بيروت، ثم عادت الحفلات إلى بعلبك في 2025 مع "أوبرا كارمن" وعرض "حقبات" لهبة طوجي وأسامة الرحباني.
أما دورة صيف 2026، فأعلنت إدارة المهرجان تأجيلها بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية. لذلك تأتي السبعينية هذا العام في مفارقة لافتة: تاريخ سبعين عامًا يُحتفى به، بينما تبقى خشبة بعلبك الصيفية في انتظار موعد جديد.
تستعيد الجامعة الأميركية هذه السبعين عامًا حاليًا في معرض بعنوان "بعلبك: سبعون عامًا من الضوء والموسيقى والتراث"، مستندًا إلى مواد من أرشيف الجامعة وأرشيف مهرجانات بعلبك.
هنا تظهر المرحلة الثانية من حياة المهرجان.
فالعرض الذي ينتهي ليلًا قد يبقى بعد ذلك في صورة أو تسجيل أو برنامج أو ملصق، وقد تعود موسيقاه بعد عقود أمام جمهور لم يكن قد وُلد حين قُدّمت للمرة الأولى.
لهذا ارتبطت بعلبك بذاكرة موسيقية تتجاوز تاريخ الحفلات نفسها. بعض الأعمال وُلد على مسارحها، وأخرى اكتسبت من العرض فيها صورة بقيت جزءًا من تاريخها، بينما أصبحت المعابد عنصرًا حاضرًا في الطريقة التي يتذكر بها اللبنانيون مراحل كاملة من فنهم.
سبعون عامًا فصلت بين أولى دورات المهرجان والحفل الذي يقام الليلة في بيروت.
تغير الفنانون، وتوقفت العروض وعادت أكثر من مرة، لكن الصورة بقيت واحدة تقريبًا: موسيقى تصعد بين حجارة بعلبك، ثم تواصل حياتها بعد أن تُطفأ أضواء المسرح.
حفلة رحبانية.. "حقبات" يستعيد أزمنة مرت على بعلبك في ختام مهرجاناتها
تحت شعار "أعمدة الخلود".. مهرجانات بعلبك تعود مع "أوبرا كارمن"
مهرجانات بعلبك تغيب هذا العام.. والبديل حدث موسيقي مزدوج
فيروز في عيدها الـ91.. محطات لامعة في مسيرة نهاد حداد
Loading ads...
ملاحظة بصرية: أختار بلا تردد صورة Getty #2226198999 للرئيسية؛ هي أفضل من صورة حفلة هبة طوجي التي استخدمناها في المادة السابقة، وتمنح المادة هوية تاريخية أوسع بدل أن تبدو كأنها متابعة لدورة 2025.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





