بدون هويّة لا توجدُ الأمم ولا تتمايزُ من بعضها، ولأنّ الدولة هي الوعاء الذي يُمكن أن تُصنع فيه الأمّة، ولأنّه لصناعة الأمّة لا بدّ من سرديات تُنشئ هويّتها وتبنيها، فقد كان المخاض السوري عسيراً، والولادة غير مكتملة، نظراً لحالة التمزّق بين الانتماء القديم ونوازع الانتماء الجديد الذي بدأ بالتخلّق، لكنّه لم يكتمل لظروف كثيرة تمتد جذورها في العقود والقرون السالفة.
في تلك الفترة - أواخر القرن الثامن عشر - كانت الإمبراطوريّة العثمانيّة تسير على درب صناعة الأمّة على أساس المواطنة بعد تأثرها بالتطوّر الذي شهدته أوروبا في هذا المجال، وقد كانت القوانين التي أصدرها السلاطين العثمانيون تحاول تثبيت هذا التوجّه قانونياً. كانت السلطة العثمانية تنتقل من نظام التيمار (القائم على إقطاع الأراضي للقادة العسكريين، والذي أنتج بدوره نظام الفرسان السباهية) إلى نظام الالتزام (القائم على تعهّد جباية الضرائب). أدّى هذا إلى زعزعة أسس النظام القديم، وسبّب نوعاً من الفوضى التي ترافقت بتغيّر موازين القوى المجتمعية تبعاً لتغيّر خارطة القوى الاقتصادية. وقد أدّى هذا فيما بعد إلى تغيير السياسات الضريبية لتعويض النقص الحادّ في خزينة السلطنة، ممّا أفقر المجتمعات المحليّة.
أدّى ازدياد نفوذ القنصليات الأجنبية إلى تغيّرٍ ظاهرٍ في مكانة المسيحيين في المدن الكبرى من بلاد الشام، وعندما احتلّ المصريون تلك المنطقة عام 1831 بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي الكبير، أدخلوا كثيراً من الإصلاحات، مثل فتح المدارس الحديثة في دمشق وفرض الأمن ضد تعديات القبائل.
كانت السلطنة آنذاك تفقد شيئاً فشيئاً هيبتها وسلطتها المركزية لأسباب كثيرة، لعلّ أهمها خساراتها المتكررة في الحروب مع المصريين من جهة، ومع الروس والأوروبيين من جهة ثانية، وكان من شأن ذلك زيادة تدخّل هؤلاء في شؤون السلطنة، وظهر ذلك من خلال الامتيازات التجارية والإعفاءات الضريبية التي فرضتها هذه الدول على السلطنة. وتمّ افتتاح القنصليات الأجنبيّة في مدن بلاد الشام الكبرى مثل بيروت ودمشق وحلب، وكان لا بدّ من مترجمين ووسطاء بين القناصل وموظفي القنصليات وبين السلطات العثمانية والمجتمعات الأهلية المحلية. لعب أفراد الأقليات الدينية من يهود ومسيحيين دوراً هاماً في هذا المجال، فقد كانوا أكثر انخراطاً من أفراد الأكثرية الإسلامية بهذا الشأن، بحكم نظام المليّة السابق الذي منعهم من الاشتغال ببعض المجالات بعد أن حصرها بالمسلمين.
أدّى ازدياد نفوذ القنصليات الأجنبية إلى تغيّرٍ ظاهرٍ في مكانة المسيحيين في المدن الكبرى من بلاد الشام، وعندما احتلّ المصريون تلك المنطقة عام 1831 بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي الكبير، أدخلوا كثيراً من الإصلاحات، مثل فتح المدارس الحديثة في دمشق وفرض الأمن ضد تعديات القبائل. أقام إبراهيم باشا مجالس مدنيّة وعسكريّة ومجلس شورى يلتقي فيه أعضاءٌ من جميع الطوائف، بما في ذلك الذميون. جميع هذه التطورات، إضافة إلى كثير غيرها، سببت مع التراكم شكلاً من أشكال التوتر الطائفي في بلاد الشام، وتم الخلط بين العوامل الاقتصادية وتمظهراتها الاجتماعية، فبدأت الأحقاد والضغائن تتحوّل إلى احتجاجات وتمرّدات، وكان من السهل جداً تحويلها إلى عناوين تتعلق بالطوائف والمذاهب.
لم يكن المجتمع الشرقي مقسّماً على الدوام إلى طوائف تتبع الدين أو المذهب، بل كانت التقسيمات الاجتماعية في ظل المماليك ومن بعدهم العثمانيين، بالأخص، تستند في المدن الكبرى والحواضر الريفية إلى عسكريين وأعيان وتيماريين وملتزمين بجباية الضرائب وملّاك أراضٍ من مختلف الطوائف من جهة، وإلى فلاحين وأصحاب حرف من جهة ثانية. وصحيح أنّ أغلب أعضاء الفئة الأولى كانوا من المسلمين، إلا أنّه لم يعدم المجتمع العربي في ظل السلطنة العثمانية وجود وجهاء وأعيان وتيماريين وملتزمين من المسيحيين وباقي الجماعات الإسلامية من غير الأكثرية السنية، مثل الدروز والعلويين والإسماعيليين والشيعة الإثني عشرية. يذكر أسامة المقدسي في كتابه (ثقافة الطائفية) أنّه قبل القرن التاسع عشر لم يعرّف المنتمون للنخبة المحلية أنفسهم قبليّاً أو وطنيّاً، بل بوصفهم وجهاء في مقابل العامّة، وعُقلاء عارفين في مقابل جهلاء عاميين.
يدلّنا ذلك كلّه على أنّ العوامل الاقتصادية تلعب دوراً فاعلاً في الاصطفافات الاجتماعية، وأنّه من السهل تحويل الصراعات الطبقية إلى صراعات دينية أو طائفية أو مذهبية عندما يكون ذلك من مصلحة أصحاب الثروة والأعيان، أو حتى من مصلحة السلطات السياسية التي تدير البلاد بواسطة العنف المنظّم، أي بواسطة العسكر. هذا كان حال المجتمعات العربية في بلاد الشام عند وقوع مذابح عام 1860، التي ابتدأت، بالمناسبة، كانتفاضة عاميّة مسيحية ضد الإقطاع المسيحي المتمثل بآل الخازن وآل حبيش في كسروان، لكنّها انتهت بمجازر حقيقية ضدّ المسيحيين في دمشق وحلب. لا يمكن فهم هذه المجازر من دون قراءة مشهد الصراع على السلطة والثروة ضمن إطار القوى المحلية ذاتها، وضمن تحالفاتها مع السلطات المركزية التي تعاقبت بين العثمانيين والمصريين خلال فترة احتلالهم بلاد الشام. فبعد انسحاب الجيش المصري مثلاً، كان لدى الولاة العثمانيين القادمين من العاصمة إسطنبول رغبة بالانتقام من المسيحيين بسبب امتيازاتهم التي حصّلوها آنذاك، وكان الدروز ناقمين عليهم أيضاً بسبب خدمة المسيحيين في الجيش المصري، وبسبب مشاركتهم في قمع ثورات حوران ودمشق، وبسبب استفادتهم من مصادرة أملاك أعيان الدروز الذين عارضوا الحكم المصري.
بينما يبقى المسلم السني جزءاً من العثماني التركي رغم التخالف القومي من جهة، ورغم أنّ الجميع كانوا مسؤولين بدرجة أو بأخرى عن صنع مصائرهم.
Loading ads...
يشير هذا إلى مدى التشابك الهائل في خيوط المصادر والمصالح والصراعات التي صنعت الذاكرة الجمعية لسكان البلاد من جميع الأديان والطوائف، وأنّ ما يرسخ في الذهن ليس التفاصيل المؤدّية إلى النتائج، ولا السياق الذي مرّت به الأحداث في أثناء سيرورتها، بل هو النتائج الدموية ذاتها مع خلل في التأويل والتفسير يتنامى مع تقادم الزمن. تصبح الذاكرة الجمعيّة أكثر التصاقاً بالألم والخوف والشعور بالنبذ والنفور من الجار القريب لأسباب لا يعرفها الأطراف، لكنها حاضرة تماماً في الوجدان. هنا يفصل حدّ السكين الأيديولوجي بين المجتمعات الأهليّة، فاعلاً فعله وكأنّه نصلٌ حقيقي يفصل أجزاء جسد الذبيحة في محلّ القصّاب. وفي ظلّ غياب المراجعات الحقيقية لهذا التاريخ، وفي ظلّ انغلاق الاستبداد السياسي حفاظاً على السلطة ضمن فضاءات ضيّقة، تغدو الجراح أكثر عمقاً وأشدّ تعفّناً، لكنّ رائحتها لا تزكم الأنوف إلّا إذا أُتيح لها المجال للتفلّت من رقابة العنف المقنّن، ولمهزلة التاريخ أنّ ما يحررها هو العنفُ أيضاً، فتأتي المظالم على شكل عنفٍ مضادٍّ يختزل التاريخ بمشهد دموي ويعيد بناءه وتكراره في دوّامة لا يبدو لها نهاية قريبة. تغيب عن الذاكرة الجمعية تمايزات السلطة والثروة والمصالح المتضادة والمرجعيات المتنافرة، وتبقى وصمة العار والعنف؛ العار الذي يُجلّل الأقليات باعتقاد الاستعانة بالأجنبي، والعنف الذي يغمر الأكثرية باعتقاد التماهي مع الاستبداد الحاكم. يصبح المسيحي والدرزي هنا مرتبطين بالمستعمر الروسي أو الفرنسي أو البريطاني رغم أنّ ما كان بينهم مجرّد تحالف مصالح لا أكثر، بينما يبقى المسلم السني جزءاً من العثماني التركي رغم التخالف القومي من جهة، ورغم أنّ الجميع كانوا مسؤولين بدرجة أو بأخرى عن صنع مصائرهم. تذهب التفاصيل الدقيقة مع ركود غبار المعارك، في حين تعبق الذاكرة بالخلاصات والتعميمات التي لا تكون منصفة على الدوام. إنها لعنة التاريخ إذ يُقرأ بالتحيّز العقائدي لا بالحيادية المنهجية العلمية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

