ساعة واحدة
الصين تعفي 53 دولة إفريقية من الجمارك.. "فرص واعدة وعقبات حقيقية"
الجمعة، 1 مايو 2026

تتجه الصين إلى توسيع نفوذها الاقتصادي في إفريقيا عبر منح إعفاءات جمركية شاملة لواردات الدول المرتبطة بها دبلوماسياً، اعتباراً من مطلع مايو، في خطوة تعكس توجهاً لتعزيز حضورها في القارة.
ويمتد هذا الإعفاء ليشمل 53 دولة إفريقية، إذ يُوسّع ترتيباً أُبرم في ديسمبر 2024 كان يقتصر على 33 دولة من أقل الدول نمواً، ليضم 20 دولة إضافية من بينها جنوب إفريقيا، ونيجيريا، ومصر.
وتبقى إسواتيني الدولة الإفريقية الوحيدة المستثناة من الإعلان، لعدم اعترافها بمبدأ "الصين الواحدة". وفي خلفية هذه السياسة التجارية، يبرز حساب استراتيجي واضح، إذ تسعى الصين إلى ترسيخ موقعها كشريك اقتصادي لا غنى عنه للدول الإفريقية عبر تعميق المشاركة الاقتصادي، بدلاً من الاعتماد على توظيف القوة العسكرية.
وجاء إعلان قرار التنفيذ في رسالة التهنئة التي وجّهها الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي في فبراير الماضي، في حين يحمل هذا التوقيت ثقلاً دبلوماسياً كبيراً.
ويوافق عام 2026 الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين وإفريقيا، وهي مناسبة استغلتها بكين لتعزيز رؤيتها تحت شعار "بناء مجتمع صيني-إفريقي في كل الأحوال ذي مستقبل مشترك في العصر الجديد"، وهو توصيف لطبيعة العلاقة مع القارة، يهدف إلى التأكيد أن الشراكة لا تتأثر بالأزمات.
وقال دو شياوهوي، المدير العام لإدارة الشؤون الإفريقية في وزارة الخارجية الصينية، لـ"الشرق"، إن هذه الخطوات تمثل "التزاماً سياسياً، وليس مجرد إجراء اقتصادي" لتعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وإفريقيا، مضيفاً: "هذه بادرة ملموسة لاحترام سيادة إفريقيا ودعم التنمية المستقلة، دون شروط سياسية".
وأشار ليو قويتشين، أول ممثل خاص للحكومة الصينية للشؤون الإفريقية، في حديثه مع "الشرق"، إلى أن هذه "السياسة تعكس تطوراً أوسع في نهج بكين"، لافتاً إلى أنها تتماشى مع تركيز مبادرة "الحزام والطريق" على التحول من "مشروعات البنية التحتية واسعة النطاق" إلى مشروعات "صغيرة لكنها ذات أثر ملموس" تركز بشكل أكبر على سبل المعيشة والتجارة.
وتقف هذه السياسة الصينية في مقابل النهج الغربي، الذي غالباً ما يجمع بين المساعدات التنموية والشراكات الأمنية والوجود العسكري. فالولايات المتحدة تدير معسكر "ليمونييه" في جيبوتي، وهو قاعدتها العسكرية الدائمة الوحيدة في إفريقيا، فيما تحتفظ فرنسا بمنشآت في مستعمراتها السابقة، كما أن بريطانيا، وإيطاليا، واليابان أقامت مواقع أمنية بدرجات حضور مختلفة.
وتدير الصين قاعدة دعم في جيبوتي، وهي أول منشأة عسكرية خارجية لها، غير أنها تصفها بأنها "لوجستية"، وتؤكد استخدامها في مكافحة القرصنة، وعمليات حفظ السلام، والمساعدات الإنسانية.
وتحتضن جيبوتي حالياً منشآت عسكرية لعدد من الدول يفوق ما تضمّه أي منطقة أخرى تقريباً، في ظل استثمار الرئيس إسماعيل عمر جيله موقع بلاده الاستراتيجي، لانتزاع مكاسب اقتصادية من القوى المتنافسة.
وبالنسبة للصين، تمثل قاعدة جيبوتي حالة استثنائية ضمن نهج يركّز على التكامل الاقتصادي بدلاً من توسيع الانتشار العسكري.
وقال يي هايلين، عميد معهد "الصين-إفريقيا" لـ"الشرق"، إن "نموذج انخراط الصين يختلف جذرياً عن العلاقات التقليدية بين المانحين والمتلقين"، مؤكداً أن "على الصين وإفريقيا أن تقفا صفاً واحداً في مواجهة أحادية القطبية والحمائية، وأن تتمسكا بالاقتصاد العالمي المفتوح، ومنظومة التجارة متعددة الأطراف".
ورأى أن "التعاون بين أكبر دولة نامية في العالم، والقارة التي تضم أكبر تركّز للدول النامية يتجاوز حدود التنمية الاقتصادية".
ويتردد صدى هذا التناقض مع الهفوات الدبلوماسية الغربية في أرجاء إفريقيا، ففي التاسع عشر من سبتمبر 2022، حضر الرئيس الكيني وليام روتو مع رؤساء من الدول الإفريقية مراسم الحداد على الملكة البريطانية إليزابيث الثانية التي وافتها المنية عن عمر 96 عاماً، ثم شكا لاحقاً قائلاً: "ليس من الذكاء أن يذهب 54 منا ليجلسوا أمام رجل واحد من مكان آخر، وأحياناً تتم معاملتنا بشكل سيئ، حيث نُحشر في حافلات كأطفال المدارس".
وفي تلك المناسبة، نُقل الزعماء الأفارقة بالحافلات بينما أُقل رؤساء الدول الغربية بسيارات خاصة. وتُقدم بكين نفسها على نحو مغاير، شريكاً لا وصياً، وعضواً في الجنوب العالمي- الدول النامية- لا قوة استعمارية سابقة.
وتدخل هذه السياسة حيّز التنفيذ في ظل أرقام تجارية قياسية، إذ أظهرت بيانات الجمارك الصينية أن حجم التجارة بين الصين وإفريقيا بلغ 348 مليار دولار في عام 2025، بزيادة سنوية قدرها 17.7%، مسجلاً مستوى قياسياً. مع احتفاظ بكين بمكانتها كأكبر شريك تجاري للقارة للعام السادس عشر على التوالي.
ورغم ذلك، لا تزال اختلالات الميزان التجاري قائمة، حيث بلغت صادرات الصين إلى إفريقيا 225 مليار دولار، بزيادة 25.8%، مقابل واردات بقيمة 123 مليار دولار، بزيادة 5.4%، ما أسفر عن فائض لصالح الدولة الآسيوية قدره 102 مليار دولار، وهو ما شكّل مصدر توتر.
وتمتد التحديات الهيكلية إلى أعماق من ذلك، إذ تُظهر بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) أن معظم الدول الإفريقية تعتمد على تصدير المواد الخام، ما يجعلها رهينة لتقلبات الأسعار ويحد من فرص تطوير القطاع الصناعي، مقارنة بدول شرق آسيا، مثل الصين، التي تستورد المواد الخام لمعالجتها أو إعادة تصنيعها ثم تصديرها.
ولا يزال قطاع التصنيع الإفريقي متأخراً عن ركب التنمية، إذ لا تتجاوز القيمة المضافة للتصنيع نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي لإفريقيا، دون المتوسط العالمي البالغ 15%، فيما تعتمد 83% من الدول الإفريقية على صادرات السلع الأساسية، وتضم القارة 45% من الدول المعتمدة على السلع الأساسية على مستوى العالم.
وتشمل الدول العشرون الجديدة المشمولة بالسياسة الصينية الجديدة المتعلقة بالتعرفة الجمركية، جنوب إفريقيا، ونيجيريا، ومصر، والجزائر، والمغرب، وكينيا.
وسجّلت جنوب إفريقيا، أكبر شريك تجاري للصين في القارة، تبادلاً تجارياً بلغ 53.58 مليار دولار في عام 2025، فيما بلغت صادراتها من الحمضيات إلى الصين 130 مليون دولار في 2024، لتتصدر قائمة مورّدي الحمضيات إلى السوق الصينية.
ومنذ دخول سياسة الإعفاء الجمركي لأقل الدول نمواً حيز التنفيذ في ديسمبر 2024، جاءت النتائج الأولية واعدة، إذ أظهرت بيانات وزارة التجارة الصينية أن الواردات من الدول الإفريقية الأقل نمواً ارتفعت 15.2% على أساس سنوي حتى مارس 2025، لتبلغ 21.42 مليار دولار.
وتشمل هذه السياسة المنتجات المصنعة والسلع ذات القيمة المضافة، في محاولة لمعالجة شكاوى إفريقية قديمة بشأن اقتصار دورها على تصدير المواد الخام، إذ تأمل بكين أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز التصنيع المحلي، ورفع قيمة الصادرات.
وشدد جوزيف أوبيله ماتولا، الخبير الاقتصادي في معهد الشؤون الدولية الجنوب إفريقي، في حديثه مع "الشرق"، على أهمية هذه السياسة، قائلاً إن "التعاون بين الصين وإفريقيا أكثر أهمية الآن من أي وقت مضى"، وإنه "في ظل تردد شركاء تقليديين مثل الولايات المتحدة في تقديم مزايا تجارية تفضيلية طويلة الأمد، فإن استقرار هذه العلاقة يُعد أمراً أساسياً".
كما دعا الدول الإفريقية إلى "الاستفادة من الخبرة الصينية في توفير مدخلات صناعية منخفضة التكلفة، لا سيما في قطاع الطاقة المتجددة"، لافتاً إلى الدور الذي لعبته التكنولوجيا الشمسية الصينية في خفض التكاليف.
وتستلزم هذه الفرصة تنسيقاً كبيراً بين الحكومات والقطاع الخاص، إذ ستُحدد الاستثمارات في الطاقة الإنتاجية والدعم المستهدف للقطاعات ذات الأولوية والانسجام مع أطر كمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية مآلات هذه السياسة. كما يمكن للتكامل الإقليمي أن يُسهم في توحيد العرض والأنظمة وتعزيز القدرة التنافسية، مما يُمكّن المنتجين الأفارقة من تلبية الطلب على نطاق واسع بفاعلية أكبر.
ورأى جوناس أتنجدي، المحلل الاقتصادي الغاني ومدير الشؤون الاقتصادية في معهد كوامي نكروما الأيديولوجي، فرصاً واعدة لصناعة الكاكاو في بلاده، لكنه حذّر من "الاسترخاء والاتكالية". وتُنتج غانا نحو 20% من إنتاج الكاكاو العالمي، وتُشكّل مع ساحل العاج المجاورة 60% من الإنتاج العالمي.
وذكر أتنجدي لـ"الشرق" أنه "مع توجه غانا نحو تصنيع حبوب الكاكاو وتصديرها، سيكون إنتاج الشوكولاتة للسوق الصينية نقطة تحول"، مشيراً إلى أن "الشركات الإفريقية ستجد نفسها في منافسة مع الأميركيين، والصينيين، والأوروبيين، وأميركا اللاتينية، وسائر الدول الآسيوية".
لذلك، شدد على "ضرورة أن تضع الحكومات سياسات لزيادة قدرات قطاعات الأعمال لدينا، خاصة المُصدرين، على المنافسة"، موضحاً أن "ذلك يشمل تحسين الوصول إلى التمويل، وتقديم إعفاءات ضريبية للصناعات الموجهة للتصدير، وتطوير البنية التحتية".
ولفت أتنجدي إلى أن "إفريقيا تمتلك الآن ركيزتين حاسمتين: اتفاقية التجارة الحرة القارية وسياسة الإعفاء الجمركي، لدفع عجلة اقتصاداتها".
ورأى كلفن تشيسانجا، الخبير الاقتصادي الزامبي، أن "الاستثمار الاستراتيجي في التصنيع الزراعي وبنية التصدير والامتثال للمعايير سيكون أمراً بالغ الأهمية"، وقال لـ"الشرق": "تُتيح سياسة الإعفاء الجمركي لزامبيا وسائر الدول الإفريقية بوابةً في وقت مناسب لتسريع النمو القائم على الصادرات"، محذراً من أن "الوصول التفضيلي لا يتحول تلقائياً إلى ميزة تنافسية".
وحث فريدريك موتيسا، الأمين العام لجمعية الصداقة الزامبية-الصينية، الحكومات الإفريقية على "دراسة متطلبات الدخول إلى السوق الصينية"، مشيراً إلى "إمكانية بناء القدرات عبر ترتيبات التعاون القائمة مع الحكومة الصينية".
ولا تزال الحواجز غير الجمركية عقبةً جوهرية؛ إذ تُشكل المعايير التنظيمية الصينية من متطلبات الصحة النباتية، ومعايير الاختبار الدقيقة، ولوائح التغليف الصارمة، عقبات حقيقية. وتُجسد تجربة جنوب إفريقيا نموذجاً للحلول الممكنة، إذ أسفر اتفاق أبريل الماضي عن تخفيف اشتراطات المعالجة بالتبريد لصادرات الحمضيات مما خفض من تكاليف الامتثال.
وتُفاقم الفجوات في البنية التحتية هذه التحديات؛ فشحن البضائع من نيروبي إلى شنجهاي بالصين يكلف في الغالب أقل من نقلها بالشاحنات من مناطق كينيا الداخلية إلى ميناء مومباسا، فيما تُضعف الفوضى في عمليات الموانئ وارتفاع أجور الشحن وضعف قدرات سلاسل التبريد القدرة التنافسية في التسعير.
وأشار مارفيلوس نجوندو، الباحث في معهد دراسات الأمن في بريتوريا بجنوب إفريقيا، إلى أن "سياسة الإعفاء الجمركي وحدها لا تكفي لمعالجة التحديات الهيكلية لإفريقيا"، وأضاف لـ"الشرق" أن "الاختلال التجاري الإفريقي مع الصين يطرح تساؤلات جوهرية حول قواعد التجارة العالمية".
واستدرك: "لضمان المنافسة العادلة، يجب على الحكومات الإفريقية إدارة الانفتاح بما يُنمّي المشاريع المحلية ويُعزز التكامل الإقليمي ويرفع مكانة القارة في سلاسل القيمة العالمية".
وفي المحصلة، سيعتمد نجاح هذه السياسة على قدرتها في تحويل التكامل الاقتصادي إلى نفوذ سياسي مستدام، ومدى قدرة نهج الصين القائم على القوة الناعمة على الصمود مقارنة بالنماذج الغربية المعتمدة على الحضور العسكري.
Loading ads...
وفي المرحلة الراهنة، تُمثل سياسة الإعفاء الجمركي رهاناً كبيراً على صحة هذه المقاربة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

خمسة شعراء روس عانوا من حياة مأساوية
منذ 19 دقائق
0



