ساعة واحدة
انتفاضة الفلامينغو في ألبانيا.. قشة كوشنر التي قصمت ظهر البعير
الخميس، 29 أكتوبر 2026
تشهد ألبانيا واحدة من أكبر موجات الاحتجاجات الشعبية في تاريخها، والأوسع منذ وصول رئيس الوزراء "إيدي راما" إلى السلطة عام 2013. وما بدأ احتجاجا بيئيا على مشروع سياحي فاخر مثير للجدل، يرتبط بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، سرعان ما اتسع ليتحول إلى حراك أوسع يندد بالفساد وتردي التعليم ومحدودية فرص العمل.
وتتصدر المطالبة باستقالة راما شعارات المحتجين، في حين يرفض رئيس الوزراء التنحي، متهما "أيادي خارجية" بالمشاركة في الاحتجاجات واستغلالها. لكن الحراك يتجاوز في دلالاته مصير راما السياسي، ليفتح الباب أمام تساؤلات أعمق بشأن طبيعة النظام الألباني في مرحلة ما بعد الشيوعية، ونفوذ الأوليغارشية في الاقتصاد، وآفاق انضمام البلاد إلى الاتحاد الأوروبي.
في أواخر عام 1944، أحكم الشيوعيون سيطرتهم على ألبانيا، قبل أن يرسخ أنور خوجة حكما سلطويا قمعيا، حول البلاد إلى واحدة من أكثر دول أوروبا انعزالا، حتى لقبَت بـ"كوريا الشمالية الأوروبية". وبلغ الأمر ذروته عام 1967، حين أعلن خوجة ألبانيا أول دولة ملحدة في العالم، وشن حربا على الأديان، فحظر الممارسات الدينية، وأغلق المساجد والكنائس، بل ودمر بعضها، وحول عددا منها إلى منشآت مدنية، حتى باتت ممارسة الشعائر الدينية سرا سببا للاعتقال.
ولم تقتصر عزلة خوجة على قطع صلات الألبان بالعالم الخارجي، بل امتدت إلى حلفاء بلاده السابقين. فقد أدت خلافاته مع الزعيم اليوغوسلافي جوزيف تيتو إلى القطيعة بين البلدين عام 1948، ثم قطع علاقاته مع الاتحاد السوفياتي عام 1961، احتجاجا على مراجعة نيكيتا خروشوف إرث ستالين وسياساته، ثم انسحب من حلف وارسو عام 1986. وفي عام 1978، قطعت ألبانيا علاقاتها مع الصين، بعد خلافات بشأن توجهاتها السياسية وانفتاحها على الولايات المتحدة.
"قضى خوجة رئاسته الطويلة في الاستعداد لحرب لم تأت أبدا"
عاش خوجة أسير مخاوف أمنية من حلف "الناتو" من جهة، وحلف "وارسو" من جهة أخرى. ودفعه هاجس التعرض لهجوم خارجي إلى إطلاق مشروع واسع للتحصينات العسكرية، أُنشئ في إطاره أكثر من 170 ألف ملجأ وتحصين خرساني توزعت بين الجبال والقرى والشواطئ، استعدادا لحرب لم تقع. وقد تركت هذه التحصينات أثرا بارزا في المشهد الألباني. وتوفي خوجة عام 1985، بعد أربعة عقود من الحكم، وخلفه رامز عليا، الذي واصل قيادة البلاد مستندا إلى أجهزة الأمن، وفي مقدمتها جهاز "سيغوريمي" سيئ السمعة.
ولم تستثن التحولات التي اجتاحت أوروبا الشرقية أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات ألبانيا. فبعد سقوط جدار برلين عام 1989 وانهيار الأنظمة الشيوعية في دول المنطقة، وجد رامز عليا نفسه مضطرا إلى تقديم تنازلات وإقرار إصلاحات تدريجية، في محاولة لاحتواء أزمة اقتصادية متفاقمة واحتقان شعبي متصاعد. وشهدت عدة مدن ألبانية احتجاجات مبكرة خلال عام 1990، لكن التحول السياسي دخل مرحلة حاسمة في ديسمبر/كانون الأول، حين خرج طلاب جامعة تيرانا إلى الشوارع مطالبين بالحريات السياسية وتحسين الأوضاع المعيشية. وسرعان ما اتسعت الاحتجاجات، وانضمت إليها فئات أخرى من المجتمع، ليتصاعد الضغط الشعبي من أجل إنهاء احتكار الحزب الشيوعي للسلطة وإقرار التعددية السياسية.
وتحت ضغط الشارع، اضطر عليا في 11 ديسمبر/كانون الأول إلى القبول بالتعددية الحزبية، في تنازل تاريخي أنهى احتكار الشيوعيين الحياة السياسية قانونيا. وفي اليوم التالي، تأسس الحزب الديمقراطي الألباني، أول أحزاب المعارضة في البلاد منذ نحو أربعة عقود ونصف، بمشاركة طلاب ومثقفين، من أبرزهم صالح بريشا وعازم حيدري. وفي 20 فبراير/شباط 1991، احتشد آلاف المتظاهرين في ميدان "إسكندر بك" وسط تيرانا، وأسقطوا التمثال البرونزي الضخم لأنور خوجة، في مشهد جسَّد بداية حقبة جديدة.
" إسقاط تمثال خوجة لم يعنِ نهاية الحكم الشيوعي"
لكن إسقاط تمثال خوجة لم يعنِ نهاية الحكم الشيوعي. ففي أول انتخابات تعددية شهدتها البلاد في 31 مارس/آذار 1991، تمكن حزب العمل الحاكم من الاحتفاظ بالسلطة، إلا أن استمرار الأزمة الاقتصادية الخانقة والإضرابات والاضطرابات الشعبية قوض ما تبقى من سلطته. وفي يونيو/حزيران من العام نفسه، غير حزب العمل اسمه رسميا إلى "الحزب الاشتراكي الألباني"، في تحول لم ينه وجوده في السلطة. ثم جاءت الضربة القاصمة في مارس/آذار 1992، حين حقق الحزب الديمقراطي انتصارا في الانتخابات، منهيا نحو نصف قرن من الحكم الشيوعي.
وبعد أيام، استقال رامز عليا من رئاسة الجمهورية، وانتخب البرلمان صالح بريشا رئيسًا للبلاد في 9 أبريل/نيسان 1992، ليصبح أول رئيس غير شيوعي لألبانيا منذ الحرب العالمية الثانية. ولم يكن إسدال الستار على الهيمنة الشيوعية نهاية الاضطرابات السياسية، بل بداية فصل جديد من الصراع على السلطة. فمن رحم النظام الشيوعي خرج الحزب الاشتراكي، ومن معارضته صعد الحزب الديمقراطي، ليتقاسم الحزبان المشهد السياسي الألباني طوال العقود التالية.
ومع سقوط الشيوعية وصعود الحزب المعارض، دخلت ألبانيا مرحلة مضطربة من التحولات السياسية والاقتصادية، هيمن عليها صراع حاد بين الحزب الديمقراطي بقيادة صالح بريشا، والحزب الاشتراكي بقيادة فاتوس نانو. وقد بدأ بريشا عهده بإصلاحات اقتصادية وسياسية واسعة، سرعان ما اصطدمت بأزمة كارثية عام 1997، حين انهارت شركات استثمارية هرمية ابتلعت مدخرات مئات الآلاف من الألبان، وأشعل انهيارها انتفاضة شعبية مسلحة دفعت البلاد إلى حافة الحرب الأهلية، وأدت إلى انهيار سلطة الدولة في مناطق واسعة منها.
وتحت وطأة الفوضى، عاد الاشتراكيون إلى الحكم بقيادة نانو، بعد فوزهم في انتخابات يونيو/حزيران من العام نفسه. واستمر حكم الاشتراكيين حتى عام 2005، وسط أزمات سياسية واتهامات بالفساد، قبل أن يعود بريشا إلى السلطة رئيسا للوزراء، بعد فوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات. وخلال ولايته، انضمت ألبانيا إلى حلف الناتو عام 2009، لكنها ظلت تعاني الاستقطاب السياسي الحاد وضعف المؤسسات. وفي غضون ذلك، كان نجم سياسي جديد يصعد داخل الحزب الاشتراكي: إيدي راما، الفنان ورئيس بلدية تيرانا.
لم يبدأ راما حياته سياسيا، بل فنانا تشكيليا ولاعب كرة سلة. فقد دخل عالم السياسة عام 1998 وزيرا للثقافة والشباب والرياضة، وبعد عامين انتُخب رئيسا لبلدية تيرانا، حيث بدأت شهرته السياسية من خلال خطته لتغيير وجه العاصمة المُنهكة بعد عقود من الحكم الشيوعي؛ إذ عمل على إزالة المباني غير القانونية من الأماكن العامة، وإعادة تأهيل ضفاف نهر لانا والمساحات الخضراء والطرقات، حتى حصل عام 2004 على جائزة "عمدة العالم". وفي عام 2005، تولى رئاسة الحزب الاشتراكي، وتحول إلى أحد أبرز وجوه المعارضة لصالح بريشا. وعلى رأس بلدية العاصمة حتى عام 2011، قبل أن يقود حزبه وتحالفه الانتخابي إلى الفوز في انتخابات عام 2013.
وصل إيدي راما إلى السلطة حاملا وعودا بتحديث الدولة ومكافحة الفساد وتسريع الاندماج في الاتحاد الأوروبي، وبدأ عهدا امتد لأكثر من 13 عاما، شهد تحولات اقتصادية وعمرانية وتعاظما لنفوذ الحزب الاشتراكي. فقد توسع قطاع السياحة، وتدفقت الاستثمارات الأجنبية، وتطورت البنية التحتية، إلى جانب إصلاحات قضائية استهدفت تعزيز قدرة المؤسسات المختصة على ملاحقة الفساد، وتقدم مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، التي انطلقت رسميا عام 2022. لكن هذه الإنجازات رافقتها تغيّرات سياسية ومؤسساتية. فقد تعززت مركزية السلطة التنفيذية حول راما ومكتبه، بالتزامن مع تراجع دور البرلمان وضعف رقابته على الحكومة. وأصبح راما الشخصية المهيمنة على صناعة السياسات وتوجيهها، مستفيدًا من أغلبية برلمانية مريحة لحزبه.
في الوقت نفسه، توالت قضايا الفساد التي طالت مسؤولين بارزين ومشروعات حكومية كبرى، من فضائح عقود محارق النفايات والامتيازات العامة، إلى التحقيقات مع أربين أحمداي، نائب رئيس الوزراء السابق، ثم قضية بليندا بالوكو، نائبة رئيس الوزراء السابقة، التي وُجِّهَت إليها اتهامات في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026 تتعلق بالتلاعب بعقود مشاريع بنية تحتية تتجاوز قيمتها 200 مليون يورو. كما تعاظم حضور طبقة من كبار رجال الأعمال، التي يُطلق عليها معارضو النظام الآن "الأوليغارشية الألبانية"، وهي تمتلك مصالح واسعة في قطاعات العقارات والسياحة والإعلام، وتعتمد بعض أنشطتها على العقود الحكومية والامتيازات والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وخلال سنوات حكم راما، ترسخت الثنائية التقليدية بين الحزبين الاشتراكي والديمقراطي، واستفاد راما من الانقسامات الداخلية التي أنهكت الحزب الديمقراطي والصراعات التي عصفت بقيادته. وهكذا دخلت ألبانيا عام 2026 بمفارقة واضحة: اقتصاد أكثر انفتاحا، وقطاع سياحي متوسع، وتقدم في مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في مقابل قضايا فساد متوالية، وجمود سياسي، وضعف مؤسسي، فضلًا عن صعوبات تواجه الشباب في دخول سوق العمل.
في أحد أيام صيف 2021، استضاف الملياردير البريطاني ناثانيال روتشيلد جاريد كوشنر وزوجته إيفانكا ترمب، على متن يخت فاخر قبالة السواحل الألبانية. وهناك تحديدا، التقى كوشنر براما وتعرف على جزيرة سازان، القاعدة العسكرية الشهيرة خلال الحقبة الشيوعية. تطورت الاتصالات بين الرجلين وتبلور عنها خطط لإقامة مشروعات سياحية فاخرة بالمليارات، تقودها شركة كوشنر الاستثمارية "أفينيتي بارتنرز". وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، منحت لجنة الاستثمارات الإستراتيجية الألبانية، التي يرأسها راما، شركة "أتلانتيك إنكيوبيشن بارتنرز"، المرتبطة بشركة كوشنر، صفة "المستثمر الإستراتيجي"، لتنفيذ مشروع سياحي على مساحة 110 فدان في جزيرة سازان، باستثمارات مخططة تبلغ 1.4 مليار يورو.
لكن الجدل الأكبر انفجر حول مشروع آخر مرتبط بكوشنر في منطقة زفيرنيتس الساحلية القريبة من محمية فيوسا-نارتا، وهي منطقة ذات أهمية بيئية بالغة، إذ تُعد موطنا لطيور الفلامينغو، ولأكثر من مئتي نوع من الطيور، بينها أنواع مهاجرة، إلى جانب فقمات الراهب المتوسطية والسلاحف البحرية. ويشمل هذا المشروع إقامة مجمع سياحي وسكني ضخم، قد يصل إلى نحو 10 آلاف وحدة، وتُقدّر استثماراته المحتملة بنحو أربعة مليارات يورو.
"أشعلت مشروعات كوشنر في ألبانيا شرارة احتجاجات كامنة"
وسرعان ما أثار المشروع موجة اتهامات للحكومة الألبانية بتخفيف القيود البيئية وتسريع إجراءات التطوير لمصلحة المستثمرين. ومع تصاعد الاعتراضات على المشروع وأعمال تمهيد الموقع، اتسعت الاحتجاجات أواخر مايو/أيار ومطلع يونيو/حزيران 2026، وأخذت تُعرف باسم "انتفاضة الفلامينغو"، بعدما اتخذ المتظاهرون من الطائر الوردي رمزًا للدفاع عن البيئة. وسرعان ما انتقلت المظاهرات إلى العاصمة تيرانا ومدن أخرى، وخرجت احتجاجات تضامنية في أوساط الجاليات الألبانية في الخارج.
رفع المحتجون شعارات من قبيل "ألبانيا ليست للبيع"، رفضا لما اعتبروه تفريطا في الموارد الطبيعية لمصلحة الأثرياء والمستثمرين الأجانب، إلى جانب المطالبة بإسقاط الحكومة. كما أثار المشروع انتقادات أوروبية؛ إذ دعا البرلمان الأوروبي ألبانيا، المرشحة للانضمام إلى الاتحاد، إلى إلغاء تعديلات عام 2024 على قانون المناطق المحمية، وأبدى قلقا بالغا إزاء قانون الاستثمارات الإستراتيجية.
وفي 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، نشر كوشنر ردا مطولا على موقعه الشخصي، دافع فيه عن المشروع ونفى اتهامات أوردتها مجلة "نيويوركر" الأمريكية بشأن حصوله على امتيازات حكومية لتطوير مشروعه السياحي في ألبانيا. وقال إن الشراكة الاستثمارية التي ينتمي إليها اشترت الأرض من طرف خاص مقابل 230 مليون يورو، ولم يحصلوا عليها بمنحة من الحكومة الألبانية. وأوضح أن المشروع بدأ بوصفه استثمارا عقاريا خاصا، وأن شركاءه أنفقوا عشرات ملايين الدولارات على الدراسات والتصاميم والتقييمات البيئية على مدار أكثر من 3 سنوات. وفي مواجهة الانتقادات البيئية، تعهد بالالتزام بإجراءات الترخيص والتقييم البيئي الألبانية، مشددا على أن القرار النهائي بشأن تنفيذ المشروع يعود إلى السلطات الألبانية.
لم تهدأ الاحتجاجات طوال الأشهر الماضية، بل ظلت تتسع وتتغذى على الغضب الشعبي المتراكم، حتى تصاعدت مجددا في أكتوبر/تشرين الأول 2026، مع انضمام آلاف طلاب المدارس والجامعات إلى الشوارع، احتجاجا على ارتفاع تكاليف التعليم وتردي البنية التحتية للمؤسسات التعليمية وضيق فرص العمل. وما بدأ قبل أشهر حراكا بيئيًا للدفاع عن محمية طبيعية، اتسع ليشمل مطالب شبابية أوسع تتعلق بالفساد والمحسوبية وهيمنة النخبة السياسية والاقتصادية، وارتفعت المطالب من وقف المشروعات السياحية المثيرة للجدل إلى إسقاط حكومة إيدي راما.
ومنذ 13 أكتوبر/تشرين الأول، تحولت شوارع العاصمة تيرانا إلى ساحات مواجهات عنيفة، استخدمت فيها الشرطة الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والهراوات. وأسفرت الاشتباكات عن إصابات في صفوف المحتجين والشرطة، ودفعت السلطات إلى تنفيذ اعتقالات واسعة وفتح ملاحقات جنائية بحق مئات الأشخاص. وظل شعار "راما ارحل" يتردد في شوارع العاصمة. ومع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثاني، ارتفعت حصيلة المصابين إلى 320 شخصا خلال الفترة من 13 إلى 21 أكتوبر/تشرين الأول، وفق بيانات وزارة الصحة، بينهم 192 شرطيًا و92 متظاهرًا و36 من المارة، فيما أعلنت الشرطة اعتقال نحو 500 شخص حتى ذلك الوقت.
"رفض راما الاستقالة، واصفا ما يجري بأنه محاولة منظمة لزعزعة استقرار البلاد"
وقد رفض راما الاستقالة، واصفا ما يجري بأنه "محاولة منظمة لزعزعة استقرار البلاد وعرقلة مسار الاندماج في الاتحاد الأوروبي"، كما اتهم الطلاب بأنهم "متطرفون تم التلاعب بهم من قبل قوى أجنبية". وزاد من حدة الغضب الشعبي إقرار مجلس الوزراء الألباني، في 19 أكتوبر/تشرين الأول، تخصيص نحو 740 مليون ليك ألباني، أي ما يعادل نحو 6.9 ملايين يورو، لصرف مكافآت لنحو 2750 شرطيا شاركوا في حفظ الأمن والنظام العام أثناء المظاهرات التي شهدتها العاصمة تيرانا. وجاء القرار بعد ساعات من إعلان راما عزمه مكافأة عناصر الشرطة على جهودهم، على أن تبلغ المكافأة نحو 2500 يورو لكل شرطي.
امتد رد راما إلى التلويح بإجراءات أكثر تشددا بحق الجيل الذي خرج إلى الشوارع. ففي اجتماع مع مديري المدارس الثانوية في تيرانا، تحدث عن دراسة خفض سن المسؤولية الجنائية، وتشديد الإجراءات بحق القاصرين المتورطين في أعمال العنف والتخريب. وأكد أن السلطات تعد حزمة من التدابير لملاحقة المتورطين وإلزامهم بالتعويض عن الأضرار، مع تحميل أولياء الأمور جزءا من المسؤولية عن أفعال أبنائهم. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ طرح راما أيضا دراسة حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة، معتبرا أنها تسهم في انتشار "السلوك العدواني"، بحسب تعبيره.
وفي 20 أكتوبر/تشرين الأول، وضع راما كراسي أمام مقر الحكومة، وكتب عليها كلمة "حوار"، في محاولة لاستدراج المحتجين إلى طاولة التفاوض. غير أن المشهد جاء على النقيض مما أراده؛ فبدل أن يجلس الطلاب على الكراسي، قلبها محتجون وألقوا بعضها على درجات المبنى، ومزقوا لافتات الحوار، فيما ظل مطلب رحيل راما والإفراج عن الطلاب الموقوفين حاضرا في هتافاتهم.
ورغم إعلان الحزب الديمقراطي دعمه للاحتجاجات ومطلب رحيل راما، فإن الحركة الاحتجاجية لم تكن خاضعة لقيادته. بل إن ناشطين في الحراك انتقدوا بريشا، معتبرين أن تعاقب الحزبين على السلطة أوصل البلاد إلى ما آلت إليه اليوم. وفي 22 أكتوبر/تشرين الأول، امتد التوتر إلى البرلمان، حيث اشتبك نواب من المعارضة مع نواب من الحزب الحاكم بالأيدي، ما استدعى تدخل حرس البرلمان للفصل بينهم.
وهكذا، بعد أكثر من ثلاثة عقود على خروج الطلاب إلى شوارع تيرانا للمطالبة بإنهاء الحكم الشيوعي، يعود الطلاب إلى واجهة المشهد السياسي الألباني. تختلف الظروف والأنظمة السياسية بين الأمس واليوم، لكن عودة الطلاب إلى الشارع تعيد طرح سؤال لم تفقده البلاد: إلى أي مدى يستطيع الشارع تغيير مسار السلطة، حين تتراكم خيباته في السياسة والاقتصاد والحياة اليومية؟
Loading ads...
لا يزال راما متمسكا بالبقاء، مستندا إلى أغلبية برلمانية مريحة، فيما تواجه الحركة الاحتجاجية اختبارا صعبا: الحفاظ على وحدتها واستقلاليتها، وتحويل الغضب في الشوارع إلى مطالب سياسية قابلة للتحقيق. وبينما لا تزال الإجابة معلقة، تبقى صورة حقيبة السفر التي أُحرقت أمام وزارة التعليم في تيرانا أكثر من مجرد مشهد عابر في الاحتجاجات؛ فهي تختصر مأزق جيل يخشى أن يصبح الرحيل طريقه الوحيد إلى مستقبل أفضل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





