يبدو أن استنفاد الوعود بتدفق الاستثمارات والانتعاش الاقتصادي والخدمي دفع السلطة إلى تفعيل ملف العدالة ومحاسبة المجرمين بعد أن كان خاملاً وبطيئاً وبعيداً عن الأضواء الضرورية.
يُلحظ هذا من تسارع عمليات القبض على المتورطين في الانتهاكات من عناصر النظام السابق، وبدء محاكمة عاطف نجيب، ضابط الأمن الذي احتل مكانة رمزية عالية عند انطلاق الثورة، وفي نشاطات وتصريحات الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ووزارة العدل.
ومثل كل ما يجري أثار تفعيل هذه العملية خلافات بين السوريين، تحوّلت إلى ما يسمى في البلدان الأهدأ قضايا رأي عام، على الرغم من تشاتمه وانقساماته وضعف مساحة الحوار المثمر فيه.
الاعتراض الأبرز، ربما، جاء من خصوم السلطة القطعيين. الذين يرون في سجلها، كفصائل قبل سقوط النظام وكحكومة بعده، من الانتهاكات ما يكفي للشك في أهليتها لتحقيق عدالة شاملة، يطلب هؤلاء أن يُقدّم جميع المتورطين، أو المشتبه في ضلوعهم في جرائم، إلى المحاكم على حد سواء، وفي الوقت نفسه.
هل يتوقف جهاز الأمن الداخلي، الذي لا يحوز إجماعاً مماثلاً، عن ملاحقتهم بانتظار عدالة معقمة؟ وكم سيدفع ذلك إلى انفجار تذمر الضحايا وذويهم في أعمال انتقامية؟
والحال أن هذا المطلب، الباحث عن عدالة مخبرية نظرية شكلياً، لا يؤدي إلى أي مكان عملياً، فلا توجد في البلاد قوة قادرة على إنفاذ القانون، أي قانون، مبرأة من الاتهامات بشكل يجعلها مقبولة من الجميع، ولا يبدو أنها ستوجد قريباً، فما العمل تجاه من تكاد إدانة إجرامهم تحظى بالإجماع من ضباط وكوادر مخابرات النظام السابق، الذين ما يزال أكثرهم متخفياً داخل البلاد؟ هل يتوقف جهاز الأمن الداخلي، الذي لا يحوز إجماعاً مماثلاً، عن ملاحقتهم بانتظار عدالة معقمة؟ وكم سيدفع ذلك إلى انفجار تذمر الضحايا وذويهم في أعمال انتقامية؟ إنها ليست المرة الأولى التي تثبت فيها نظرية "كل شيء أو لا شيء" فراغها.
بجوار ذلك لوحظت ظاهرة استعادة بعض "المكوعين" أو الرماديين موقع "الفلول" حين يستنكرون اعتقال ضباط النظام السابق، بمن فيهم الطيارون الذين لا شك في هول جرائمهم، بدعوى أنهم "ضباط في الجيش العربي السوري" لا يجوز أن يقفوا في أقفاص محاكم من جاء بعده، بل ربما دعا البعض إلى تقدير دورهم السابق في "محاربة الإرهاب"، بالتوازي مع يقظة متصاعدة لرواية إعلام نظام الأسد عن الثورة والحرب وكل ما استخدمته من حبكات منحازة، ولا شك في أن عدم ضبط الانتهاكات اليومية في الساحل وحمص سبب رئيسي في هذه الاستعادة الانتقامية.
من جهة أخرى فإنّ عيوباً جادة تعتور بالفعل مسار "العدالة" البازغة، فقبل المحاكم ليست هناك شفافية كافية عن أعداد المعتقلين، ونتائج التحقيقات معهم، وتتبع شبكاتهم مثل جلادي سجن صيدنايا وطواقم الفروع الأمنية، لا سيما وأن معظم السجلات صارت تحت تصرف الأجهزة الجديدة. كل ما يحصل عليه السوريون هو صور البعض باللباس المخطط، واعترافات قصيرة أقل بكثير، يبدو أنها تهدف، أساساً، إلى الدعاية التي كثيراً ما تُركت بين أيدي إعلاميين هواة ومؤثرين تجاريين.
وبالنسبة إلى كثيرين لا يدل هذا على فوضى بدئية طارئة بقدر ما يشير إلى عدم اهتمام السلطة بملف العدالة، ويستدلون على ذلك بالمصالحات التي عقدتها مع بعض المجرمين المعروفين وبالتسويات التي أجرتها مع رجال أعمال لطالما ارتبطت أسماؤهم بالأسد.
وتدافع السلطة عن نفسها، في الملف الثاني، بأن الاتفاقات شملت الجانب المالي والكسب غير المشروع فقط، ويبقى المجال مفتوحاً لاستقبال شكاوى عن الانتهاكات الأخرى التي لا تنفع معها تسوية اقتصادية، في حين يحاول "أنصار" الضباط السابقين التركيز على حيازتهم ورقة "التسوية"، التي وُزِّعت بعد سقوط النظام ولم تعنِ، في الحقيقة، أكثر من وثيقة بديلة عن الهوية العسكرية، لا تؤمّن لحاملها حصانة عن المحاسبة عما قد يتبين من ارتكاباته لاحقاً.
وجّه عدد من المحامين ورجال القانون انتقادات تفصيلية يغلب عليها طابع الاختصاص نحو إجراءات التقاضي القائمة، وبالفعل بدا أن اعتماد معايير التثقيل الثوري عملياً ترك آثاراً سلبية..
تحتاج مواكبة مسيرة "العدالة" إلى ذراع إعلامي شفاف ومخلص ونزيه ونشيط يجيب عن تساؤلات الناس وشكوكهم العميقة بشكل متكرر، ومن أبرزها اعتقاد البعض أن اليد الحديدية للحكومة تطول فقط الضعفاء الفقراء من ذوي الرتب الصغيرة وتتغاضى عن الكبار "القادرين على الدفع"، ورؤية آخرين أن دوريات الاعتقال تجول في مناطق بعينها وكأن المنتهكين لا يوجدون في سواها، على خلفيات طائفية بطبيعة الحال.
من ناحية مهنية بحتة، وجّه عدد من المحامين ورجال القانون انتقادات تفصيلية يغلب عليها طابع الاختصاص نحو إجراءات التقاضي القائمة، وبالفعل بدا أن اعتماد معايير التثقيل الثوري عملياً ترك آثاراً سلبية، هنا أيضاً، على درجة احترافية المحاكم ومن قبلها الاعتقالات والتحقيقات.
وبعد قرابة السنة ونصف على الزهو بالانتصار صار الوقت ملائماً، بل متأخراً، لإعادة إرساء المبادئ الحرَفية من ناحيتي المضمون والشكل، وهذا الأخير مهم في حالة القضاء الذي يستمد مهابته، في شتى الأزمنة والأمكنة، من انضباط إجراءاته، فضلاً عن العدالة.
يمكن للمرء أن يقاطع ذلك كله بدعاوى الجذرية، تاركاً للفخّار أن يكسّر بعضه، لكن ما يغفل عنه هذا الموقف هو أن البلد الهش سيكسّر بعضه بالفعل، بما يضاف إلى حصيلة أربعة عشر عاماً من الثورة وسنة ونصفاً بعد التحرير.
Loading ads...
إن عدالة ناقصة وقابلة للضغط عليها وانتقادها وتصويبها خير من غيابها كلياً مهما كانت الحجج ودرجة صدقيتها، لم يكن طريق الثورة مسطرياً ولن يكون سبيل العدالة كذلك.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

