5 أشهر
عام على "ردع العدوان".. كيف عاشت بيوت دمشق لحظات كسر الصمت وسقوط الأسد؟
الأحد، 7 ديسمبر 2025
عندما بدأت عملية "ردع العدوان" في أواخر تشرين الثاني 2024، أيقظت دمشق من سبات فرضه نظام الأسد لعدة سنوات، لتدخل في دوامة من الترقب والخوف والأمل.
في البيوت، ارتفع صوت الأخبار والهمسات، وتحوّل كل ركن إلى مسرح لتجارب إنسانية متناقضة، حيث بدا السوريون وهم يعيشون التحول الذي لم يجرؤوا على تصوره لسنوات طويلة.
صدى انطلاق "ردع العدوان" في بيوت دمشق
كانت شوارع دمشق تلك الليالي صامتة على غير عادتها، لكنه صمتٌ مشحون بحركة داخلية غريبة، كأنها أرواح البشر تحاول أن تعبّر من داخل بيوتها عن حالة من الترقب العميق.
في حي الميدان، تستيقظ هدى (56 عاماً) على وقع ضجيج خافت في الخارج، لكن ضجيجاً داخلياً أشد وقعاً في صدرها.
"كنت أراقب هاتفي بلا توقف، الأخبار تتنقل بسرعة من هنا وهناك، لكن لم يكن هناك شيء واضح. فقط همسات تقول: العملية بدأت."
وفي حين تحاول أن تسيطر على مشاعرها، يدق باب البيت، وتدخل سميرة (62 عاماً).
تشرح هدى لموقع تلفزيون سوريا: "جارتي دائماً تتحدث بنبرة واثقة كأنها تعرف كل شيء.. تعرف أخبار البلد والحي والجيران والغلاء والتسعيرات وتتنبأ بالأسوأ على الدوام هذه المرة فقط شعرت أنها ليست متيقنة تماماً.. لكنها مصرة على الحديث بثقة حيث قالت: "لن نعود كما كنا. هذه المرة، الأمور مختلفة."
في برزة، كمال (70 عاماً)، رب عائلة وأب لثلاثة أولاد، لم يغادر مقعده أمام شاشة التلفاز طوال الليل.
"القلق كان يختلط بالدهشة. كلنا نعرف أن سنوات الصمت الطويلة لا تُمحى بسهولة. لكن ربما.. ربما هناك بوادر لشيء جديد". هكذا وصف كمال لموقع تلفزيون سوريا.
يقول وسام بن كمال: "أبي ظل صامتاً يترقب العملية خطوةً خطوة، لكنه لم يكن يبتسم أو يتحمّس كان يبدو ساكناً تماماً، لا يأكل ولا يشرب لكنه كان يصلّي كثيراً.. يجلس ساعات على سجادة الصلاة ويعود ليتابع الأخبار."
أيام الترقب.. قلقٌ يلفّ البيوت ويعيد كتابة القصص
مع الأيام الأولى للعملية، بدأت الحياة تأخذ نكهة مختلفة داخل بيوت دمشق ومحيطها.
في منزل ليلى (28 عاماً) في جرمانا، يتجمع الأصدقاء برسالة واتساب تقول: "تعالوا نخاف معاً.. يبدو أن شيئاً سنتذكره طويلاً يحدث الآن."
في التجمع يحاول الأصدقاء ألا يعربوا عن آمالهم التي طالما خابت.. "خوف من الأمل، هذا ما تعلّمناه كسوريين في عهد الأسد." يقول حسّان ثم يتابع: "كان معنا صديقة تبكي فجأة وكنا نعلم أنها تبكي فجأة لأنها تخاف وكنا لا نملك أي مفردات للمواساة، فنعم إن لم يسقط سيقتلنا جميعاً سيعذبنا أكثر وربما ربما.. سنشتهي الموت ولا نجده."
تقول ليلى: "بعد تحرير حلب أصبحت الرسالة أكثر قوة: "تعالوا نتأمل معاً" هكذا أرسلت لأصدقائي
هذه المرة جلسنا جنباً إلى جنب واتصلنا بأصدقائنا في حلب.. كنا نسألهم أسئلة غريبة ونضحك نخاف ونبكي لكن كلنا كنا نحلم أن نكون في بقعة جغرافية غير مملوكة للأسد.. "نيالك" قلت لصديقتي في حلب، فقالت: "نيالنا ليلى.. نيالنا كلنا، طولي بالك كم يوم الأمور كتير سريعة."
تتابع ليلى حديثها بسهولة كأنها تتذكر ليلة البارحة: "تحرير حمص قطع آخر شعرة شك في قلبي.. من وصل إلى حمص لن يترك الشام.. في انتظار سقوط الطاغية، خرجت إلى الشارع ونظرت في صورة كبيرة معلّقة لبشار الأسد.. نظرت في عينيه اللتين لم أجرؤ على النظر إليهما طوال فترة حكمه، ابتسمت وأنا أنظر إليه كأنني أتحداه وأردد في نفسي: نيرون مات ولم تمت روما.. بعينيها تقاتل. كنت أودّع صورته الدموية وفي داخلي يقين أنها ستزال بعد ساعات."
أما كاترين فتصف مكتب العمل في جرمانا وهي تتذكر الأيام الأولى لانطلاق العملية: "كانت المرة الأولى التي أسمع فيها الصمت.. كأن الجدران نفسها توقفت عن التنفّس. في مكتبنا، لم نكن قادرين على العمل. الوجوه كانت مكشوفة تماماً، لا أحد يحاول إخفاء خوفه. الذين هربوا من قصف النظام سابقاً كانوا الأكثر ارتجافاً. يعرفون تماماً ماذا يكلّف أن يحلم أحد بتغيير ما تحت حكم الأسد.. صمت، وخوف، وأمل يطلّ من بعيد."
ذلك الصمت نفسه تسرّب إلى بيوت كثيرة. لا أحد كان يعرف ما سيحدث، لكن الجميع كان يشعر بأن الأيام القادمة ليست شبيهة بما سبقها.
ليلة خلع الطاغية
بدأت دمشق تغوص في -ظلمة نور- "ليلة السقوط" الليلة التي حبست أنفاس السوريين، وامتزج فيها الخوف بالأمل، حيث كانت البيوت في مناطق سيطرة النظام مسرحاً لواحدة من أعنف لحظات الترقب في تاريخها الحديث.
تلك الليلة التي لم تنم فيها المدينة، لم تكن مجرد موعد لبيان عسكري، بل كانت نقطة تحوّل في الوعي الجمعي لسوريين حملوا في قلوبهم عقداً من الخوف يمتد لأكثر من خمسين عاماً.
في منزل قديم في حي الدويلعة، جلست "الجدة مريم" (72 عاماً) قرب نافذتها، تضع صينية القهوة التي أعدّتها لتوها، في حين كان حفيدها أكرم (25 عاماً) ينصت بترقب وألم يتسلل إلى صوته. تقول مريم بصوت متقطع تحفره السنين:
"آخر مرة سمعت فيها بيان رقم واحد كانت أيام انقلب القائد 'خالد'..."
قاطعها أكرم بابتسامة ساخرة تعلو شفتيه:
"مات يا ستي مات وابنه عم يسقط وأنت مصرة إنه اسمه خالد؟ اسمه حافظ يا ستي."
أغمضت مريم عينيها وأخذت نفساً عميقاً قبل أن تهمس بصوت مملوء بالمرارة:
"لو تنحى سيادة هالرئيس 'البطيخ' ابنه من 2011، كان وفر حرقة قلوب أمهات كثيرات"، ثم ابتعدت حاملة الصينية، وترددت كلماتها همس: "روح الله لا يسامحك، الله يفرجينا فيك يوم".
في زاوية الغرفة، جلس سعيد بن مريم وأبو أكرم (51 عاماً) ينفث ببطء دخان سيجارته التي اشتراها بأربع أضعاف سعرها بعد أن أغلقت المحلات خوفاً من المجهول.
قال سعيد ململماً خيبة أمله بصوت مثقل: "كل عمري عايش بسوريا الأسد... كنت أخاف الموت قبل أن أعيش بسوريا".
كان الصوت يعكس جرح جيل حُكم بصمت الرعب والخوف، وجاءت هذه الليلة لتكسر جدار الصمت.
في كل بيت، كان التوتر يخنق الأجواء، والترقّب القلق يغلف قلوب الجميع، كانت الأنفاس تُحبس في الحلق، والعيون تتجه نحو الشاشات الصغيرة التي تنقل كلمة واحدة تُنتظر منذ سنوات.
على الطرقات، اختفت أصوات الأطفال التي كانت تملأ الحي، وتحولت الضحكات إلى همسات، والهمسات إلى صلوات صامتة تُرفع في وجه مجهول.
"في البيوت تتجمع العائلات، لا أحد يريد أن يجلس وحده، كانت ليلة تشبه نهاية العالم أو بدايته.. لم نكن نعرف ماذا سيحصل لكن أمي خزنت المؤن والمازوت والغاز وكل شيء حتى الملح.. أمي التي خافت من ذكر اسم الأسد." تقول ياسمين 25 سنة عن ليلة السقوط في الدويلعة.
تتابع ياسمين وهي تبتسم وتتذكر ما قالته أمها في تلك السهرة: " اسكتوا، اسكتوا! من إيمتى بتحكوا بصوت عالي؟ هلق بيجوا بيقتلوكن كلّكن… يمكن كل هي تكون مسرحية. أنتوا صغار وما بتعرفوا شي… اسكتوا، لا حدا يحكي كلمة."
لم تكن تلك الليلة مجرد إعلان عسكري، بل كانت لحظة اختبرت فيها دمشق روحها، وتركت بصمة عميقة على قلوب من عاصرها، حيث مزجت بين ألم الماضي، وخوف الحاضر، وأمل المستقبل.
في القصاع، تتذكر سيلينا (26 عام) حوار دار مع أخيها الصغير، كانت المفاجأة على شكل براءة مخيفة.
قال أمير لأخته الكبيرة "ليش ساكتة؟"
ردت أخته الكبرى بخوف: "أخاف مما سنراه ونعرفه.. عندما تفتح أبواب سجن صيدنايا."
استغرب الصغير وقال:"ليش صيدنايا سجن ولا كنيسة؟ ليش ما بتخبروني شي؟"
نظام الأسد سقط
بدأ الحديث يخرج من جدران البيوت المكتومة، وبدأت الشوارع تحتضن نقاشات لم تكن ممكنة سابقاً الشوارع تحتضن المحتفلين.. "سقط الأسد يا عالم سقط الأسد يا هو.." ويبكي رجل في ال70 من عمره وهو يشاهد الشباب يمزقون صور بشار الأسد في شارع الخضر في جرمانا صبيحة 8 كانون الأول.
ذاكرة دمشق تتشكل... بين الألم والأمل
تلك اللحظات، بكل ما حملت من خوف وألم، وضعت حجر الأساس لذاكرة جماعية جديدة. هي ليست مجرد ذكريات عن حرب أو بيان عسكري، بل هي قصة تحول إنساني واجتماعي، رسمت صورة السوري الذي لم يعد فقط متلقياً للأحداث، بل طرفاً فاعلاً في مسار حياته ومجتمعه.
في كل بيت، حكاية مختلفة، لكن يجمعها شعور مشترك بأن الحياة، رغم كل الصعوبات، قد تحمل فرصة لإعادة البناء والولادة من جديد.
السوريون، الذين عرفوا سنوات من الخوف، باتوا ينظرون إلى المستقبل بعين مختلفة، عين ملؤها الحذر، لكن لا يخلو من الشرارة التي قد تشعل الغد.
Loading ads...
سنة كاملة مرت على عملية "ردع العدوان"، وفي كل بيت، وفي كل شارع، هناك قصص لم تُروَ بعد، هناك آهات، دموع، وأحلام متجددة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


