يقول أحدهم: قدّمت عائلتي، التي لم تكن تعدّ أكثر من مئتي ذكرٍ بين طفلٍ وكهلٍ وما يتوسطهما من شباب ورجال عند انطلاقة الثورة السورية، أربعة شهداء على مذبح الحرية. اثنان منهم ارتقيا مع فصائل الجيش الحر، واحدٌ قضى تحت التعذيب في معتقلات نظام الأسد الدموي، وواحد ارتقى ضحية قصف عشوائي. في اعتبارات معادلة النسبة والتناسب بين المغارم والمغانم التي ابتدعها أحد المحللين الاستراتيجيين مؤخرًا، فإنّ هذه العائلة غرمت من ذكورها 2% على درب الآلام، فيحق لها – وفق هذا المنطق – أن تغنم ما يقابلهم في الوظائف من وزراء ومديرين ومسؤولين في مفاصل الدولة.
لكنّ السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل تُبنى الدول بمنطق “التعويض السياسي” عن التضحية؟ أم تُبنى وفق معايير أخرى جرّبتها الشعوب قبلنا، ودفعت ثمنًا باهظًا لاكتشافها؟
تبيّن التجارب التاريخية للثورات الكبرى أن جوهر الثورة ليس استبدال نخبة بأخرى، بل تأسيس نظام سياسي جديد قائم على الدستور والمواطنة المتساوية. تؤكد حنة أرندت في كتابها رأي في الثورات أن الثورة الحقيقية تبدأ عندما يُؤسَّس فضاءٌ عامٌّ حرّ تُنظِّمه قواعد دستورية تضمن المساواة السياسية، لا حين تتحول السلطة إلى غنيمة يتقاسمها المنتصرون. فالدستور الحرّ هو الضامن لعدم انزلاق الثورة إلى إعادة إنتاج الامتيازات القديمة بصيغة جديدة.
تاريخ الدول المعاصرة يقدم شواهد واضحة على أن سيادة القانون لا تستثني أحدًا، وأن قرب الشخص من مركز القرار لا يمنحه حصانة.
تذرّع الخبير المذكور بأمثلة من دول عربية وغير عربية، مدّعيًا أن حكم العائلات أمرٌ مستقر في التجارب السياسية كافة، بل حتى في الديمقراطيات. غير أن هذا الادعاء يتجاهل الفارق الجوهري بين “الرمزية السياسية” و“الاحتكار المؤسسي”. ففي الدول التي ما تزال تحتفظ بأنظمة ملكية أو أميرية، لا تُدار مؤسسات الدولة بوصفها إرثًا عائليًا مغلقًا، بل تخضع لمعايير الكفاءة والاختصاص، وتُحكم بمنظومة قانونية مستقلة تفصل بين الشخص والمؤسسة. إن الدولة الحديثة ليست امتدادًا لبيت الحاكم، بل منظومة مؤسساتية عقلانية، كما يؤكد أحمد داود أوغلو في كتابه العمق الاستراتيجي حين يربط استمرارية الدول بقدرتها على بناء مؤسسات متراكمة قائمة على التخطيط والكفاءة لا على الولاء الشخصي.
وليس بعيدًا عن ذلك ما يشير إليه برتراند راسل في المجتمع البشري بين الأخلاق والسياسة من أن تركّز السلطة في يد فئة ضيقة، من دون ضوابط مؤسسية صارمة، يؤدي حتمًا إلى تآكل الأخلاق العامة وتحول الدولة إلى أداة مصالح خاصة. فالسلطة، حين لا تُقيَّد بالقانون، تميل بطبيعتها إلى حماية ذاتها وتوسيع امتيازاتها، لا إلى خدمة المصلحة العامة.
تاريخ الدول المعاصرة يقدم شواهد واضحة على أن سيادة القانون لا تستثني أحدًا، وأن قرب الشخص من مركز القرار لا يمنحه حصانة. فملاحقة مسؤولين كبار في دول أوروبية، أو مساءلة شخصيات رفيعة، ليست أحداثًا عرضية، بل هي تعبير عن مبدأ راسخ: المساواة أمام القانون شرطٌ لبقاء الدولة. وهذا هو جوهر “المؤسسات الشاملة” التي يتحدث عنها جيمس روبنسون في كتابه لماذا تفشل الأمم، حيث يميّز بين أنظمة تبني مؤسساتها على تكافؤ الفرص والمشاركة الواسعة، وأنظمة “استخراجية” تحتكر السلطة والثروة لصالح نخبة ضيقة. الدول تفشل – وفق هذا التحليل – عندما تتحول الدولة إلى أداة توزيع منافع على أساس الولاء لا على أساس الكفاءة.
ليست ببعيدة أخبار اعتقال الشرطة البريطانية للأمير أندرو شقيق الملك تشارلز الثالث ودوق يورك السابق على خلفية تسريبه وثائق حكومية وتقارير تجارية سرية وحساسة لإبستين خلال فترة عمله مبعوثًا تجاريًا خاصًا للملكة في الفترة بين 2001 – 2011. كذلك ليست بعيدة أخبار زجّ الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي في السجن بحكم قضائي من جرّاء تهم فساد، ولا هي غريبة وقائع مثل إعفاء (Mats Löfving) رئيس شرطة ستوكهولم ونائب المفوض الوطني للشرطة السويدية من مهامه وملاحقته قضائيًا بتهم فسادٍ من جرّاء علاقة عاطفية جمعته وإحدى الموظفات "ليندا ستاف" (Linda Staaf)، التي كانت تعمل تحت إمرته في إدارة العمليات الوطنية (Noa). هذه وغيرها ليست أعراضًا لا تذكر ولا تُرى في مجتمعات الدول المحكومة بالقانون. هذه هي القواعد المؤسسة التي بموجبها تقوم بموجبها الدول وتستمر.
إن مبدأ تكافؤ الفرص ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو العمود الفقري لدولة المواطنة. فالمواطنون المتساوون أمام القانون يجب أن يكونوا متساوين في فرص الوصول إلى الوظيفة العامة، والمنافسة على الموارد، والمشاركة في الشأن العام. وإلا دخلنا في منطق الزبائنية السياسية،
حيث تتحول الدولة إلى شبكة ولاءات شخصية وعائلية. وقد بيّنت دراسات حول بنى الطائفية والولاءات ما قبل الدولتية، كما في كتاب نظام الطائفية من الدولة إلى القبيلة، أن تسييس الانتماءات الأولية يُضعف مفهوم المواطنة، ويُعيد المجتمع إلى منطق العصبية، ويقوّض شرعية القانون لصالح شبكات المحسوبية.
إعادة سلوك طريق خاطئ لن يوصل إلى المكان الصحيح. فالقفز على استحقاقات العدالة الانتقالية، ومحاربة الفساد، والمشاركة السياسية الواسعة، يؤسس لاستئثار جديد بالسلطة، والاستئثار بالسلطة يؤسس بدوره للاستئثار بالثروة، ومن ثم للإقصاء فالاستبداد، والنتيجة خراب العمران مجددًا.
الأخطر في تجاوز تكافؤ الفرص أنه لا يمس العدالة فحسب، بل يمس الحق في الحياة ذاته. فعندما يصبح معيار الاستحقاق هو الانتماء العائلي أو الولاء السياسي، لا الكفاءة والمواطنة، ينفتح الباب أمام تصنيفات خطيرة: من يستحق ومن لا يستحق، من يُقرَّب ومن يُقصى، من يُحمى ومن يُستباح. هنا تتحول الدولة تدريجيًا إلى أداة فرز، وتتحول الثورة من وعد بالتحرر إلى آلية جديدة للهيمنة.
لقد أشار إريك هوفر في كتابه المؤمن الصادق إلى أن الحركات الثورية قد تنزلق إلى استبدال مبدأ العدالة بمنطق الامتياز، حين تتحول “التضحية” إلى مصدر شرعية دائمة لاحتكار السلطة. فالتضحية تمنح شرعية أخلاقية، لكنها لا تمنح حقًا حصريًا في الحكم، وإلا تحولت الثورة إلى دورة مغلقة من إعادة إنتاج الامتياز.
ينشد الناس العيش بكرامة وحرية. لم يخرجوا ليبدلوا نخبة بأخرى، ولا ليحوّلوا دماء الشهداء إلى أسهم في شركة سياسية مغلقة. ولا أحد يرغب أن يكون شهيدًا؛ فكيف إذا علم أن من سيستوزر على حساب دمه لا يستند إلى كفاءة، بل إلى معادلة مغارم ومغانم لا تبني دولة، بل تؤسس لجولة جديدة من الصراع؟
Loading ads...
الدولة التي أُريق كل هذا الدم لبنائها لا يجوز أن تُختزل في دفتر حسابات عائلية. إنما تُبنى على قاعدة واحدة: مواطنون متساوون، مؤسسات محايدة، وقانون يعلو على الجميع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



