29 دقائق
مذبحة بني مزار في مصر تعود إلى الواجهة دراميًا.. من قتل الضحايا العشرة؟
السبت، 26 سبتمبر 2026

قتل عشرة أشخاص بينهم أطفال بطريقة وحشية في المذبحة التي صدمت مصر- صورة بالذكاء الاصطناعي
أعاد عمل درامي مصري قضية عمرها أكثر من عقدين إلى النقاش، فيما تكشف العودة إلى مسار التحقيق والمحاكمة أسئلة بقي بعضها بلا إجابات واضحة حتى اليوم.
عادت مذبحة بني مزار إلى الواجهة مع عرض حكاية "ما لم يُحكَ عن بني مزار"، وهي الحكاية الثانية من مسلسل "القصة الكاملة"، التي طرحت حلقاتها الثلاث دفعة واحدة عبر منصة "شاهد" ليل 24-25 سبتمبر/ أيلول.
والعمل من تأليف هاني سرحان وإخراج أحمد نادر جلال وإنتاج مجدي الهواري، ومستوحى من برنامج للإعلامي سامح سند.
ويشارك في بطولة الحكاية أحمد عبد الوهاب، وأحمد عبد الحميد، وميشيل ميلاد، ومراد مكرم، وصفاء الطوخي، وعارفة عبد الرسول، إلى جانب محمود غريب، فيما يظهر خالد الصاوي ضيف شرف.
ويقدم العمل معالجة درامية مستوحاة من المذبحة التي هزت محافظة المنيا عام 2005، ولا تمثل تفاصيله بالضرورة سجلًا لما أثبتته التحقيقات والمحاكم.
ومع عودة القضية إلى الشاشة، عادت روايات السحر والكنوز والطقوس الغامضة التي أحاطت بها على مدى سنوات.
لكن الرجوع إلى أوراق القضية ومسارها القضائي يكشف لغزًا أكثر واقعية: السلطات أعلنت بعد أيام من الجريمة الوصول إلى متهم قالت إنه قتل الضحايا العشرة بمفرده، واعترف الرجل وأحالته النيابة إلى الجنايات، قبل أن تنهار أمام القضاء عناصر أساسية من قضية الاتهام ويحصل على البراءة.
وقعت المذبحة فجر 29 ديسمبر/ كانون الأول 2005، عندما عُثر على عشرة أشخاص من ثلاث أسر قتلى داخل ثلاثة منازل في عزبة شمس الدين التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا.
وأظهرت تقارير الطب الشرعي أن الضحايا تعرضوا لإصابات قاتلة في الرأس والعنق، وأن بقر جدران بطونهم وقع بعد الوفاة، مع استئصال الأعضاء التناسلية الخارجية للذكور. ولم يكشف التشريح فقدان أحشاء داخلية.
وساهمت طبيعة الجريمة في انتشار روايات عن السحر والبحث عن الكنوز والآثار واستخدام أعضاء الضحايا في طقوس غامضة. لكن هذه الروايات لم تتحول إلى حقيقة قضائية مثبتة، بل إن عدم فقدان أحشاء داخلية يناقض جانبًا من الروايات التي نسجت حول الجريمة.
بعد أيام من المذبحة، اتجهت التحريات إلى محمد علي محمد أحمد عبد اللطيف، وهو من أبناء المنطقة، قبل أن يصبح المتهم الوحيد في القضية.
وفي يونيو/ حزيران 2006، وافق النائب العام على إحالته محبوسًا إلى محكمة جنايات المنيا بتهمة قتل الأشخاص العشرة، وقالت النيابة إن التحقيقات انتهت إلى ارتكابه الجريمة بمفرده.
وبحسب رواية الاتهام، تنقل محمد بين المنازل الثلاثة عبر الأسطح، وقتل الضحايا، فيما قدم خلال التحقيقات اعترافًا تفصيليًا. واستندت النيابة كذلك إلى تحريات الشرطة وتقارير فنية ومضبوطات قالت إنها تدعم روايتها. لكن انتقال القضية إلى المحكمة قلب الصورة.
كان الزمن من أبرز المشكلات التي واجهت الاتهام. فالجريمة طالت عشرة أشخاص في ثلاثة منازل، وتضمنت قتل الضحايا وإحداث إصابات أخرى في الجثث بعد الوفاة.
وخلال تحقيقات النيابة، قال نائب كبير الأطباء الشرعيين جلال عبد الحميد سيد صالح إن الفترة الزمنية المرجحة لوقوع عمليات القتل تبلغ نحو ست ساعات، معتبرًا أن ساعتين لا تكفيان شخصًا واحدًا، حتى لو كان متمرسًا، لتنفيذ الأفعال المنسوبة إلى الجاني.
وتوقفت محكمة الجنايات أمام المعضلة نفسها، ولم تطمئن إلى إمكان ارتكاب شخص واحد الجريمة بالصورة الواردة في القضية خلال الإطار الزمني الذي قدمه الاتهام.
وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض، اعتبرت أن تشكك محكمة الجنايات في قدرة المتهم على قتل الضحايا جميعًا خلال نحو ساعتين ونصف الساعة كان من الأسباب السائغة لعدم اطمئنانها إلى الاتهام.
ولا يثبت ذلك مشاركة أكثر من شخص، وإنما يكشف إحدى الثغرات التي واجهت سيناريو الفاعل الواحد.
وزاد الطب الشرعي السؤال تعقيدًا. فالفحص الكيماوي لعينات الضحايا لم يكشف وجود مخدرات أو سموم أو مهدئات أو منومات معروفة. وخلال التحقيقات، قال مساعد كبير الأطباء الشرعيين إحسان أكمل جرجس إنه لم يجد إصابات تدل على مقاومة سابقة للاعتداء.
وهكذا بقي سؤال آخر بلا تفسير حاسم: كيف نُفذت جريمة بهذا الحجم داخل ثلاثة منازل من دون أن تكشف الجثث عن مقاومة تفسر كيفية السيطرة على هذا العدد من الضحايا؟
وكان اعتراف محمد علي عبد اللطيف من أهم عناصر الاتهام، لكنه تحول أثناء المحاكمة إلى واحدة من أبرز نقاط ضعفه.
فخلال تحقيقات النيابة في فبراير/ شباط 2006، اتهم أفراد من أسرته رجال شرطة باحتجازهم والاعتداء عليهم وتهديدهم بهدف دفع محمد إلى الاعتراف. وقال والده إن مسؤولين طلبوا منه أن يجعل ابنه "يشيل القضية"، على أن يقدم باعتباره مريضًا عقليًا. وتبقى هذه أقوالًا أدلى بها أفراد الأسرة خلال التحقيقات.
لكن المحكمة نفسها قالت لاحقًا إنها اطمأنت إلى تعرض المتهم لإكراه أثر في اعترافه أمام الشرطة وفي تحقيقات النيابة والمعاينات التصويرية، وقررت بطلان الاعتراف وعدم التعويل عليه.
وأيدت محكمة النقض هذا الجانب من الحكم. أما فرضية إصابة محمد باضطراب عقلي، فلم تثبتها اللجنة الطبية التي وضعته تحت الملاحظة، وانتهت إلى سلامة قواه العقلية.
وتظهر في المواد المنشورة عن القضية مفارقة أخرى تتعلق بأحد أهم الأدلة المادية.
فعند إحالة محمد إلى الجنايات، نُقل عن بيان للنائب العام أن تحليل الدماء التي لوثت جلباب المتهم أظهر بصمات وراثية خاصة بالمجني عليهم.
لكن تقرير الطب الشرعي المنشور لاحقًا قال إن فحص الجلباب لم يكشف تلوثات بدماء آدمية، مع الإشارة إلى احتمال وجودها في أجزاء مفقودة منه بعد فحص سابق للأدلة الجنائية. وفي التقرير نفسه، ورد أن الحذاء المنسوب إلى المتهم حمل دمًا تطابقت بصمته الوراثية مع دم إحدى الضحايا.
ثم أوردت حيثيات حكم البراءة المنشورة أن فحص الجلباب لم يظهر تلوثات دموية، وأن فحص فردتي الحذاء لم يثبت وجود تلوثات بدماء آدمية.
ولا تسمح المواد الصحفية المنشورة بحسم سبب هذا الاختلاف، أو معرفة ما إذا كانت الفحوص تناولت أجزاء مختلفة من الأحراز أو أجريت في مراحل مختلفة. والثابت فقط أن النتائج المنشورة بشأن آثار الدماء على المضبوطات جاءت متباينة.
ولم تقتصر مشكلة القضية على الاعتراف والأدلة الفنية.
فمحكمة الجنايات قضت ببطلان إذن النيابة بالقبض على المتهم وتفتيش مسكنه، بعدما رأت أن التحريات التي استند إليها غير جدية وغير كافية، ولم تطمئن إلى إجراءات التفتيش وضبط الجلباب والحذاء.
وأيدت محكمة النقض هذا الجانب من الحكم أيضًا.
وهكذا طالت شكوك المحكمة الاعتراف والتحريات وإجراءات القبض والتفتيش والتصور الزمني لتنفيذ الجريمة وجوانب من الأدلة المادية التي قدمها الاتهام.
المتهم بريء.. فمن القاتل؟
في سبتمبر/ أيلول 2006، قضت محكمة جنايات المنيا ببراءة محمد علي محمد أحمد عبد اللطيف. وطعنت النيابة في الحكم، قبل أن تؤيد محكمة النقض البراءة في ديسمبر/ كانون الأول 2008 وتصبح نهائية.
وبذلك خرج المتهم الوحيد من القضية، من دون أن يقدم المسار القضائي فاعلًا بديلًا.
ومع عرض "ما لم يُحكَ عن بني مزار"، عادت تقارير صحفية ومواد تعريفية إلى القول إن القضية "قُيدت ضد مجهول". لكن مراجعة المسار المنشور تظهر أن القضية أحيلت أصلًا ضد متهم معلوم، حوكم وبُرئ، ثم طعنت النيابة في براءته حتى أصبح الحكم نهائيًا.
أما قرار إعادة قيد الواقعة ضد مجهول، وتاريخه، وما أعقبه من تحريات، فلا يظهر بوضوح في المصادر القضائية والصحفية المنشورة التي أمكن مراجعتها. وهذا لا يعني أن القرار لم يصدر أو أن التحقيق توقف، لكنه يترك حلقة أساسية غائبة من الرواية المتداولة للقضية.
وبعد أكثر من عشرين عامًا، لا يظهر في السجل القضائي والصحفي المنشور شخص آخر أدين بارتكاب المذبحة.
وهنا ربما تكمن المفارقة الأكبر في بني مزار: ليس في السحر أو الكنوز أو الطقوس التي أحاطت بالجريمة، بل في مسار قضية أعلنت السلطات أنها عرفت مرتكبها، ثم انتهت إلى براءته من دون أن يظهر مدان آخر.
Loading ads...
موقع التلفزيون العربي - صحف مصرية
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





