44 دقائق
من الحظر إلى العصر الرقمي.. شبان بخلدون كنوز التراث الكردي
الإثنين، 21 سبتمبر 2026

يواصل العشرات من الشبان الكرد الفنيين والموسيقيين والشعراء، عملهم الدؤوب يوميا وينشطون كخلية نحل في "معهد التراث الكردي"، لينجزوا هدفهم المتمثل في إتمام جمع وأرشفة وإعادة إحياء وتحديث 25 ألف أغنية ومقطع موسيقي تراثي كردي خلال الشهور القليلة القادمة، قبل أن يحتفل المعهد خلال الشهور القادمة باليوبيل الفضي لتأسيسه.
كما يسعون لإتمام أرشفة ومسح وإعادة تحرير 20 ألف كتاب متعلق بالكرد وثقافتهم وتاريخهم، ومثلها عشرات الآلاف من المحفوظات المتعلقة بالحكايات الشعبية والروايات الأسطورية والرقصات والفنون العامة والصور والوثائق والأزياء والمنشورات التاريخية ذات الطابع الكردي.
هذه الأعمال هي جوهر نشاطات وأهداف "معهد التراث الكردي"، الذي يقع مقره الرئيسي في مدينة السليمانية في إقليم كردستان العراق، والتي توصف عادة بـ"عاصمة الثقافة الكردية".
تم تأسيس المعهد كمؤسسة مدنية غير حكومية عام 2003، بعد أسابيع قليلة من سقوط النظام العراقي السابق، ويترأسه منذ ذلك الحين الموسيقار الكردي المخضرم، مظهر خالقي. ويستهدف إعادة إحياء وتحديث التراث الموسيقي والغنائي والمحكي الكردي، بعدما كان الكثير من النقاد والمؤرخين والمؤسسات الثقافية الدولية تحذر من إمكانية اندثاره، بسبب سياسات الإنكار والمنع و"القمع الثقافي" الذي كان يتعرض له الكرد في مختلف دول المنطقة.
في حديث مطول مع DW عربية، يشرح الرئيس المؤسس للمعهد، الموسيقار مظهر خالقي، الرؤية الموجهة لأعمالهم وأهدافهم ويقول "لقد عاش الكرد في مناطقهم لقرون كثيرة بدون أنظمة حُكم دولتية، بمعنى أنه لم يكن ثمة مؤسسات أمنية وقوانين مدنية تضبط علاقتهم. كلن ورغم ذلك أنتجوا كمية هائلة من الأعمال والمواد الثقافية في مجال الموسيقا والحكايات والمرويات واللوحات والنشاطات، كانعكاس وتعبير عن إنسانيتهم وقيمهم العليا ومنظومة الأعراف وعالم الرموز ونوعية الثقافة في حياتهم اليومية".
ويضيف خالفي بأن الكرد تمكنوا عبر تلك الأدوات من "حماية الحياة واستمرارها في الجغرافيا الجبلية المعزولة والمعقدة التي عاشوا فيها، وكانت أداتهم لحفظ الذات أثناء الظروف القاهرة، كالمجاعات والغزوات والظروف الطبيعية الصعبة".
لذلك يرى أن إعادة إحياء وتحديث واستخدام ذاك التراث راهناً هو "رافعة لتعزيز نفس المنظومة من القيم الحامية للحياة". ويشير خالقي إلى أن المشروع "ليس مشروعاً كردياً بالمعنى القومي، فأعمال المعهد تمتد لتشمل ثقافات أبناء كل القوميات والأعراق والأديان التي تعيش في هذه الجغرافيا، من أرمن وآشوريين وسريان ويزيدين وغيرهم. ممن تجمعهم الظروف والمناخات نفسها، بحكم الجغرافيا".
طوال السنوات الماضية، عمل المعهد على "ملاحقة" التراث الغنائي والمحكي الكردي الذي أُنتج خلال القرون الستة الماضية، والذي يمكن تقفي بقاياه في سرديات من يؤدون تلك الأغاني "DengBêj”، وأناشيد الطرق الصوفية وترانيم طقوس الأديان القديمة في كردستان مثل "اليزيدية والكاكائية والزردشتية والميثرائية"، ومثلها أهازيج الأفراح وهتافات المناسبات الشعبية وألحان أغاني المرويات القصصية. لتُجمع كلها وتؤطر ضمن سياق محدد، قابل للاكتشاف والدراسة والنقد، وطبعاً للتحديث وإعادة النشر.
يرى الفنيون والحرفيون القائمون على المعهد، وأغلبهم من فئة الشباب الذين لا تزيد أعمارهم عن 35 عاماً، بأن عمليات القمع والإلغاء السياسي التي لحقت بالكرد طوال قرن كامل مضى، من قِبل الكثير من الأنظمة السياسية، مرت بمرحلة أولية كانت ذات طابع ثقافي. إذ تبنت العديد من الأنظمة والحكومات الإقليمية سردية تقوم على القول بعدم امتلاك الكرد لأيةلغة أو ثقافة أو أعمال فنية ذات قيمة ومضمون، ليرفعوا عنهم صفة "الشعب"؛ تمهيداً لإلغائهم سياسياً. ولهذا، فإن أعمال هؤلاء الشباب يتطلع إلى "كسر" حلقة الفراغ الجيلي التي فصلت الأجيال الكردية الراهنة عن تراث أجدادها، والتأكيد على ثراء وغزارة الإنتاج الثقافي والفني الكردي، وتالياً تثبيت الهوية السياسية للكرد كشعب إلى جوار الشعوب الأخرى.
للمعهد مكاتب في عدد من مُدن الإقليم، في كركوكودهوك وغيرهما من المحافظات. كما في دول أخرى مثل تركيا. ويتعاون مع مؤسسات إقليمية مثل (تراث خراسان) الإيرانية و(مؤسسة بلاد ما بين النهرين) التركية و(معهد اللغة الكردية) السوري. وجهود جميع هذه الجهات ترفد التنظيم الأوسع الذي تقوم به "جامعة إكستر" البريطانية، التي تسعى إلى خلق أرشيف تاريخي ضخم لكل فنون منطقة الشرق الأوسط.
في حديثه مع DW عربية، يوضح المسؤول الفني والتقني في المعهد المهندس الشاب "هوزان ديركي" آليات عمل المؤسسة، ويقول إن عملهم "لا يقتصر على البحث والجمع المجرد للتراث الغنائي والفني. فهذا ما قد يُحدث خللاً في إمكانية تذوقها وانتشارها في الأوساط الشعبية مجدداً". ويشير إلى دقة العمل بأن "كل الأعمال تخضع لعمليات ضبط ونقد وتفكيك معرفي وفكري مطولة، لتكون كل عبارة وكلمة فيها مفهومة ومتسقة، ضمن النص والبيئة المكانية والزمانية التي أُُنتجت فيها. ثم تبدأ عمليات التسجيل، بأحدث الآلات الموسيقية وتقنيات الصوت والتسجيل والتصفية. وتليها جهود في البحث والنشر والتشبيك مع قطاعات أخرى".
حسب ديركي، لا يتعلق الأمر بالموسيقا فحسب، فثمة آلاف الكتب التي أُعيد تحريرها وجمعها وضبطها وترتيبها، ثم عملت دار النشر التابعة للمعهد على نشرها والترويج لها في المؤسسات الجامعية والمعرفية والبحثية. وهناك قسم خاص بالوثائق والمخطوطات التاريخية التي كان يُراد لها الاندثار لأسباب سياسية.
ونظمت المؤسسة فعاليات بحثية ومعرفية متعددة، بغرض زيادة خبرات الشبان الكرد من مختلف دول المنطقة، وحتى المهاجرين منهم، المهتمين بهذه القضية. وخلال السنوات الماضية سعت لتنظيم مهرجانات وحفلات موسيقية وبرامج ثقافية في عدد من دول المنطقة والعالم، بغية التعريف بهذا الثراء، ذي الطابع الإنساني. ويجري راهناً العمل على تأسيس منصات متعددة على وسائل التواصل الاجتماعي، بغية زيادة نشر ما صار بحوزة المعهد. وثمة جهود رديفة لخلق قطاع خاص بالترجمة إلى جميع اللغات الإقليمية والعالمية لكل هذا التراث.
الفنان الكردي الشاب خليل عبد الله سعيد يرى ضرورة إعادة هيكلة المعهد ليكون قائماً على أسس أقوى، قادراً عبرها على الانتشار الكثيف في كل المناطق التي يتواجد فيها الكرد، وبشكل رسمي. سعيد، الذي تعاون لسنوات طويلة مع المعهد، جمع وحرر خلالها آلاف النصوص والألحان الموسيقية الكردية، وأصدر ألبومات موسيقية محدثة تقنياً حولها، يقول في حديث مع DW عربية، إن "ما يحتاجه المعهد راهناً هو تحويله إلى صيغة أكاديمية، ليكون جهداً مؤسساتياً ضمن سياق المعرفة الثقافية. وطبعاً هذا يحتاج إلى جهد قانوني ودعم مالي أكثر من قِبل الجهات الممولة، ولا سيما حكومة إقليم كردستان، التي تقدم رعاية معقولة حتى الآن".
Loading ads...
ويوضح سعيد بأن معهد التراث الكردي يقوم بجهود "جبارة في عملية حفظ اللغة الكردية وتأسيس قاموس موسيقي وفني وثقافي كردي، مستمد من التاريخ والتراث الكرديين، وهذا هو جوهر تكوين هوية ثقافية ذات بعد إنساني. وما يبذله المعهد راهناً في بقعة جغرافية وسكانية مُقتضبة، له أن يتوسع ليشمل كل دول المنطقة، وحتى العالم، فالثقافة الكردية مثل غيرها توسعت وانتشرت بفعل الهجرات الكثيفة خلال السنوات الماضية".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




