تعرفت سوزدار عبدو على كثير من الأمور عن مدينة حلب القديمة عقب الانفجارات التي وقعت حولها، وتقول عنها هذه المهندسة المعمارية التي تبلغ من العمر 34 سنة: "في كل مرة تقصف المدينة القديمة، تحس باهتزاز المكان بكامله، لذا كنت إثر ذلك أقرأ عن المكان الذي تعرض للقصف أو التدمير".
درست سوزدار الهندسة المعمارية بجامعة حلب عندما كانت القذائف تتهاطل كالمطر على المدينة خلال الحرب السورية التي امتدت من آذار 2011 وحتى كانون الأول 2024، وعن ذلك تقول: "كان البقاء على قيد الحياة أهم شيء"، إلا أن خسارة الأبنية القديمة بحلب كان مدمراً هو أيضاً، إذ تقول: "كانت تلك مدرسة عثمانية عتيقة جداً، وذاك مسجد قديم، أما ذاك فقد كان ميتماً"، ولذلك كانت الصواريخ التي تضرب الأبنية تحزنها أشد الحزن.
سوزدار عبدو المهندسة التي تعمل في بيت وكيل الذي يعود للقرن السابع عشر
واليوم، تجلس سوزدار في أرض ديار بيت وكيل، ذلك البيت الفسيح الذي يعود للقرن السابع عشر، والذي أقيم بين الأزقة الحجرية المتعرجة في المدينة القديمة التي خلفت الحرب فيها جراحاً غائرة، وقد بني هذا البيت أول الأمر ليكون مسكناً فسيحاً خاصاً بعائلة معينة، ثم تحول إلى مطعم وفندق بعد أن أصبح من أملاك كنيسة للروم الأرثوذوكس. وبفضل التمويل الذي قدمه البرنامج الثقافي لمؤسسة غيردا هينكل بألمانيا، إلى جانب تبرعات فردية أخرى، بات من الممكن لهذا البناء أن يعود لفتح أبوابه بعد تحويله إلى فسحة اجتماعية لمقهى أو إلى مطعم، إلا أنه اليوم يعتبر موقعاً إنشائياً، ولذلك نسمع صدى ضرب مطارق العمال بشكل إيقاعي من حول المهندسة سوزدار، وهنالك غلالة من غبار الحجر الكلسي تغطي كل الأسطح في هذا المكان. فسوزدار مهندسة من بين ثلاث مهندسات معماريات، وهما ديمة ديوب وراما عمر، يعملن على ترميم هذا البيت ليعود لسابق مجده.
حفظ التراث وصمود المجتمع
يعلق على ذلك الدكتور ماتياس ويندي، المدير التنفيذي لمؤسسة غريدا هينكل، فيقول: "يمثل هذا المشروع صلة وصل تربط بين حفظ التراث والثقافة وبين أرزاق الناس وصمود المجتمع، فهؤ يؤكد على أن مستقبل عملية إعادة الإعمار وصون التراث والثقافة لا يمكن إلا للمجتمع السوري نفسه رسم معالمهما".
حلب قبل الحرب في عام 2006
بعد عام واحد من سقوط نظام الأسد، ماتزال تلك المهمة الجسيمة المتمثلة بإعادة بناء البلد مكلفة ومعقدة، ومايزال أفق مدينة حلب القديمة، التي كانت تزخر بالأبنية الأثرية الجميلة، مدمراً وموحشاً. ولهذا، تدعم منظمات مثل اليونسكو عمليات حفظ التراث الثقافي في مواقع مثل المتحف الوطني بدمشق وقلعة حلب، بالإضافة إلى تقديم دعم طارئ للمتحف الوطني بحلب.
إلا أن الأبنية العادية في حلب التي تشمل البيوت والفنادق والعيادات على سبيل المثال، هي التي تعشقها منسقة المشروع، ديمة ديوب وفريقها، ويسعون لإحيائها من جديد، إذ تخبرنا ديمة بأنهم يرممون: "ما بقي من نسيج المدينة المحيط بالأوابد التاريخية الفريدة، أي تلك المواضع التي تتحرك فيها الحياة بشكل يومي على أرض الواقع".
في الوقت الذي بقيت آثار قديمة في مدن مثل دمشق بمنأى عن الحرب التي عصفت بالبلد لمدة 14 عاماً، تعرض المركز التاريخي لمدينة حلب التي صنفتها اليونسكو من بين مواقع التراث العالمي وذلك لأهميتها الثقافية الاستثنائية، لتدمير ممنهج من خلال القصف المكثف الذي شنته قوات النظام البائد وحلفائها، إلى جانب فصائل المعارضة المسلحة. وهكذا تعرض نحو 60% من الأبنية لأضرار بالغة، في حين دمر 30% منها بشكل كامل.
قبة بيت وكيل بعد ترميمها وإضافة الزجاج إليها حتى ينير قاعة الاستقبال الفسيحة
وسبب كل هذا التدمير برأي سوزدار هو أن: "جميع أطراف النزاع لا يحبون هذه المدينة" وذلك للاستقلالية التي حظيت بها حلب وسكانها، ولهذا حولت معركة حلب التي امتدت من عام 2012 وحتى عام 2016 المدينة القديمة والأحياء القريبة منها إلى خط جبهة، وأعقب ذلك دمار آخر لحق بالمدينة في شباط عام 2023، وذلك عندما ضرب زلزال شدته 7.8 درجة مدينة غازي عنتاب التركية القريبة من الحدود السورية، والتي لا تبعد سوى مسافة 241 كيلومتراً عن الشمال السوري، فتسبب ذلك الزلزال بتدمير 3500 بناء.
غير أن مهمة ترميم المدينة التي اضطلعت بها أولاء النسوة مهمة تحتاج لوقت طويل وعمل دقيق متقن، وبالاعتماد على أرشيف الصور الذي قدمه مشروع أرشيف التراث السوري في برلين، تشرف المهندسات المعماريات على فريق ماهر مؤلف من عشرين حرفياً لترميم تفاصيل الأعمال الحجرية في بيت وكيل وأقسامه. وبما أنهن ينحدرن من مشارب ثقافية متنوعة، نظراً لأن سوزدار كردية وراما سورية-سودانية، فقد جمع بينهن التزامهن بإحياء التراث السوري في آثار الطراز المعماري للبيوت، ولهذا امتلأ مكتبهن المؤقت بمخططات وصور وأجزاء من المشمع البلاستيكي وأدوات أخرى.
راما وهي توجه فريقها عند المستوصف
زخارف النوافذ المعقدة بعد ترميمها على يد الحرفيين
أثناء مسيرها تحت أقواس المداخل في البيت الفسيح، قالت ديمة متحدثة عن مدينة حلب القديمة: "ليست المسألة مسألة تراث أو ثقافة فحسب، بل إنه بيت حقيقي، ومكان لناس حقيقيين".
تدربت هذه المهندسة المعمارية على ترميم الأبنية التاريخية وتخصصت فيها، بعد أن درست التخطيط الحضري المتكامل والتصميم المستدام لتنال شهادة الماجستير في ألمانيا، ثم عملت لدى متحف الفنون الإسلامية ببرلين، حيث أتي بالألواح الخشبية للغرفة الحلبية الشهيرة فيه من هذا البيت بالتحديد. وهذا الشيء الجامع المباشر بين الموقعين هو الذي حول بيت وكيل إلى مشروع ترميم على الأرض، فقد بدأت الاستعدادات لتنفيذ هذا المشروع قبل أشهر قليلة من سقوط نظام الأسد.
تتذكر ديمة تلك الأيام فتقول: "كنا نسير فوق تلال من الركام، وهذا ما جعلني أشعر بأن ذلك يفوق قدرتي، ولا يمكنني إصلاح كل ذلك"، وعلى الرغم من تأجيل المشروع عدة مرات، والمخاوف الأمنية ولحظات غياب الوضوح العميقة التي انتابت الناس إثر سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024، حقق المشروع تقدماً خلال السنة التي أعقبت ذلك، فقد أصبح لبيت وكيل شكل ولو تم ذلك بوتيرة بطيئة، إذ يحتوي الآن على باحتين فسيحتين، وتزيينات حجرية، تجمع ما بين ما بقي من مواد أصلية وعناصر جرى ترميمها مؤخراً. وهكذا عادت إليه قبته المميزة، بعد أن زينتها قطع من الزجاج الملون الذي صار ينير قاعة الاستقبال الواسعة.
في موقع آخر يبعد مسيرة ربع ساعة سيراً على الأقدام ويعرف باسم "المستوصف"، يمضي أكثر من عشر عمال من مختلف الأعمار ساعات طويلة في ترميم بيت عربي عمره 200 عام، حتى يتحول في نهاية الأمر إلى مستوصف، وهناك تصعد راما البالغة من العمر ثلاثين عاماً إلى السطح لتوجه فريقها، ومن هناك يمكنها رؤية الدمار الذي مايزال ينتظر الإعمار بصورة أوضح.
منسقة المشروع المهندسة المعمارية ديمة ديوب في بيت وكيل
مهارات لامادية وعمارة مادية
تحدثنا ديمة عن تجربتها في بيت وكيل فتقول إنها في البداية كانت: "المرأة الوحيدة التي تعمل في موقع يضم خمسين رجلاً"، وذلك في بدايات عملها في تلك المهنة، وتتابع: "كان علي أن أدير الأمور وأعطي الأوامر، لكنهم لم يأخذوني على محمل الجد في البداية.. أما الآن فقد أضحت الأمور أسهل"، لأن النساء أصبحن يدربن الحرفيين على الطرق التقليدية لحفر الحجارة بما أن هذه الأساليب ضرورية لتزيين التفاصيل النهائية في معظم الأبنية الحلبية. وقد أتى هذا المشروع في توقيت حساس، بعد أن أصبح واحد من بين كل أربعة أشخاص في سوريا عاطلاً عن العمل، وغدا 90% من الشعب السوري تحت خط الفقر، مع تخوف من خسارة المعارف التقليدية، وعن ذلك تقول سوزدار: "أتولى مسؤولية التدريب"، إذ من المهم "رؤية ارتباط الناس بتراثهم، وطريقتهم في حفر الحجر بمحبة وعشق"، وتضيف: "يوفر ذلك فرص عمل، ويبقي المعارف حية، بل ينقلها من جيل لجيل.. أي أن المهارة اللامادية أنتجت هذه العمارة المادية".
ترميم أعمال حجرية وتزيينها
أعمال حفر الحجارة في حلب
"لا أحد يركز على الناس وما يحتاجونه"
مايزال مستقبل سوريا غير واضح المعالم، إذ ماتزال الأقليات خائفة بعد اشتباكات طائفية مروعة، كما مايزال تنظيم الدولة يهدد بالعودة. ولقد اندلع نزاع آخر في كانون الثاني من هذا العام في مدينة حلب بين قوات الحكومة الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية، وذلك في مكان لا يبعد كثيراً عن آثار المدينة القديمة، كما ظهرت تقارير منذ فترة أقرب حول حدوث عمليات قتل خارج الأطر القانونية، ناهيك عن موت عدد من الناس بسبب الألغام الأرضية التي لم تنفجر في محافظة حلب، وفي صورة نشرت مؤخراً ظهر صاروخ إيراني لم ينفجر بعد أن استقر في أرض زراعية بمدينة القامشلي، ما سلط الضوء على الخطر الذي توسع جراء الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وفي ظل انعدام الوضوح، تفضي كل مهندسة من تلك المهندسات المعماريات إلى الأخرى بمشاعرها المتضاربة تجاه التحدي المتمثل بإعادة بناء بلد لما تنته النزاعات فيه، فتقول ديمة: "لا أحد يركز على الناس وما يحتاجونه"، في إشارة لعدم وجود حوار وطني حول إعادة الإعمار وحفظ التراث، وتضيف: "ولكني متفائلة في مجال عملي".
المهندستان المعماريتان سوزدار وراما
تتابع ديمة حديثها بالقول: "فن العمارة هو الذي جمع بيننا وأعادنا إلى هنا، لأن في ذلك شكل من أشكال إعادة الإعمار بنظرنا، ويتمثل ذلك بجلوسنا سوية والبحث عن مشتركات تجمع بيننا بدلاً من الأمور التي تفرقنا".
تعتبر مثل هذه المشاريع منارة تنير درب مناطق أخرى شهدت نزاعات، فتعرضت مواقعها التراثية والثقافية للدمار أو لأضرار، وعن ذلك يقول الناطق باسم اليونسكو: "يعتبر التراث الثقافي عنصراً أساسياً للتماسك والصمود الاجتماعي، ولهذا لابد من حمايته وحفظه من أجل تلك المجتمعات ومن خلالها، وذلك حتى يسهم في تعافيهم ودعمهم، وفي ديمومة الأرزاق وتعزيز حالة الانتعاش والتشافي".
بالنسبة لراما، فإن حفظ التراث الثقافي يعني عودة الحياة لسابق عهدها أيضاً، وقد تبلورت هذه الرؤية منذ مدة برأيها، ولهذا تقول: "بعد عامين من الآن، سيغص هذا المكان بأشخاص يتحدثون إلى بعضهم بعضاً". وتضيف ديمة بأن العمل على الأرض آخذ بالتوسع، وهنالك مخططات للبدء بالعمل على موقع خان الوزير الأثري الذي كان مركزاً تجارياً في غابر الأزمان.
أما بالنسبة لسوزدار، فإن العمل بحد ذاته "ملاذ" بالنسبة لها، و"خاصة بعد أن صرت أعمل مع راما وديمة، فقد أصبحنا صديقات لا مجرد زميلات، وهذا ما يعطيني أملاً كبيراً".
Loading ads...
المصدر: The Financial Times
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

