ساعة واحدة
بين الخوف والانقسام.. لماذا تستقطب قضايا الخطف السوريين؟
الثلاثاء، 12 مايو 2026
أثارت قضية الشابة بتول علوش جدلاً واسعاً خلال الأيام الأخيرة، بعد تضارب الروايات حول ظروف اختفائها وظهورها لاحقاً في بث مباشر نفت فيه تعرضها للاختطاف مؤكدة مغادرتها المنزل بإرادتها. وفي المقابل، أكدت الجهات القضائية في اللاذقية عدم وجود شبهة خطف بحقها، ما جعل القضية محور نقاش إعلامي ومجتمعي واسع.
وتأتي هذه التطورات ضمن سياق متكرر من الجدل حول بلاغات الاختفاء في مناطق مختلفة، خصوصاً في الساحل، وسط تباين بين روايات العائلات والجهات الرسمية. وبينما ترفض عائلة الفتاة رواية المغادرة الطوعية، تتواصل الدعوات لفتح تحقيقات مستقلة في مثل هذه القضايا، في وقت تؤكد فيه وزارة الداخلية أن معظم البلاغات التي جرى التحقق منها لم تثبت أنها حالات خطف.
وقال المحلل السياسي محمد صالح، خلال مشاركته في برنامج "سوريا اليوم" على شاشة "تلفزيون سوريا"، إن النيابة العامة لم تقم بتوقيف الفتاة لعدم وجود مبرر قانوني لذلك، نافياً في الوقت نفسه صحة بعض الروايات التي تحدثت عن وجود تدخل قضائي مباشر أو أن القضية تتعلق بحالة خطف مؤكدة، مشيراً إلى أن كثيراً مما تداولته وسائل التواصل يحتاج إلى تدقيق وعدم الاستعجال في إطلاق الأحكام.
وأضاف أن ما جرى في هذه القضية من تفاعل إعلامي واسع لم يكن، بحسب وصفه، موفقاً في طريقة العرض والإخراج، وأن بعض الصيغ التي جرى تداولها في الإعلام أو على منصات التواصل جاءت غير دقيقة أو منقوصة، وهو ما ساهم في خلق حالة من الالتباس لدى الرأي العام ورفع مستوى التوتر حول القضية بدل تهدئتها، لافتاً إلى أن تضخيم الأحداث بهذا الشكل لا يعكس بالضرورة حجم الواقعة الحقيقي أو تفاصيلها القانونية.
وأشار إلى أن خطورة ما يحدث لا تتعلق فقط بالقضية بحد ذاتها، بل بطريقة تناولها إعلامياً واجتماعياً، حيث اعتبر أن هناك مستوى من التحريض المتصاعد وخطاب الكراهية الذي قد ينعكس سلباً على السلم الأهلي، محذراً من أن الاستثمار السياسي أو الإعلامي في مثل هذه القضايا الحساسة قد يؤدي إلى نتائج خطيرة، ومؤكداً أن مسؤولية الخطاب تقع على جميع الأطراف دون استثناء.
وأكد أن المرجعية الأساسية في مثل هذه القضايا يجب أن تكون القانون، داعياً إلى ترك المسار القضائي يأخذ مجراه الطبيعي، ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها في التحريض أو نشر معلومات مضللة، مع التشديد على أن الحلول الأمنية أو الإعلامية لا يمكن أن تحل محل القضاء، بل يجب أن تدعمه وتحترمه. وتطرق أيضاً إلى الحديث عن أوضاع اجتماعية مرتبطة بالنساء، مشيراً إلى وجود حالة من الخوف لدى بعض الفتيات في ما يتعلق بالحركة أو الإفصاح عن أماكن تواجدهن، وذكر أن هناك حالات فردية تحدث عنها مطلعون على الأرض تتعلق بالاختفاء المؤقت أو الامتناع عن التصريح، معتبراً أن هذه المؤشرات تحتاج إلى معالجة اجتماعية ومؤسساتية أعمق، دون أن يعني ذلك تعميمها على كل الحالات.
وأكد على أهمية دور المجتمع المدني في هذه المرحلة، مع ضرورة احترام الحريات الفردية ضمن إطار القانون، وعدم التعامل مع النساء كأطراف غير قادرة على اتخاذ قراراتها، إضافة إلى ضرورة الفصل بين دور الرقابة المجتمعية ودور القضاء، والعمل على تعزيز الثقة بالمؤسسات القانونية كمرجعية أساسية، بعيداً عن الاستقطاب أو تبني رواية واحدة في قضايا شديدة الحساسية.
من جهة أخرى، قال المحامي والناشط الحقوقي، غياث دبور، إن القضية يجب التعامل معها من منظور قانوني بحت، بعيداً عن التأويلات والتفسيرات المتداولة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن جريمة الخطف في القانون السوري محددة الأركان ولا تثبت إلا بوجود دليل مادي ومعنوي واضح.
وأضاف غياث أن ما جرى في قضية الشابة بتول لا يقدم مؤشرات قانونية على وقوع جريمة خطف، مشيراً إلى أن ظهورها العلني أمام وسائل الإعلام وخضوعها للاستجواب أمام النائب العام وتدوين أقوالها في محضر رسمي، كلها إجراءات قانونية لا يمكن الطعن فيها إلا عبر طرق محددة كالتزوير.
وفي معرض رده على سؤال حول كيفية التحقق من عدم وجود ضغط أو إكراه، أوضح غياث أن دور القضاء لا يقتصر على أقوال الشخص المعني فقط، بل يشمل إجراءات تحقيق رسمية يمكن أن تتضمن الاستماع إلى الشكوى المقدمة من الأهل، والتحقق منها عبر استدعاء المعنية وسؤالها مباشرة أمام الجهات القضائية المختصة، إضافة إلى الإجراءات القانونية الأخرى التي يقررها القضاء بحسب كل حالة.
وأشار إلى أن الأهل يملكون الحق في تقديم شكوى وتوكيل محامٍ لمتابعة الملف أمام النيابة العامة، مؤكداً أن الفصل في مثل هذه القضايا يتم داخل أروقة القضاء وليس عبر منصات التواصل الاجتماعي أو الروايات المتداولة.
كما رأى غياث أن ما يُنشر على وسائل الإعلام ومواقع التواصل قد يسهم في تضخيم القضية وتوجيهها نحو أبعاد اجتماعية أو طائفية، داعياً إلى ضرورة الاحتكام إلى المؤسسات القضائية باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بإثبات أو نفي الوقائع.
وختم بالقول إن القانون هو الضامن الأساسي في مثل هذه الملفات، وإن أي ادعاء سواء بالخطف أو بالاختيار الشخصي يجب أن يُحسم عبر إجراءات قضائية رسمية، لا عبر الانطباعات العامة أو الجدل الإعلامي.
من جهة أخرى رأى الناشط في السلم الأهلي، خالد كمال، أن الجدل الدائر حول قضية الشابة بتول تجاوز حدودها الفردية، ليأخذ أبعاداً إعلامية واجتماعية أوسع مما يحتمله الملف، معتبراً أن ما جرى جرى تضخيمه بشكل كبير، على حد تعبيره.
وأكد خالد أن القضية، من وجهة نظره، لا تخرج عن كونها حالة شخصية مرتبطة بتغيير في المعتقد أو الاختيارات الفردية، مشيراً إلى أن مثل هذه الحالات ليست جديدة على المجتمع السوري، وإنما يتم التعامل معها بشكل مختلف تبعاً للسياق الاجتماعي والإعلامي المحيط بها.
وفي معرض حديثه، أشار إلى أن الإشكالية الأساسية تكمن في "الخطاب المتشدد" والتأويلات الدينية أو الطائفية التي قد تُسهم في تعميق الانقسام، محذراً من الانزلاق نحو توصيفات جماعية أو تعميمات طائفية على خلفية القضية.
ورأى خالد أن ما جرى عرضه في البث المباشر الأخير يعكس حالة من التوتر الاجتماعي وسوء إدارة المشهد الإعلامي، منتقداً كثافة الحضور الإعلامي والطريقة التي طُرحت بها الأسئلة، معتبراً أن ذلك قد يضع الشخص المعني تحت ضغط غير مبرر.
كما شدد على أن البنت، وفق ما ظهر في التسجيلات العلنية هي شخص بالغ وراشد وقادر على اتخاذ قراراته، معتبراً أن أقوالها العلنية تمثل عاملاً أساسياً في تقييم القضية، إلى جانب الإجراءات القانونية الرسمية.
وفي سياق آخر، لفت خالد إلى أن المجتمع السوري، كما وصفه، يعاني من حساسية اجتماعية وطائفية تتطلب تعزيز مفهوم السلم الأهلي والاحتكام إلى الدولة ومؤسساتها، محذراً من أن تضخيم القضايا الفردية قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي.
وأن معالجة مثل هذه القضايا، يجب أن تكون عبر مؤسسات الدولة والقضاء، بعيداً عن الاستقطاب الإعلامي، وبما يضمن حماية المجتمع ومنع انزلاقه نحو مزيد من التوتر.
كما قالت مديرة منظمة "سوار" نيسان بابلي في برنامج سوريا اليوم إن ملف حالات الاختفاء أو ما يُتداول على أنه حالات اختطاف في سوريا يحتاج إلى مقاربة دقيقة تعتمد على التوثيق المهني والفصل بين الحالات المختلفة، سواء كانت جنائية أو مرتبطة بخلافات أسرية أو بدوافع اجتماعية أو شخصية.
وأضافت بابلي أن المنظمات الحقوقية العاملة في هذا المجال تواجه تحدياً كبيراً في عملية الفرز والتحقق، خصوصاً في ظل تضارب الروايات وضعف الوصول إلى معلومات مكتملة في بعض الحالات، مشددة على ضرورة عدم تعميم أي نمط أو ربط جميع الحالات بسياق واحد، لما لذلك من أثر مباشر على السلم الأهلي والثقة المجتمعية.
وفي ما يتعلق بقضية الشابة بتول، أشارت بابلي إلى أن هناك روايتين متداولتين: رواية الفتاة التي ظهرت في تسجيلات علنية، ورواية العائلة التي تحدثت عن انقطاع التواصل معها، معتبرة أن حسم هذا النوع من الملفات يجب أن يبقى من اختصاص القضاء، بعيداً عن الضغط الإعلامي أو الاستقطاب المجتمعي.
كما شددت على أن السياق الإعلامي الذي يرافق مثل هذه القضايا غالباً ما يؤدي إلى تضخيمها وإعادة إنتاجها ضمن أطر طائفية أو سياسية، وهو ما ينعكس سلباً على الجهود الحقوقية الرامية إلى بناء ثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، على حد تعبيرها.
وفي سياق متصل، لفتت إلى أن قضايا النساء في سوريا يجب ألا تُختزل في بعد واحد، سواء كان أمنياً أو اجتماعياً، مشيرة إلى أن هناك حاجة لفهم أعمق للعوامل التي قد تؤدي إلى حالات انقطاع التواصل أو تغيّر المسارات الحياتية لبعض الفتيات، مع التأكيد على ضرورة حماية الحقوق الفردية ضمن إطار القانون.
كما حذّرت من أن تداول هذه القضايا على منصات التواصل الاجتماعي دون تحقق كافٍ قد يؤدي إلى تغذية الانقسام الاجتماعي، معتبرة أن المرحلة الحالية تتطلب مسؤولية أكبر في الخطاب العام، لا سيما في الملفات الحساسة التي تمس السلم الأهلي.
Loading ads...
وأكدت بابلي على أن المجتمع المدني مدعو لأخذ دوره الرقابي والتوثيقي في آن واحد، مع ضرورة العمل جنباً إلى جنب مع المؤسسات الرسمية والقضائية، من أجل الوصول إلى حقائق دقيقة، تضمن حماية النساء من جهة، وتعزز الاستقرار المجتمعي من جهة أخرى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

