في جلسة جمعتني بأحد المشايخ المتحدرين من عائلة عاملية تملك تاريخاً دينياً أباً عن جد، توقّف عند فكرة أنّ "الناس أحبّوا السيّد عبد الحسين شرف الدين لأنه كان ثوروياً والناس بطبيعتها تحبّ الثوار. غيفارا خير مثال على ما أقول".
واصل الشيخ حديثه، ورجعت في الذاكرة إلى حلقات في بيت جدّي حول السيد شرف الدين وغيره من علماء جبل عامل ودورهم في شحن الناس لينالوا مطالبهم بطرد المحتل ويكونوا مقاومين للظلم. الحلقات الحوارية في جبل عامل، جزء لا يتجزأ من الثقافة العامة، إذ يجلس الكبار ويختارون موضوعاً محدّداً ويناقشونه. يشرّحونه مستخدمين مباضع العلم والثقافة والتاريخ.
حفل جبل عامل في تاريخه بالاضطهاد والحرمان، وما كانت الدولة حاضرةً ولا كانت مدافعةً عن أبنائها، فخلت الساحة للمشايخ والعلماء وللماركسيين والقوميين وغيرهم من دعاة التحرّر ورفع الظلم.
لم يكن السيد عبد الحسين حالةً شذّت عن ممارسة دورها الديني في الدعوة والإرشاد والإصلاح والأمر بالمعروف، بل قام بما يقتضي أن يقوم به كل رجل دين.
زخر جبل عامل أيضاً بالكثير من العلماء والمشايخ والحوزات، لكن قلّةً من رجال الدين ذهبت في اتجاه الجهاد لرفع الجور والظلم عن الناس لاعتبارات لستُ في صدد مناقشتها، إذ إنّ ما أسرّ به الشيخ وجدت فيه فعلاً أثراً من غيفارا، ومن سيرة السيد، ودخل الثائر الأممي إلى قلبي.
عندما وقف السيّد شرف الدين في مؤتمر وادي الحجير سنة 1920، وتلا ورقة المبادئ، والتي تلخصت عناوينها برفض الاستعمار والتقسيم ودعم الحكم الوطني العادل وانتهاء بالوحدة الوطنية والسلم الأهلي، لم يكن غيفاريّاً أو ماركسيّاً، بل كان رجلاً ذهب إلى حوزة دينية ووصل بعلومه إلى درجة عرف فيها معنى الوطن والاستقلال والسلم الأهلي.
وكان من أهم ما قرّره المؤتمر، تنظيم العمل المسلّح وضبطه في قرى جبل عامل وعدم التعدّي على حرمات المواطنين إلى أي طائفة انتموا.
أخذت بعض الشخصيات الدينية والمدنية على السيد عبد الحسين رفضه انضمام جبل عامل إلى دولة لبنان الكبير، ما تسبّب في تأخير بسط الدولة سلطتها واستدرار التنمية إلى القرى والبلدات الجنوبية، وتناسوا أنّ السيد كان من دعاة الوحدة العربية، خاصةً بلاد الشام، لمنع اتفاقية التقسيم سايكس بيكو من تحقيق أهدافها. واليوم، بعد أكثر من قرن على تلك الاتفاقية، تستعيد مواقفه حضورها في النقاش.
المبادئ التي أرساها السيد شرف الدين تزامنت مع انتصار الثورة البلشفية في روسيا، وتقاطعت لاحقاً بعض شعاراتها وقيمها الثورية مع تجارب المقاومة المسلّحة، وفي بعض مراحلها تلاقى الفكر الديني الحسيني مع الفكر الماركسي اللينيني.
نعم، الناس تحبّ الثائر. الثائر يدافع عن حقوقهم وينحاز لقضاياهم ويحفظ حريتهم. أما الواعظ والمبشّر والداعي بلا حركة ثورية، فتنظر إليه العامة كدور سالب. الوعد بالجنة يبدأ من العمل في الحياة الدنيا برفع المظلومية والدفاع عن المظلومين.
التاريخ القديم حفل بالكثير من الكهنة والآباء الثوريين في الأمريكتين وفي أوروبا وإفريقيا، ومعظمهم إما قضى قتلاً أو اتُّهم بالتجديف أو سُجن، ولنا في مارتن لوثر كينغ، المناضل الذي واجه عنصرية المجتمع الأمريكي وقضى مقتولاً سنة 1968، مثال.
لم تشهد طائفة من الطوائف المكوّنة للبنان حراكاً ثقافياً وسياسياً كالذي شهدته وتشهده الطائفة الشيعية، ففيها المتديّن المُعمّم والماركسي والملحد والقومي الاجتماعي والناصري واليساري "اللايت".
جبل عامل هذا، كان السيّد واحداً من مصادر إلهامه مع السيد محسن الأمين وغيرهما. وتجسّدت أسس العمامة المقاوِمة والثائرة لاحقاً في حركة السيد موسى الصدر في لبنان.
انعكست حركة السيّد على تعمّقي شيئاً فشيئاً في الماركسية، أو لأكون أكثر دقةً في حركة غيفارا الثورية في جبل عامل.
كنت أستمع إلى الأغنيات الثورية، وكذلك أهلنا ومن هم أكبر منّا سنّاً، فكانت أغنيات مارسيل خليفة وأحمد قعبور عن الجنوب، وأناشيد زياد الرحباني الثورية "جايي مع الشعب المسكين"، وأغنيات سميح شقير والشيخ إمام، تملأ قرى الجنوب وساحاته.
وكانت أغنية "غيفارا مات" من أكثر الأغنيات التي أبكتني في مراهقتي. في "غيفارا مات" يتوقف الرقص. كأنّ الشيخ إمام بصوته يستعيد هيبة الموت ويدعو الجمهور للجلوس. فهذه ليست أغنيةً للرقص بل "مارش" جنائزي لثائر. لا أحد يرقص عند سماع "المارش" الجنائزي لفريديريك شوبان.
في تشكّل وعيي السياسي في صور، حاضرة جبل عامل، كان السيّد موسى الصدر حاضراً بصوته وتسجيلاته وقامته المرفوعة وعينيه المشروحتين كمجاري نهر الليطاني، فكان الرديف الأقوى لغيفارا. السيجارة مقابل السيجار، و"البيريه" مقابل العمامة.
للسيد الصدر أيضاً مكانة في قلبي بشكل خاص، إذ تلعب قرابة النسب والتصاهر بين العائلات دوراً، لكن مكانته كانت أعمق، فهو الآتي في لحظة فراغ لبنانية وعاملية بشكل خاص ليملأها بحضوره الثوري المتكامل.
لم يكن الجنوب عنده مستقلاً عن الوطن، بل كان هو الوطن: "لن يبتسم لبنان ما دام جنوبه متألماً" قال، وعنى كل بقعة جغرافية في الاتجاهات الأربع. عندما استنهض الفعل المقاوِم، استعان السيد بمقولته الشهيرة "ليسوا أقوى من أمريكا ولسنا أضعف من فييتنام"، في إشارة إلى حتمية النصر، نصر أبناء الأرض على المحتل.
هذا الحُسيني الغيفاري، إذا جاز التعبير، استكمل في مسيرته مسيرة السيد عبد الحسين ومن رافقه وكان أول من سعى إلى حماية المقاومة الفلسطينية، وكان من أشدّ المدافعين عن المكوّنات اللبنانية.
جسّد الصدر حركةً كاملةً من الوعي الثوري التقدمي الإسلامي، ورماني أكثر فأكثر في حضن غيفارا، الثائر الذي لو التقاه لكان التاريخ تغيّر بالمعنى الفلسفي.
وكغيره من الرموز المقاوِمة، غُيّب السيد موسى قسراً، وما زلت أرى في العمامة المقاوِمة تجسيداً للعدالة الاجتماعية والتحرر والمساواة وتأمين فرص العمل والحق في التعليم والطبابة والحفاظ على الثروة الوطنية والقضاء على الفساد.
هذا الفهم هو تاريخ السيد عبد الحسين، ولا أغفل عن حق من كان معه من العلماء والمجاهدين ومن أيّده وناصره. فلطالما كان جبل عامل حركةً ثوريةً لا حركةً دينيةً راكدةً خلف جدران الحوزات.
غيفارا كان الأقرب إلى قلبي، والسيد الأقرب إلى عقلي.
غيفارا استشهد بعد أسره، ومثّل السيجار في يده و"البيريه" الشهيرة صورة المناضل الرومنسي، كما مثّلت العمامة على رأس السيد شرف الدين كلمة الله وتعاليم الدين.
لكن المفارقة أنّ الشيوعيين نجحوا في صناعة صورة القائد الأممي ذي الأصول الأرجنتينية والمولود بعد تسع سنوات من مؤتمر وادي الحجير، وترسيخها في الذاكرة الجمعية؛ فحضر غيفارا في الفنون التشكيلية والغرافيتي وفي الأغنيات الثورية والشعر والرواية والأدب، في حين بقي ثوار جبل عامل، على ما يبدو، أسرى نقاش عقيم حول شعبية السيد عبد الحسين وأسبابها.
خرج من آل شرف الدين والأمين وشمس الدين والعبد الله ومروة وشرارة وغيرهم الكثير من الشعراء والصحافيين والكتّاب، وتأثّر جبل عامل بشعراء شباب أُطلِقت عليهم تسمية "شعراء الجنوب"، وكانوا في معظمهم إما من اليسار أو من الماركسيين، وحافظوا، برغم اختلاف العقائد، على ذكر نضال السيد ورفاقه ضد المحتل ودفاعهم عن الهوية الوطنية ورفع الظلم والتهميش.
التقت العقيدتان، الغيبية والمادية، وأنبتت لاحقاً في جبل عامل حالةً ثوريةً مقاوِمةً لا تستكين.
دخل غيفارا إلى قلبي من عمامة السيد، لأنه نطق كلماته. اخترت طوعاً غيفارا البطل واخترت سيرة السيد شرف الدين ونضاله في الميادين والساحات.
هي علاقة خاصة ومن نوع آخر بين رجلَين كبيرين شكّلا وعياً كاملاً لأجيال من قبلي. اخترت القضية الأممية في البيان الشيوعي "يا عمّال العالم اتّحدوا"، وآمنتُ بأنّ الأغلال هي خسارتنا الوحيدة إذا ما ثرنا.
اليوم، يستعيد جبل عامل هذين الثائرين من ركام البيوت التي دمّرها الاحتلال، ومن الأرض المحروقة والمسلوبة ومن دماء أبنائه.
ربما كان جبل عامل اليوم بحاجة إلى "سيزيف"؛ لا سيزيف العابث، وإنما ذاك الذي لا ييأس من دفع الصخرة إلى قمة الجبل برغم يقينه بأنها ستعود إلى التدحرج نزولاً.
Loading ads...
هكذا هي العمامة المقاوِمة؛ لا تيأس ولو عوقبت أو غُيّبت، تخرج من قلب الحوزة إلى الناس وبينهم تنمو.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






