يثير بحث واشنطن خيار سحب قواتها من سوريا تساؤلات واسعة حول المستفيد الحقيقي من هذا التحول المحتمل، في ظل تحركات إقليمية متسارعة وفراغ أمني مرشّح لإعادة تشكيل موازين النفوذ، ولا يقتصر هذا النقاش على بعده العسكري، بل يفتح الباب أمام صراع نفوذ هادئ بين قوى إقليمية ودولية، تسعى كل منها للاستعداد لملء الفراغ في حال تحقّقه، ما يجعل سؤال الرابح والخاسر أكثر إلحاحا.
فـدراسة سحب القوات الأميركية من سوريا لا تُعد خطوة عسكرية معزولة، بل لحظة سياسية كاشفة تعكس تحوّلا في أولويات واشنطن، وقد تعيد رسم توازنات النفوذ في واحدة من أكثر الساحات تعقيداا في الشرق الأوسط، فحين تلوّح قوة كبرى بالانسحاب، لا يعني ذلك بالضرورة نهاية الصراع، بل فتحه على مرحلة جديدة أقل صخبا وربما أكثر خطورة.
والسؤال هنا لا يتعلق فقط بدوافع واشنطن، بل بالنتائج المحتملة، من يستعد لملء الفراغ؟ ومن قد يدفع ثمن هذا التحول إن وقع؟
واشنطن تراجع الكلفة
في الواقع، لا تُعدّ دراسة الولايات المتحدة إنهاء وجودها العسكري في سوريا خطوة طارئة، فقد سبق للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن أعلن رغبته بسحب القوات الأميركية خلال ولايته الأولى، في محاولة لم تُفضِ إلى خروج كامل بقدر ما انتهت بانسحاب جزئي واعادة تموضع، بعد تدخلات إسرائيلية حدّت من تنفيذ القرار بالكامل.
ونتيجة ذلك، استمر الوجود الأميركي في سوريا عند مستوى يقارب 900 جندي، ما يعكس تردداا مزمنا في حسم هذا الملف.
اليوم، يعود النقاش الأميركي الى الواجهة مجددا، ولكن في سياق مختلف، يتقاطع مع تطورات ميدانية متسارعة في شمال شرقي البلاد، وتآكل الشريك المحلي الذي اعتمدت عليه واشنطن طوال سنوات، إلى جانب تصاعد المخاوف الأمنية المرتبطة ببنية الجيش السوري الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
وبحسب ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال، لم يعد النقاش داخل الإدارة الأميركية يدور حول “متى” تنسحب القوات من سوريا، بل حول “كيف” وبأي كلفة سياسية وأمنية.
فواشنطن تجد نفسها اليوم أمام معادلة مختلفة جذريا عن تلك التي برّرت وجودها منذ عام 2014، حين شكّلت الحرب على تنظيم “داعش” الإطار الجامع للتدخل العسكري.
نهاية الشراكة مع “قسد”
وتقول الصحيفة إن أحد العوامل الحاسمة في مراجعة القرار الأميركي هو تآكل الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي كانت تشكّل الذراع البرية الأساسية للولايات المتحدة في شمال وشرق سوريا.
فمع تحرّك الرئيس أحمد الشرع لفرض سيطرته على تلك المناطق، وانحسار قدرة “قسد” على الصمود سياسيا وعسكريا، لم يعد لدى واشنطن شريك محلي يمكن الرهان عليه في المرحلة المقبلة.
وبحسب الصحيفة، فإن الإدارة الأميركية لا ترى في الجيش السوري الجديد بديلا مقبولا.
فبحسب مسؤولين أميركيين نقلت عنهم وول ستريت جورنال، يُنظر إلى العمل مع هذا الجيش على أنه محفوف بمخاطر كبيرة، في ظل اتهامات بوجود عناصر متعاطفة مع التيارات الجهادية داخل صفوفه، وروابط سابقة لبعض أفراده بتنظيمي “القاعدة” و”داعش”، إضافة إلى تورط آخرين في انتهاكات بحق الأكراد والدروز.
وترى الصحيفة أن عاملا آخر يثقل قرار الانسحاب يتمثل في مصير آلاف سجناء تنظيم “داعش” المحتجزين في شمال شرقي سوريا.
ورقة الضغط هذه التي كانت بيد “قسد” وكانت الحكومة السورية تأمل بالاستحواذ عليها، حرمتهم إيها واشنطن وبدأت بنقل سجناء التنظيم إلى العراق.
فبحسب مسؤول أميركي، نقلت واشنطن نحو 7000 معتقل من أصل 9000 إلى العراق، وسط مخاوف جدية من فرار أعداد منهم مع انتقال السيطرة على مراكز الاحتجاز وتراجع القدرة على ضبطها.
هذه المخاوف لا تتعلق فقط بإعادة تنشيط التنظيم، بل بإمكانية تحوّل الانسحاب الأميركي نفسه إلى عامل فوضى إضافي يسرّع تفكك الترتيبات الأمنية الهشة التي أُقيمت خلال سنوات الحرب.
في المحصلة، لا يبدو أن واشنطن تنسحب من سوريا لأنها حققت أهدافها، بل لأنها لم تعد ترى في بقائها جدوى استراتيجية واضحة.
وهذا الانكفاء، مهما قُدّم بوصفه قرارا سياديا، يفتح الباب واسعا أمام سؤال أكبر، من يملأ الفراغ، وبأي أدوات، وعلى حساب من؟
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
قلق دولي من عودة “داعش”
لا تقتصر تداعيات احتمال تراجع الوجود الأميركي في سوريا على الحسابات الإقليمية فحسب، بل تمتد إلى قلق أوروبي متزايد من عودة تنظيم “داعش” إلى الواجهة.
فبالنسبة لعواصم مثل باريس ولندن وبرلين، لا يُنظر إلى الفراغ الأمني في شمال سوريا بوصفه مشكلة سورية داخلية، بل كخطر عابر للحدود قد يرتد مباشرة على الأمن الأوروبي.
هذا القلق لا ينبع من تقديرات نظرية، بل من واقع ميداني هش، حيث تتمركز مخيمات وسجون تضم آلافا من عناصر التنظيم وعائلاتهم، في مناطق شهدت خلال السنوات الماضية اختراقات أمنية متكررة ومحاولات هروب. أي خلل في منظومة السيطرة على هذه المواقع، سواء نتيجة انسحاب قوة دولية أو تفكك الشركاء المحليين، قد يفتح الباب أمام إعادة تنظيم صفوف “داعش” واستعادة قدرته على العمل.
في هذا السياق، تعكس التحركات الدبلوماسية الأوروبية-الأميركية الأخيرة إدراكا مشتركا بأن محاربة التنظيم لم تنتهِ بعد، وأن الانسحاب غير المحسوب قد يحوّل مكافحة “داعش” من ملف مُدار إلى أزمة مفتوحة. غير أن هذا القلق الأوروبي يصطدم بواقع محدودية الأدوات، إذ تمتلك أوروبا هامش تأثير سياسي، لكنها تفتقر إلى قدرة مستقلة على ملء الفراغ الأمني في حال انسحبت واشنطن فعليا.
وبذلك، تبدو المخاوف الأوروبية أشبه بمحاولة كبح النتائج، لا منع الأسباب، تحذير من عودة الخطر، من دون امتلاك استراتيجية واضحة لمعالجة الفراغ الذي قد يسمح بعودته.
الفراغ كفرصة استراتيجية
في شمال وشرق سوريا، حيث كان الوجود الأميركي يشكّل مظلة ردع وحدا أدنى من التوازن، خلق الانسحاب حاله فراغ أمني وسياسي. هذا الفراغ لا بنتظر طويلا، بل يُلتقط سريعا من الطرف الأكثر استعدادا.
وهنا تبرز تركيا، لا باعتبارها اللاعب الأعلى صوتا، بل الأكثر جاهزية. والأقرب جغرافيا وذات نفوذ في سوريا منذ بداية الصراع السوري.
في السنوات الأخيرة، بدا جليا أن أنقرة اختارت مسارا مختلفا في تحركاتها داخل الساحة السورية، بعيدا عن منطق الاجتياحات الواسعة أو المواجهات المباشرة.
فهي تفضّل التقدم بخطوات صغيرة ومحسوبة، مثل إنشاء نقاط عسكرية محدودة، إقامة قواعد صغيرة، توسيع الحضور الاستخباراتي، دعم فصائل محلية، إلى جانب التغلغل عبر جمعيات مدنية ونشاط اقتصادي منظم.
كل خطوة على حدة قد تبدو غير كافية لاستفزاز ردّ حاسم، لكن تراكُمها بمرور الوقت يخلق واقعا جديدا على الأرض، واقعا يصبح من الصعب تفكيكه أو التراجع عنه لاحقا.
وفي هذا السياق، تلفت صحيفة يديعوت أحرونوت إلى أن “تراجع القوات الأميركية في الشرق الأوسط يخلّف فراغا في سوريا سيملأه جيش أردوغان”، معتبرة أن هذا الفراغ لا يُعد مسألة نظرية، بل تحولاً عملياً يفرض نفسه على الأرض.
وتضيف الصحيفة أن “بالنسبة لإسرائيل، لا يتعلق الأمر فقط بتغيير موازين القوى، بل بتهديد حقيقي لحرية المجال الجوي في الشمال، وعلى الطريق المؤدي إلى إيران”، في إشاررة إلى البعد الاستراتيجي العميق لأي تمدد تركي محتمل في سوريا.
الانسحاب الفرنسي والبديل التركي.. نموذجا
وفي البحث عن إجابة عن سؤال “من يملأ الفراغ”، يقدّم ما جرى في عدد من الدول الأفريقية بعد انسحاب القوات الفرنسية نموذجا دالا على كيفية تشكّل البدائل في لحظات الفراغ الدولي.
ففرنسا، التي غادرت مالي وبوركينا فاسو والنيجر وأجزاء أخرى من الساحل الأفريقي، تركت وراءها فراغا سياسيا وأمنيا لم يُملأ بقوة واحدة صادمة، بل بتداخل أدوار متعددة، كان أبرزها الدور التركي.
تركيا لم تتقدّم في أفريقيا كقوة عسكرية بديلة بالمعنى التقليدي، بل اعتمدت تمددا هادئا ومتدرجا بدأ بالاقتصاد والبنية التحتية والطيران المدني، مرورا بالتعليم والعمل الإنساني، وصولا إلى اتفاقيات تعاون أمني محدودة.
هذا النموذج سمح لأنقرة بتعزيز نفوذها دون إثارة حساسيات شعبية، مستفيدة من تراجع الشرعية السياسية لفرنسا وارتباطها بإرث استعماري ثقيل.
في الوسط الأفريقي، بدت تركيا شريكا “مقبولا” أكثر من كونها قوة وصاية، وهو ما سهّل تغلغلها في قطاعات حيوية وبناء شبكات مصالح محلية طويلة الأمد. لم يكن الهدف ملء الفراغ بسرعة، بل تحويله إلى اعتماد تدريجي يصعب فكّه لاحقا.
هذا النموذج يكتسب دلالة خاصة عند إسقاطه على سوريا. فانسحاب قوة دولية كبرى لا يعني نهاية النفوذ الخارجي، بل انتقاله إلى صيغة أخرى أقل صخبا وأكثر ترسيخا. وفي هذا السياق، يطرح “البديل التركي” نفسه كأحد أكثر السيناريوهات قابلية للتكرار.
تركيا المستفيد الأكبر
وبحسب تحليلات إسرائيلية، من بينها ما ورد في مقال مطوّل لصحيفة يديعوت أحرونوت، فإن المشكلة الأساسية التي تقلق إسرائيل اليوم ليست الانسحاب الأميركي بحد ذاته، بل ما يليه من التمدد التركي ومحاولات التمركز العسكري طويل الأمد في سوريا.
هذا التمدد لا يُقرأ في إسرائيل بوصفه خطوة تكتيكية، بل كمشروع “نيّو-إمبريالي” يسعى إلى تحويل سوريا إلى مجال نفوذ أو دولة تابعة تخدم مصالح أنقرة، بما في ذلك نشر منظومات رادار ودفاع جوي وقواعد متقدمة قد تقيّد تدريجيا حرية العمل الجوي الإسرائيلي فوق سوريا والعراق.
ووفقا لما جاء في مقال مطوّل لصحيفة يديعوت أحرونوت، فإن التمدد التركي في سوريا يُنظر إليه في تل أبيب بوصفه مشروعا يتجاوز الحسابات الآنية، إذ تصفه الصحيفة بأنه “نزعة نيّو-إمبريالية تسعى إلى تحويل سوريا إلى دولة تابعة أو محمية تخدم مصالح أردوغان”.
وتوضح الصحيفة أن هذا المشروع “لا يهدف فقط إلى تحقيق أرباح اقتصادية من إعادة الإعمار بأموال سعودية، بل إلى تمكين الجيش التركي من نشر منظومات رادار ودفاع جوي وقواعد متقدمة قرب إسرائيل، بما يقيّد بشدة حرية عملياتها الجوية في أجواء سوريا والعراق”.
في المحصلة، لا يبدو مشهد سوريا اليوم أقرب إلى الوضوح بقدر ما هو انعكاس لتحوّل أوسع في طريقة إدارة القوى الكبرى لصراعات المنطقة. الولايات المتحدة تدرس الانسحاب لتخفيف الكلفة السياسية والعسكرية، وتركيا تتحرّك لملء أي فراغ محتمل بخطوات محسوبة تراكم النفوذ، فيما تعيد روسيا تموضعها ضمن هوامش أضيق من السابق، دون أن تغادر الساحة فعليا.
في المقابل، تواجه إسرائيل، معضلة استراتيجية جديدة لا تتعلق فقط بهوية من يملأ الفراغ، بل بطبيعة هذا الامتداد، وتأثيره المحتمل على أحد أهم أصولها الأمنية، حرية العمل الجوي في الشمال.
Loading ads...
وسط كل ذلك، تبقى سوريا نفسها ساحة أكثر منها لاعبا، فمصيرها لا يزال يُناقش في عواصم متعددة، وتُرسم ملامحه وفق توازنات خارجية، فيما السيادة تبقى مفهوما هشا ما دام القرار النهائي لا يُصاغ داخل حدودها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


