منذ أشرقت شمس الحرية في سوريا في 8/ 12/ 2024 أُقيمت عدة معارض ومهرجانات؛ ولكنّ الحدث الأبرز ثقافياً كان معرض دمشق الدولي للكتاب، وهو المعرض الأول بعد التحرير، وتمّ بين 6 – 16 شباط 2026 بعد تأجيل وتأخير، حتى عُقد استثنائياً في هذا الموعد على أن ينتظم في موعده المعتاد في أيلول بعد ذلك.
وكأي عمل يُقام في سوريا _في أجواء الحرية_ نالته انتقادات مع كثير من الإشادات والتبريكات؛ لاسيما وأنه عملٌ ثقافيّ ما زالت النِّظرة إليه أنه دون غيره في زحمة ما تعانيه سوريا من تحديات.
فما الذي حقّقه معرض دمشق الدولي للكتاب؟
جاء المعرض بمشاركةِ أكثر من 500 دار نشر عربية ودولية من نحو 35 دولة، كما حلّت المملكة العربية السعودية ودولة قطر ضيفتَي شرف، في خطوة تؤكد عمق العلاقات الثقافية العربية، وتعزّز جسور التعاون الثقافي وتبادل الإنتاج الفكري والمعرفي وفق وزارة الثقافة السورية، وأفادت الوزارة أن المعرض استقبل 1.29 مليون زائر منهم 350 ألف طفل، وحقّق مبيعات بلغت 500 ألف كتاب خلال أيامه، مع توفر 140 ألف عنوان أمام القرّاء.
وقد استفاضت وزارة الثقافة في توثيق فعاليات المعرض طوال أيامه وفي الإشادة بإنجازه، ولنا النظر فيه بحيادية؛ فمما أعطى المعرض زخماً خاصاً في انطلاقته افتتاحه من رئيس الجمهورية بحضور الوزراء وكثير من سفراء الدول في سوريا، وعودة الرئيس للاجتماع مع المسؤولين عن المعرض وبعض كبار المشاركين من السوريين وغيرهم عند اختتام أعماله؛ وفي هذا رسالة مهمة حول أهمية العمل الثقافي في سوريا الجديدة وأن معرض الكتاب ليس حدثاً عابراً أو مساحة للبيع التجاري بقدر ما هو رسالة ثقافية بالغة الأهمية. والمشاركة الخارجية هي المؤشر الصحيح في تصنيف المعرض كونه "دوليّاً" وفي احتسابه خطوة في بناء قوة ناعمة لسوريا الجديدة، ومع المشاركة الموسَّعة لضيفَي الشرف السعودية وقطر فقد شهد المعرض حضور عددٍ من الكتّاب والمثقفين من عدة جنسيات عربية، شاركوا بفعاليات ثقافية وتوقيع كتب لهم في المعرض، وكانوا محل ترحيب وتقدير من الجمهور واستقبل عدداً منهم رئيس الجمهورية عند انتهاء المعرض، مع زيارة عدد من سفراء الدول العربية والأجنبية للمعرض والجولة في أروقته. وحيث إننا ما زلنا في مرحلة التعارف على بعضنا فمما لفت في المعرض وجود أجنحة للوزارات والهيئات الجديدة؛ فوزارة الدفاع كان لها حضور بجناح عرض بعض الكتب والمنشورات التي توزّعها على مقاتليها من قبل التحرير، والهيئة العامة للشؤون السياسية كان لها جناح لا يكاد يهدأ في استقبال الناس وتلقّي الشكاوى وتبادل وجهات النظر، كما تميّز جناح الشباب والرياضة في احتضان فعاليات حوارية شبابية ومسابقات، حتى هيئة الرقابة والتفتيش لها جناح، فضلاً عن الوزارات المألوفة في معارض الكتب كالثقافة والتربية والتعليم العالي والإعلام. ومما لفت في المعرض أيضاً توفير حافلات للنقل المجاني من دمشق إلى مدينة المعارض، ورحلات مجانية من كثير من المناطق السورية البعيدة عن دمشق إلى المعرض، حتى جاء إليه مَن كان يرى زيارة معرض الكتاب قرب مطار دمشق حلماً وهو مقيم في ريف حمص أو حلب، فضلاً عن رحلات كثير من المدارس ورياض الأطفال القريبة إلى المعرض. وليس أقل إيجابية منه تأمين زيارات لذوي الإعاقة حتى المكفوفين للمعرض ومرافقتهم من الوزير ومعاونيه وإدارة المعرض، ولم يغب عن المعرض محافظ أو وزير. ولا أظن أن أحداً من المشاركين لم يزره معاونُ وزير الثقافة الأستاذ سعد النعسان أكثر من مرة يسأله عما يحتاجه وما عنده من ملاحظات على التنظيم؛ فضلاً عن الزيارات التفقدية لوزير الثقافة وجولات الاطلاع لغيره من الوزراء والمسؤولين الذي زاروا المعرض.
لعل الخطأ الأكبر بحق المعرض والوزارة غياب اتحاد الكتّاب العرب عن المعرض؛ مع انتشار أنه لم تتم دعوته ولا أُتيح له جناح في المعرض رغم وفرة الأجنحة للجهات الرسمية المعنية بالثقافة والنشر..
وما الذي يمكن تسجيله على المعرض في دورته الاستثنائية هذه؟
مع استحضار التحديات التي تواجهها سوريا عامة، ووزارة الثقافة _كغيرها من الوزارات_ من حيث الموازنة والموارد البشرية؛ يصبح الحديث عن السلبيات والأخطاء في معرض دمشق الدولي للكتاب بعد ما سبق من إيجابيات جلداً للذات، ولكن كونه معرضاً استثنائياً كما وصفتْه الوزارة وكرّرت حرصها على التصويب والتعديل للمعرض الدوري القادم في شهر أيلول القادم؛ فقد سُجلت أخطاء تنظيمية في توزيع دور النشر وأجنحة الجامعات والمراكز، ولم يكن من الصواب فصل أجنحة الجامعات الحكومية عن الجامعات الخاصة، فجُعلت الحكومية مع الوزارات بأجنحة مميزة وأُقصيت الخاصة في جناح مهمل لا يكاد يصله أحد، مما اضطر أكثر من جامعة منها للانسحاب مباشرة أو خلال يومين من المعرض. ولم يكن التنسيق في تنظيم الفعاليات كافياً؛ مما أزرى ببعض الفعاليات ولم يحضرها أحد ولم تنل حظّاً في التوثيق والنشر في صفحات الوزارة والمعرض، في مقابل فعاليات كانت أقل في القيمة والمحتوى وسُلّطت عليها الأضواء فحضرها كثيرون ولقيت نصيباً جيداً في التغطية الإعلامية. ورغم أهمية اللفتة بإعفاء المشاركين من أجور الأجنحة في المعرض؛ إلا أن هذا تأخر فلم يُعلن إلا في أواخر المعرض، وهذا يؤثر في المبيعات وأسعار الكتب التي كانت مرتفعة بعمومها، لاسيما مع ضعف القوة الشرائية لعموم السوريين. ولعل الخطأ الأكبر بحق المعرض والوزارة غياب اتحاد الكتّاب العرب عن المعرض؛ مع انتشار أنه لم تتم دعوته ولا أُتيح له جناح في المعرض رغم وفرة الأجنحة للجهات الرسمية المعنية بالثقافة والنشر، دون توضيح من وزارة الثقافة لهذا الأمر رغم انتشار مقاطع حول ذلك. وفي إحدى الفعاليات الثقافية في المعرض قال أحد المشاركين بعد ثنائه على المعرض: "المعرض في سوريا؛ وقد وجدت الكثير فيه ولكن لم أجد سوريا"، ومع قسوة كلمته فلا يُنكر أن الاحتفال بغير السوريين كان أكبر بكثير من السوريين أنفسهم؛ وكأنه لا أعلام عندنا في الرواية والوعظ والتدريب، رغم أهمية وجود غير السوريين في فعالية دولية كهذا المعرض. ومع حضور وزارة الطوارئ والدفاع المدني ببعض التدريبات فكان من الأفضل أن يُقام في جناح خاص معرض يصوّر معاناة السوريين المستمرة في المخيمات وما مرّ عليهم في المعتقلات والتهجير اغتناماً للحضور الكثيف من الداخل والخارج؛ دون التماهي مع المعترضين على إقامة المعرض من أصله في ظل ما نعاني من تحديات.
إن الثقافة ليست ترفاً ورفاهية، وإنها في سوريا اليوم ضرورة من ضرورات التعافي والبناء؛ فهذه الشام تنفض عنها آثام عقود الظلم والظلام بأنوار الثقافة بعد التحرر من الطغيان.
ومما كان يؤذي في المعرض حشود المرافقة مع بعض الشخصيات بشكل مبالغ فيه وكأن صاحب المقام المرافَق يتجول على جبهات القتال لا في أروقة معرض كتاب، لاسيما وأن بعض أصحاب المواكب لا يحمل صفة رسمية في الدولة أصلاً.
Loading ads...
إن انعقاد معرض دمشق الدولي للكتاب رغم التحديات إنجازٌ يُحسب للحكومة السورية، كما يُحسب لكل المشاركين الذين لا يُنكر أنهم غامروا بالمشاركة في بلد ما زال في بداية مرحلة التعافي، وإن كان البون واضحاً بين دور النشر السورية التي كانت في مناطق سيطرة نظام الأسد البائد ودور النشر السورية التي تأسست في دول المهجر أو حتى الشمال السوري؛ وهذا في ذاته إضافة وإثراء للحالة الثقافية السورية باجتماع السوريين من مختلف الدول والخلفيات الفكرية، فضلاً عن اجتماعهم بغيرهم من امتدادهم الثقافي والتاريخي. ولعل الرسالة الأوضح من هذا المعرض للداخل والخارج: إن الثقافة ليست ترفاً ورفاهية، وإنها في سوريا اليوم ضرورة من ضرورات التعافي والبناء؛ فهذه الشام تنفض عنها آثام عقود الظلم والظلام بأنوار الثقافة بعد التحرر من الطغيان.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


