على ضفاف الأنهار، وشواطئ البحار. كانت النشأة الأولى للحضارات، مدن كثيرة قامت بسبب هذه التوءمة بين "الماء والحضارة". والرقة إحدى تلك المدن.
بدأت أكاديّة كمملكة حملت اسم" توتول" في الألف الثالث قبل الميلاد، ثم آرامية "نيكفوريوم"، ثم رومانية "كالينوكوس"، ثم اختارها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور لتكون عاصمة صيفية لخلافته، ومن ثم هارون الرشيد الذي اعتبرها كواحدة من منازل الدنيا الأربعة، ومن ثم نسيها الزمن.
تحولت الرقة إلى منطقة تابعة لمحافظة دير الزور لغاية عام 1957، ومذ ذاك أصبحت محافظة، وأطلق عليها اسم "محافظة الرشيد"، نسبة إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد. وفي عام 1962 تم تغيير اسمها رسميا وأصبحت "محافظة الرقة". في تلك الفترة لم يكن النشاط الثقافي مؤطرا بمؤسسات رسمية، كان بمثابة جهود شخصية وفردية لغاية عام 1975، ومنذ ذلك التاريخ تحول المركز الثقافي بإدارة عبد الغفور شعيب إلى حاضنة حقيقية لأحلام المبدعين. إذ أنه لم يكتف برفد المكتبة بآلاف الكتب، بل ساهم أيضا في تأسيس تجمع فناني الرقة عام 1976 وجعل من المركز الثقافي بيتا للفنانين التشكيليين. ومن ثم أسس النادي السينمائي، ليكون نافذة يطل منها جمهور الرقة على هذا الفن.
هذا التمهيد التأسيسي تلاه في عام 1981 "الندوة الدولية لتاريخ الرقة" التي أعادت إلى المحافظة مكانتها التاريخية. وطبعت أعمال وفعاليات تلك الندوة في كتاب حمل اسمها "الندوة الدولية لتاريخ الرقة". بعد ذلك، قدم الشعيب استقالته من الإدارة، وتحول إلى أمين مكتبة.
في عام 2005 بدأت مرحلة المهرجانات: مهرجان العجيلي للرواية العربية، مهرجان الشعر العربي، المهرجان المسرحي، ملتقى الفن التشكيلي، في تلك المرحلة زار الرقة مئات الكتاب والشعراء والفنانين والصحفيين، ولم يكتبها أحد في يقينه، وكأنها مجرد منبر لنافل القول. يؤسفني أن أقول هذا الكلام وأنا كنت أمين سر تلك المهرجانات.
في آذار 2013، خرجت المدينة عن سيطرة النظام، وفي كانون الثاني عام 2014 سقطت بيد تنظيم "داعش" الذي استمر لغاية تشرين الأول 2017، ثم سيطرت عليها "قوات سوريا الديمقراطية/ قسد" لغاية كانون الثاني 2026، حيث خرجت "قسد" وعادت المدينة لسلطة الدولة ومؤسساتها الرسمية. وعاد المركز الثقافي بإدارة جديدة، وفرع جديد لاتحاد الكتاب العرب، ونقابة جديدة للفنانين التشكيليين، وصدرت النشرة الثقافية "صوت الرافقة"، وبدأ الحراك الثقافي يأخذ مساره من جديد.
لوحظ التفاوت الكبير بين الأسماء التي اعتلت المنابر في هذه الفترة؛ البعض اعتبر ذلك نتيجة غياب المعايير في إدارة النشاط الثقافي، وثمة من رأى أن المدينة التي رحل عنها معظم كتابها، ما زالت مرضوضة بغيابهم، فاضطرت لإقامة تلك الفعاليات والأنشطة، أو كما يقول المثل: "إن لم يكن خمرا، فخلّ".
ويتضح أن مدير ثقافة الرقة، عبد اللطيف المحيمد، على معرفة تامة بما يقال عن الأنشطة الثقافية فيها، وقد بيّن الرجل موقفه بوضوح في تعليقه الذي يقول فيه:
"أهل كل منطقة لهم ثقافتهم، وقد تتداخل مع ثقافة مناطق أخرى، والرقة ثقافتها ليست وليدة هذا العصر، بل هي ضاربة بالقدم، لكن لابد من تعريف الثقافة أولاً حتى نميز بينها وبين أدواتها".
ويضيف الحيمد في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: "فالثقافة برأيي هي مجموع النتاج الأدبي والعلمي والحضاري والفكري الذي ننتجه، لخدمة ثوابت ومبادئ المجتمع. ومن خلال هذا التعريف نميّز بين عدة أمور، ومنها أولاً: لا بد أن ينظر المثقف إلى الثقافة بمفهومها الواسع، لا الضيق، فالشعر الفصيح والشعبي والمسرح والرواية والقصة ليس ثقافة بحد ذاتها، بل هي أدوات للثقافة، والأداة قد تكون مساهمتها إيجابية في المجتمع، وقد تكون سلبية.
ثانياً: مهمة الثقافة الحفاظ والدفاع عن مبادئ وثوابت المجتمع، ولذلك فكل شاعر لا يسخر شعره في أصالة المجتمع، فهو مثقف ثقافة مزيفة، وكذلك الروائي والقصصي والمسرحي، فهذه الأدوات لا بد أن تُسخّر لخدمة ثوابت المجتمع، لا نقضها وكسرها.
ثالثاً: بذلك، نفهم أن جزءاً من المثقفين المُحملين بالثقافة المزيفة يمارسون دورا سلبيا من ناحيتين: الأولى أنهم يضيّقون معنى الثقافة يشكل كبير، ويحصرونه في بعض أدواتها، والثانية أنهم يقفون ضد قضايا المجتمع، ويمارسون دورا سلبيا فيها، فما هي الفائدة من مثقف يقف ضد التراث ويدعو للتخلص منه، أو يقف ضد الدين ويحاربه، أو يقف ضد الأسرة ويساعد في انحلالها؟".
ويختم قائلاً: "لذلك أرى أن ثقافة الرقة تستمد قوتها من مدى التزامها بحماية المجتمع والأسرة والتراث، وتسخير الأدوات. ومن تأمل تاريخ الرقة وتراثها يجد أنها تمتلك إرثا حضاريا وثقافيا وتراثيا ودينيا كبيرا جدا، يجعلها تنافس دمشق وحلب في الوسط الثقافي السوري، لكن تحتاج إلى جهود لإظهار هذا الوجه الجميل لها".
في الطرف الآخر من المشهد المؤسساتي، يرى رئيس فرع الرقة للاتحاد العام للفنانين التشكيليين، عبد الفتاح النجم، أن الثقافة في محافظة الرقة "تمتلك طاقات ومواهب كبيرة، ولا سيما في مجال الفن التشكيلي، إلا أن هذه الطاقات ما زالت بحاجة إلى رعاية حقيقية واهتمام مؤسساتي يليق بتاريخ الرقة وإرثها الثقافي".
ويلفت النجم إلى أن "الفنانين التشكيليين يواجهون صعوبات عديدة، أبرزها ضعف التواصل والتعاون مع مديرية الثقافة، وقلة المعارض والفعاليات والدعم المخصص للفنانين، إضافة إلى عدم وجود مقر لعمل اتحاد الفنانين التشكيليين بالرقة وغياب المساحات المناسبة لعرض الأعمال وتشجيع المواهب الشابة. ومن موقعنا كاتحاد للفنون الجميلة، نتطلع إلى شراكة حقيقية وفاعلة مع المؤسسات الثقافية، بما يسهم في النهوض بالحركة الفنية وإعادة الرقة إلى مكانتها الثقافية والفنية".
إضافة لهذين الرأيين المحكومين بضوابط مؤسساتية، ولمعرفة الواقع الثقافي من كافة وجوهه، كان لا بد لنا من تسليط الضوء على آراء عدد من الكتاب والشعراء والفنانين.
"خلال السنوات الماضية عانت الرقة من تعاقب السلطات، فكلّ سلطة حكمت الرقة حاولت فرض ثقافة تخصّها. وثقافة اليوم لم تصل إلى المأمول منها، وهي مثقلة بأمراض وظواهر سلبية، وأمامها تحديّات للنهوض بثقافة وطنية جامعة، ومنها:
ـــ مناهضة ثقافة تغلّب دور العشيرة أو الفصيل على دور الدولة ومؤسساتها في الرقة.
ــــ مناهضة ثقافة الفوضى، والمخدّرات والفساد.
ــــ مناهضة ثقافة الطعن بأبناء الرقة من أهل الكفاءات، وإبعادهم عن تولي مفاصل الإدارات الرقيّة.
ــــ مناهضة ثقافة تحاول إرجاع الرقة إلى الوراء، وترى الانتصار هو بموعظة دينية، أو بيت موليا شعبية.
ـــ مناهضة المتسلّقين على الثقافة، وأرباع الموهوبين الذين يحاولون إقصاء مثقفي الرقة الحقيقيين.
ــــ نشر ثقافة التسامح وقبول الرأي الآخر، ونبذ العنف والكراهية.
ـــــ ملء الفراغ الذي تركه غياب الكثير من مثقفي الرقة.
ـــ جمع مثقفي الرقة على طاولة واحدة، والاتفاق على مشروع ثقافي يعيد للرقة وجهها الأصيل.
ـــــ خلق مشاريع ثقافية ضرورية، فالرقة اليوم لا يوجد فيها مركز ثقافي، ولا إذاعة، ولا دار نشر، ولا مجلة، ولا جائزة إبداعية، ولا مهرجان أدبي...
أمّا فرع اتحاد الكتاب العرب فهو سباتٍ عميق، ومديرية الثقافة تتقدم بخطوات خجولة، وحولها من يحاول إقصاء المثقفين، ويختزل الثقافة في نشاط عابر، ولا يرى في الاختلاف حياة، ويمثّل وجهاً مقنّعاً لقمعٍ جديد. التحدّيات كبيرة لكن تجاوزها ليس مستحيلاً".
"المشهد الثقافي اليوم يعاني من مخاض عسير، فالمثقفون يواجهون تحديات جسيمة تتمثل في غياب الدعم المؤسسي وشح البنى التحتية فضلاً عن تعقيدات تعدد الإدارات وتغليب الاعتبارات الأمنية والسياسية على تنمية الوعي. وإلى جانب هذه التحديات البنيوية والسياسية يواجه المشهد الثقافي في الرقة أزمة داخلية عميقة تتمثل في انعزالية بعض المثقفين وظاهرة الإقصاء المتبادل. فقد لجأ قطاع من النخبة إلى أبراج عاجية، مكتفين بنخبويّة مغلقة، ما أدى إلى قطيعة واضحة بين المنتج الثقافي وبيئته الحاضنة. وفي المقابل تبرز ممارسات إقصائية يفرضها أحياناً ضيق الحيز العام أو الحساسيات الشخصية والأيديولوجية، حيث يُحارب الاختلاف ويُهمّش أصحاب الأصوات المستقلة".
"كانت الثقافة في ظل البعث، ثقافة ضمن معايير السلطة، ثقافة مسيسة، محدودة، مراقبة... إلخ. أما في مرحلة قسد فقد كانت الثقافة بالرقة قائمة على محاولة فرض ثقافة جديدة غريبة وبعيدة عن أصالة ثقافتنا في محاولة لطمس الهوية الثقافية للمدينة واستبدالها بثقافة دخيلة تنبع من أيديولوجيا ومشاريع انفصالية، نادى بها ثلة من المثقفين الذين أعجبهم هذا المشروع الثقافي.
حالياً، وقد انتهى كل ذلك، وأصبحت الظروف مهيأة للعودة إلى ثقافتنا، برزت تيارات ثقافية متنوعة، منها التيار الديني/ المحافظ، ومنها التيارات اليسارية والعلمانية والليبرالية التي شكّلت في السابق تجمعات ثقافية صغيرة أثمرت فيما بعد عن تجمع أكبر حمل مسمى (الركن الثقافي بالرقة)، وعمره الآن خمس سنوات. هذا الركن يجمع اليوم مختلف التيارات الفكرية، ونأمل أن يساهم في نشر الوعي بين الشباب، واثراء الحركة الثقافية".
"يتبدى لي عن كثب أن حراكاً ملحوظاً في المشهدية الثقافية الرّقاوية بُعيد رحيل النظام السابق. ومن خلال اطلاعي على التوجهات الجادة للمعنيين بالشأن الثقافي على مختلف أجناسه وأشكاله وقضاياه، ثمة شيء يبعث على التفاؤل.
هناك خطط تسعى لتطوير الفعل الثقافي، لإمكان التواصل الاجتماعي عبر اللقاءات الميدانية، ورصد الاحتياجات بما يُسهم في تعزيز حضور الفعل الثقافي في الوسط المجتمعي، للنهوض بالوعي الذي يهدف إلى وحدة النسيج المجتمعي الواحد في الوطن الواحد.
ألمس خلال فترة وجيزة من تحرر الرقة، إقبالاً جماهيرياً نحو المنابر الثقافية الموازية منها في المجتمع المدني، بغية دعم الحراك الأدبي والعلمي والفني، وبخاصة الشعر بلونيه الفصيح والشعبي، وإتاحة مساحة للشعراء والمبدعين في الأجناس الأدبية الأخرى.
وشهدت مبادرات هامة تعمل على تعزيز المكتبة ورفدها بالكتب الثقافية المتنوّعة، ولكن لاحظنا ثمة قصور في إقامة الندوات والمحاضرات الفكرية والدراسات النقدية على المنابر، مقابل الشعر الطاغي على المناخ الثقافي العام. هناك سعي جاد لترميم وتأهيل المراكز الثقافية في الريف والنواحي والمزارع الحكومية، وتفعيلها.
وحاول المهتمون بالمسرح استعادة الألق المسرحي إلى سابق عهده، فقد شاركت الرقة بالمهرجان المسرحي المركزي بحلب، وهي الآن تتدرب على إقامة مهرجان مسرحي فرعي محلي في الرقة عمّا قريب".
"ثقافه الرقة اليوم تواجه عقبات كبيرة أولها غياب أسماء فكرية كانت تمثل الوجه الأبرز في الإبداع والنشاط، ناهيك عن القطيعة التي سببتها فترة توقف النشاط الأدبي. وأرجو لمديرية الثقافة باعتبارها الراعي الأهم أن تكون الحاضنة الأولى لسدنة الفعل الثقافي، لأن الثقافة إبداع لا علاقة له بالوظيفة، ورعاية أصحاب الإبداع المميز ممن كان لهم دور في مسيرة الثقافة وخاصةً من حافظ على معالم الثقافة من مكتبات وآثار في أثناء الظروف القاسية التي مرت بها الرقة".
"انهارت المؤسسات الثقافية في الرقة، واختفى المنبر الثقافي، وتبعثر مثقفو المدينة في مختلف بلدان العالم، بينما بقيت ثلة منهم تُصارع سلطات الأمر الواقع التي تعاقبت على المحافظة وعلى المدينة خصوصاً؛ حيث أصبح القلم تهمة، والكلمة سيفاً مُسلطاً على عنق قائلها. حاولنا في فترة ما أن ننهض ولكن جهودنا ضّلت تُصارع طواحين الهواء.
مع تحرير الرقة، استبشر كثيرٌ من المثقفين والأدباء والفنانين التشكيلين وغيرهم خيراً، حالمين بعودة مؤسساتهم الثقافية إلى المحافظة، غير أن هذه الفرحة لم تدم لأسباب متعددة؛ منها قلة خبرة القائمين على هذه المؤسسات بطبيعة العمل الثقافي، فحدثت فجوة كبيرة وخيبة أمل أكبر، ما دفع المثقفين الموجودين في الرقة إلى الانكفاء والتراجع إلى الخلف. إن القائمين على المؤسسات الثقافية غير قادرين على فهم طبيعة مهامهم وماهية دورهم؛ فالعمل الثقافي ليس محصوراً بأمسية هنا أو محاضرة هناك".
"في محاولة غير متكاملة الأركان أحاول أن أدخل في تفسير المشهد الثقافي الرقي، لأن المشهد العام غير واضح وربما لم تكتمل صورة المنتج الثقافي الرقي بعد الحرب. أنتج الكثير في أثناء الحرب وبعدها سينتج أكثر، ولكن ما هو مهم وما هو أكثر أهمية، هل كانت الثقافة والمنتج الثقافي راصدا أمينا لما جرى أو يجري في مسارات المنتج والمثقف على حد سواء؟
Loading ads...
تعثر المثقف في ظلال الحرب ودفع الثمن باهظا، ولكن سرعان ما نهض من كبوته وبدأ يستعيد من شظايا الحرب قلمه الذي أراد العسكر أن يختطفه منه كما فعل العسس في غابر الأيام. ليقول للأيام إن الثقافة لا تموت ولكنها تتجدد".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


