5 أشهر
نيويورك تايمز: ضباط الأسد يخططون من المنفى لإشعال تمرد في سوريا
الجمعة، 26 ديسمبر 2025
كانوا من بين كبار ضباط بشار الأسد في الجيش والمخابرات، أي أنهم أمضوا عقداً ونيف في قمع الثورة الشعبية بسوريا بصورة وحشية. والآن، وبعد عام على هروبهم إثر سقوط نظام الأسد، صاروا يتآمرون على تقويض الحكومة الوليدة التي أطاحت بهم، حتى يستعيدوا ولو جزءاً من هذا البلد.
لم يتضح إن كان هؤلاء المسؤولين السابقين لدى النظام المخلوع يشكلون خطراً كبيراً على السلطات السورية الجديدة أم لا، إلا أنهم على خلاف مع بعضهم في معظم الأحيان، غير أن المقابلات التي أجريت مع مشاركين لهم، وعمليات التواصل التي تتم بينهم والتي اطلعت عليها صحيفة نيويورك تايمز، لم تدع سوى مجال صغير للشك في أنهم عازمون على إعادة فرض نفوذهم في سوريا التي ماتزال تعيش مرحلة مخاض بعد 13 عاماً ونيف من الحرب.
يحاول بعض هؤلاء القادة لدى النظام المخلوع أن يشعلوا فتيل تمرد مسلح من منفاهم، فقد دعم أحدهم منظمة أطلقت حملة ضغط كلفت ملايين الدولارات في واشنطن، إذ يتمنى عدد من هؤلاء اقتطاع الساحل السوري بما أنه "موطن الطائفة العلوية" التي ينتمي لها بشار الأسد وكثير من كبار المسؤولين السابقين في الجيش والاستخبارات. تقول الصحيفة.
"لن نبدأ حتى نتسلح بشكل كامل"
في مقابلة هاتفية أجراها من لبنان في نيسان الماضي وجرى اعتراضها من دون علمه، قال غياث دلة، القائد العسكري الرفيع السابق لدى الفرقة الرابعة التي كان الجميع يهابها في سوريا، مخاطباً أحد مرؤوسيه: "لن نبدأ حتى نتسلح بشكل كامل".
كانت تلك المحادثة من بين عشرات المحادثات الهاتفية التي جرى تفريغ ما ورد فيها، إلى جانب الرسائل النصية والمحادثات التي ظهرت ضمن إحدى المجموعات والتي أرسلتها مجموعة تضم ناشطين سوريين إلى صحيفة نيويورك تايمز، إذ ذكرت تلك المجموعة بأنها اخترقت هواتف كبار ضباط الأسد قبل انهيار النظام وأخذت تراقبهم منذ ذلك الحين.
راجعت الصحيفة المواد وتحققت من صحة المعلومات عبر التأكد من مسؤولين سوريين يتعقبون الشخصيات التي تتبع للنظام البائد، وعبر أشخاص يتواصلون أو يتعاملون مع هؤلاء الذين اختُرقت هواتفهم. فقد شارك الناشطون عينة واحدة فقط من موادهم وتحدثوا بشرط ألا يتم الافصاح عن أسمائهم لأنهم يريدون مواصلة عملية المراقبة.
هنالك شخصيتان رئيسيتان تورطتا في تلك الأعمال، وهما سهيل الحسن الذي كان قائد القوات الخاصة لدى الأسد، وكمال حسن، الذي كان خلال فترة من الفترات رئيساً لفرع المخابرات العسكرية، وقد فرضت على كلا الرجلين عقوبات دولية بعد اتهامهما بارتكاب جرائم حرب.
تكشف المحادثات النصية والمقابلات التي أجريت مع المشاركين في تلك العمليات بأن هاتين الشخصيتين وزعتا المال وجندتا المقاتلين، كما قامت مجموعة سهيل الحسن بشراء السلاح أيضاً.
توجه هذان الضابطان إلى منفاهما في موسكو برفقة الأسد في كانون الأول 2024، إلا أنهما على ما يبدو مايزالان قادرين على السفر على الرغم من وجود عقوبات دولية مفروضة عليهما.
التقى سهيل الحسن بمتعاونين في لبنان والعراق، بل حتى في سوريا، خلال العام الفائت، وذلك بحسب ما أثبتته المحادثات النصية التي تتحدث عن مكان وجوده.
وهنالك رسائل تشير إلى أن كمال حسن زار لبنان، كما ذكر معاون وأحد المجندين وأحد معارفه بأنهم التقوا بهذا الضابط السابق هناك. وكغيرهم ممن أجرينا مقابلات معهم بخصوص مطامح الضباط السابقين، تحدثوا إلينا شريطة عدم إيراد أسمائهم لأنهم ذكروا لنا مخططات يفترض بأنها سرية.
لم تتمكن الصحيفة من الوصول إلى سهيل الحسن، أما كمال حسن، فقد رد على الأسئلة التي طرحناها عليه عبر رسالة نصية، لكنه أنكر ضلوعه في إشعال أي تمرد مسلح.
هذا وقد سخف مسؤولون سوريون يراقبون وضع من يسعون للتحول إلى متمردين من خطر قيام تمرد في سوريا، وشددوا على عدم إظهار هويتهم بما أنه محظور عليهم الإدلاء بأي تصريح للصحافة.
ذكر مسؤولان سابقان لدى الأسد تعاونا مع هذين الضابطين بأن وضعهما يسمح لهما بتجنيد الشباب من الطائفة العلوية التي لا يكتنفها الخوف فحسب، بل إن جل شبابها من عساكر النظام المخلوع. ومع ذلك، لم يتضح عدد الذين سيلبون هذا النداء، بما أن معظم العلويين مايزالون ناقمين على النظام بعد سنوات الحرب التي لم تبق ولم تذر.
"المحارب المقدس"
تعود بدايات المحادثات التي جرى اختراقها والتي اطلعت عليها الصحيفة لنيسان 2025، وذلك عندما لاحظ الناشطون الذين اخترقوا تلك الهواتف زيادة في نشاط بعض الشخصيات المستهدفة.
المحادثات جاءت قبل شهر من أحداث آذار الدامية في الساحل، واستمرت عدة أيام، بعد هجمات شنها مسلحون موالون للنظام المخلوع على القوات الأمنية هناك، وانتهت باستعادة قوات الحكومة السورية السيطرة على المنطقة، بعد عملية واسعة شاركت فيها "فصائل غير منضبطة" وتخللتها انتهاكات واسعة وعمليات قتل بحق مدنيين، فضلاً عن سلب وحرق الممتلكات. ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 1662 شخص منذ تاريخ 6 آذار/مارس 2025 وحتى 16 من نيسان.
سوريون يقطعون النهر الكبير بين سوريا ولبنان هرباً من موجة القتل الطائفي في آذار 2025
استغل الأحداث مسؤولون سابقون لدى الأسد، سعوا من خلالها إلى تجنيد مقاتلين علويين، وتهافتت الخطط لتحقيق ذلك، والتي نشرت أخبارها إرم نيوز في أبوظبي وكذلك وكالة رويترز.
كان من أبرز من نشطوا وقتئذ سهيل الحسن، القائد السابق للقوات الخاصة الذي يصفه محبوه بالنمر، أما في أوساط المعارضة السورية، فقد اشتهر باعتماده سياسة الأرض المحروقة كما اتهم بإصدار الأوامر لقصف المدنيين بغارات جوية.
وبما أنه بقي شخصية مفضلة بين الروس لزمن طويل، لذلك كان سهيل الحسن من أوائل المسؤولين الذين حرصت موسكو على إخلائهم عند انهيار النظام، وذلك بحسب ما ذكره أربعة ضباط سابقين.
إلا أنه على ما يبدو لا يريد أن يبقى جالساً بلا أي شيء يشغله في روسيا، ولهذا، وابتداء من شهر نيسان، وحتى منتصف الصيف، تظهر المحادثات التي راجعتها الصحيفة بين الحسن وغيره من الأشخاص تخطيطه للعودة إلى سوريا، وقد ظهرت بين تلك المراسلات جداول مرسومة بخط اليد أرسلت من هاتفه في نيسان الماضي، ورد فيها أعداد المقاتلين والسلاح الموجود في عدد من قرى الساحل السوري وبلداته.
أرسل الحسن تلك الجداول إلى شخص يخاطبه بـ"قائد الأركان في جيشنا وقواتنا المسلحة"، وذكر بأنه تحقق من هويات أكثر من 168 ألف مقاتل، بينهم عشرون ألفاً بحوزتهم رشاشات، و331 لديهم مدافع مضادة للطائرات، و150 لديهم قنابل مضادة للدبابات، وبينهم 35 قناصاً مع أسلحتهم، وكان ينهي كل رسالة من تلك الرسائل بعبارة: "خادمكم برتبة محارب مقدس".
لم يذكر الحسن اسم ذلك القائد العسكري في المراسلات التي اطلعت عليها الصحيفة، إلا أن ثلاثة أشخاص شاركوا في تلك المخططات ذكروا بأنه يتعامل مع رامي مخلوف، ذلك الملياردير السوري الذي استبعده ابن عمته بشار الأسد والذي هرب إلى موسكو هو أيضاً. وذكر هؤلاء بأن مخلوف يمول مساعي الحسن كما أنه أرسل مبالغ طائلة للعائلات العلوية الفقيرة في الساحل السوري.
يصور مخلوف نفسه كشخصية متدينة مخلّصة مستعدة لتقود العلويين في سوريا، بحسب ما ذكره مقربون منه، ويعتقد بأن بوسعه التنبؤ بالأحداث عبر الاستعانة بنص غامض موجود بحوزته، غير أن أسرته رفضت الترتيب لمقابلة معه عندما طلبنا منها ذلك.
خلال الربيع الماضي، تبين من خلال المحادثات التي جرى اختراقها، بأن الحسن قد جند غياث دلة الضابط السابق في الفرقة الرابعة.
وفي نص ورد في إحدى المحادثات، ذكر دلة لحسن بأنه وزع مبلغاً قدره 300 ألف دولار كرواتب شهرية على المقاتلين والضباط الذين جندهم، وتتراوح تلك الرواتب ما بين مئتي دولار إلى ألف دولار بالشهر، كما طلب الموافقة على شراء أجهزة إنترنت فضائي بمبلغ تصل قيمته إلى 136600 دولاراً.
وفي تلك المراسلات، ذكر دلة بأنه يعيش مع أسرته بالقرب من الحدود السورية في بيت بلبنان لا يوجد فيه كهرباء، كما أن جدرانه بحاجة إلى طلاء.
وفي بعض المحادثات، تحدث عن لقائه بقادة من الميليشيات العراقية المتحالفة مع إيران والذين ناقش معهم خيارات تهريب السلاح إلى من جندهم بغرض التمرد من دون أن يتسبب ذلك بأي قصف إسرائيلي، أو من دون أن تتمكن السلطات السورية من القبض على الفاعلين. كما تحدث عن لقائه بأشخاص مستعدين لتمويل تلك العمليات.
في محادثات أخرى، تحدث دلة عن إحباطه محاولات اغتيال، وتخطيطه لشراء مسيرات وصواريخ مضادة للدبابات وتوزيعها على المقاتلين، وذكر بأن بعضاً من تلك الأسلحة مايزال في مكان سري بسوريا.
وفي نيسان الفائت، ضم هذان الضابطان ضابطاً سابقاً آخر إلى شبكتهم، ألا وهو محمد الحاصوري، 60 عاماً، والذي كان أحد كبار الضباط في سلاح الجو واتهم بتنفيذ هجوم كيماوي في مدينة خان شيخون عام 2017.
كتب الحسن بأن مسؤولين إيرانيين نقلوا الحاصوري مع عشرين طياراً لدى النظام البائد إلى فندق بلبنان، وقد أبدى هؤلاء رغبتهم بالانضمام للتمرد الذي يرتب له إن تكفل بنفقات إقامتهم ومعيشتهم.
محمد الحاصوري، في الوسط
كما ذكر مسؤول سابق لدى النظام تواصل مع الحاصوري بأن القصة صحيحة في شهر تشرين الأول، ولكن بعد مرور شهر على ذلك عاد ليقول بإن المخططات بدأت تنهار، وأضاف بأن الشبكة الموسعة التي حاول دلة والحسن تشكيلها دخلت في طور التفكك.
الوصول إلى واشنطن
ذكر متعاونون في المحادثات التي جرى اختراقها بأن رئيس فرع المخابرات العسكرية السابق، كمال حسن، يدفع رواتب للمؤيدين وللمجندين الجدد.
يذكر أن حسن خاضع لعقوبات أميركية وذلك لإشرافه على فرعين من فروع المخابرات العسكرية ذاع صيتهما السيء، ومنهما جرى تسريب صور ضحايا التعذيب والإعدام في عام 2014.
ولدى سؤاله عن تلك الاتهامات رد حسن بالقول: "أعتبر تلك الاتهامات سياسية ولا تعدو كونها مجرد اتهامات، لأنها غير مرفقة بوثائق وأدلة"، ووصف اتهامه بتمويل الساعين للقيام بحركة تمرد جديدة بأنه يشتمل على: "عدد كبير من المعلومات التي تفتقر إلى الدقة، والحقائق المشكوك بأمرها".
ذكر شخصان يتعاملان مع حسن بأنه ركز بشكل كبير على إقامة شبكة نفوذ وبأن ذلك كان يهمه أكثر من إشعال فتيل أي تمرد، وساقا مثالاً على ذلك بأنه الدافع المحرك لإنشاء منظمة إنماء سوريا الغربية في بيروت.
تقدم هذه المنظمة نفسها على أنها منظمة تعمل لصالح الأقليات السورية وتقدم السكن للعلويين الذين نزحوا إلى لبنان، إلا أن الأشخاص الذين تعاملوا مع حسن ذكروا بأنه يستعين بتلك المنظمة للضغط على واشنطن من أجل فرض "حماية دولية" على المنطقة العلوية بسوريا.
انتشرت عبر الإنترنت مقاطع فيديو كثيرة ظهر فيها لاجئون سوريون في لبنان وهم يشكرون حسن على الدعم المالي الذي قدمه لهم، كما ظهر هذا الشكر في منشور على صفحة المنظمة على الفيس بوك، جاء فيه: "تم تغطية كامل تكاليف الحملة من المواطن السوري اللواء كمال حسن".
منشور يشكر كمال حسن ظهر على صفحة فيس بوك الخاصة بمنظمة إنماء سوريا الغربية
وبحسب ما ورد في كشوفات أميركية نشرت في آب الماضي، فإن هذه المنظمة استعانت بمنظمة تايغر هيل بارتنرز التي تقيم حملات ضغط في الولايات المتحدة، كما استعانت بالمستشار السابق للرئيس ترمب جوزيف إي. شميتز، وبالمدير التنفيذي لدى شركة التعهدات العسكرية الخاصة بلاووتر العالمية، من خلال عقد وصلت قيمته لمليون دولار أميركي وذلك لتمثل هذه الأطراف تلك المنظمة.
ولهذا أحال حسن في بداية الأمر طلب المقابلة لشميتز على اعتبار أنه محاميه، لكنه أنكر لاحقاً أي علاقة تربط هذا الرجل بالمنظمة أو "أي منظمة سورية"، وأضاف: "ولكن بالمبدأ، أؤيد وأشجع أي خطوة تخدم التنمية والسلام في سوريا".
رفض شميتز الحديث بالنيابة عن حسن، لكنه قال باسم المنظمة بأنهم يعملون على تأمين الحماية والتمثيل للأقليات في سوريا.
وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، تروج المنظمة لاجتماعاتها التي عقدت في مكاتب ستة من النواب الأميركيين، بينهم برايان ماست من الحزب الجمهوري، وهو رئيس لجنة الشؤون الخارجية لدى مجلس النواب الأميركي، والسيناتورة جين شاهين من الحزب الديمقراطي، وهي عضوة في لجنة مجلس الشيوخ للعلاقات الخارجية.
أكد معاونو شاهين وماست وغيرهم من النواب عقدهم لاجتماعات مع ناشطين في حملات الضغط لدى شركة تايغر هيل، وذكروا بأنها مجرد اجتماعات اعتيادية روتينية جرت مع الموظفين فحسب.
في حين ذكر عدد من الدبلوماسيين في سوريا بأن حملات الضغط في واشنطن أقلقتهم أكثر من أي خطة لقيادة تمرد في البلد، وذلك لأن تلك الحملات برأيهم يمكن أن تؤسس وبالتدريج لدعوات تطالب بإقامة إقليم يتمتع بحكم شبه ذاتي في سوريا، وقال بسام بربندي، وهو دبلوماسي سابق هرب من النظام وصار يمارس الضغط لصالح ضحايا النظام منذ عام 2012: "لا يمكن لهذه القضية أن تحقق أي نجاح اليوم، ولكن ربما بعد مرور عام أو عامين، في حال عدم نشر الحكومة الحالية للاستقرار، عندئذ قد يبحث القادة في الولايات المتحدة عن غيرهم ليتعاونوا معهم".
Loading ads...
المصدر: The New York Times
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

