لم يعد السؤال في إيران مقتصراً على مصير المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، الغائب عن الظهور العلني منذ توليه المنصب في مارس/آذار الماضي، بل بات يتعلق بمن يتخذ القرارات فعلياً في بلد يخوض مواجهة إقليمية مفتوحة، وتتداخل فيه حسابات الحرب مع مفاوضات السياسة وأزمة الاقتصاد.
تكشف المعطيات المتاحة أن غياب المرشد لم يؤدِّ إلى توقف مؤسسات الدولة، لكنه دفع مركز القرار نحو صيغة أكثر جماعية، تتقدم فيها القيادات العسكرية والأمنية، ولا سيما الحرس الثوري، إلى جانب شخصيات سياسية تتولى إدارة الملفات اليومية.
ووفق تقرير لوكالة رويترز تقول مصادر إيرانية إن مجتبى خامنئي لا يزال يمارس سلطته من وراء الكواليس، وإنه يتلقى التقارير ويشارك في الاجتماعات ويحتفظ بالقرار النهائي في القضايا الكبرى.
لكن استمرار غيابه عن أي ظهور صوتي أو مرئي منذ تعيينه أبقى هذه الرواية موضع تساؤل.
الحرس الثوري.. ثقل يتجاوز المؤسسة العسكرية
في قلب المشهد يقف الحرس الثوري، الذي لا يقتصر دوره على إدارة العمليات العسكرية، بل يمتد إلى الأمن الداخلي والسياسة الخارجية والملفات الإقليمية. ومع غياب المرجعية العليا عن المشهد العام، تزداد أهمية القادة العسكريين والأجهزة الأمنية في تحديد الخيارات المتاحة أمام الدولة، خصوصاً في ما يتعلق بمواصلة المواجهة أو الانتقال إلى تسوية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الحرس الثوري يدير الدولة منفرداً؛ فالمشهد يضم مراكز نفوذ متعددة، وقد تتفق هذه الأطراف على أولوية حماية النظام، لكنها تختلف في تقدير كلفة الحرب وشروط التفاوض.
ويشير تحليل نشره معهد دول الخليج العربية في واشنطن في 16 أكتوبر/تشرين الأول إلى أن آليات اتخاذ القرار باتت تعتمد على التشاور والتنسيق بين مسؤولين من مؤسسات سياسية وأمنية وعسكرية، في محاولة لملء الفراغ الناجم عن غياب المرشد.
قاليباف وبزشكيان.. إدارة الدولة وحدود الصلاحيات
يبرز رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بوصفه أحد الأسماء السياسية المؤثرة في ترتيبات الحكم، إلى جانب الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي.
وتكمن أهمية هذه الصيغة في جمعها ممثلين عن مؤسسات الدولة مع أطراف أمنية وعسكرية، بدلاً من ترك القرار بيد مؤسسة واحدة بصورة معلنة.
يتولى بزشكيان إدارة شؤون الحكومة، فيما يملك وزير الخارجية عباس عراقجي مساحة للتحرك الدبلوماسي، لكن قدرة الرئاسة والخارجية على حسم القضايا الاستراتيجية تبقى مرتبطة بموازين القوى داخل المؤسسة الحاكمة.
فقرار الحرب أو التسوية لا يُختزل في موقف الرئيس أو تصريح وزير، بل يتصل بموافقة مراكز النفوذ القادرة على فرض القرار وتنفيذه.
قيادة جماعية أم فراغ في قمة السلطة؟
في 26 سبتمبر/أيلول، تحدث بزشكيان عن فريق يضم ستة أعضاء من مؤسسات مختلفة، يتشاورون للوصول إلى قرارات منسقة.
ويعزز ذلك فرضية أن إيران تعتمد، عملياً، آلية قيادة جماعية في عدد من الملفات، وإن كانت حدود صلاحياتها وعلاقتها المباشرة بالمرشد غير واضحة بالكامل.
لكن هذه الصيغة تحمل مفارقة: فهي تتيح استمرار عمل الدولة، وفي الوقت نفسه تجعل من الصعب معرفة الجهة التي تتحمل المسؤولية النهائية عن القرارات الكبرى.
وكلما طال غياب المرشد، اتسعت مساحة التأويل والتنافس بين التيارات، خصوصاً بين من يرون أن استمرار الضغط العسكري يعزز موقف إيران، ومن يخشون أن تؤدي الحرب إلى استنزاف القدرات الاقتصادية وتوسيع العزلة.
في المحصلة، لا تشير الصورة المتاحة إلى غياب كامل للقيادة بقدر ما تشير إلى انتقال مركز الثقل نحو شبكة من القيادات العسكرية والأمنية والسياسية، يتقدمها الحرس الثوري وتشارك فيها مؤسسات الدولة.
Loading ads...
غير أن بقاء المرشد بعيداً عن الظهور يجعل السؤال الأصعب بلا إجابة قاطعة: هل تُتخذ القرارات باسمه وبموافقته الفعلية، أم أن غيابه أوجد واقعاً جديداً تتوزع فيه السلطة بين أطراف تتنافس على رسم مستقبل إيران؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






