لم يُخبرني أحد سابقاً بما يواجهه شباب العشرينيات من ضياعٍ، قلقٍ وخوف من فكرة "تفويت القطار"، بكل ما تحمله من مشاعر متضاربة، مما يجعلني أتساءل أحياناً: في أيّ محطة سيرمي بنا هذا القطار؟
وبعدما أصبحت في الثالثة والعشرين من عمري، وبدأت أطياف التساؤلات تُباغتني مع كلّ خطوة أخطوها، فهمتُ، أو بدأت أن أفهم، ما يقصده آخرون بـ"أزمة ربع العمر".
كانت أحجار حياتنا قد بُنيت بكل ثبات، ولم نكن يوماً نحن من بنيناها. في المدرسة يبدو المسار واضحاً تماماً، إذ كل ما علينا فعله، أو كل ما طُلب منا هو الدراسة لدخول الجامعة.
وفي الجامعة، نجد أنفسنا نتخبّط بين جدران المجتمع "المُصغّر". نُشكل بعض الصداقات، ونعمل على تشكيل شخصياتنا التي فشل "الانضباط المدرسي" بتكوينها، ثم شيئاً فشيئاً، يبدأ حلمنا بالتخرج كأنما هو نهاية المعاناة.
هُنا تحديداً، يمكنني أن أردد ما يُقال حول أن "نعيم الجهل أفضل من جحيم الوعي".
سعادتنا المفرطة بما نملكه تُغيب عنّا الصورة الكاملة، ألا وهي القلق من المستقبل. فلا يُخبرنا أحد بما سنواجهه بعد أن نستلم شهادتنا وندخل مجتمعاً أوسع، نكون فيه وحدنا لأول مرة. وحدنا بكل شيء.
للحظة، يُخيّل لنا أن كل ما عشناه كذبة. ثم تبدأ التساؤلات، وقد لا تختفي، بل تظلّ هناك في الخلفية: ماذا أفعل؟ إلى أين أذهب؟ أين أنا؟ وفي أغلب الأحيان سيكون السؤال الأصعب: من أنا؟
لجزء من الثانية، نُشكّكُ في كل جهد قمنا به. حتى تلك الشهادة التي أتلفنا أرواحنا لأجلها ستبدو بلا قيمة أمام أنظارنا.
تخرّجتُ في الدراسات العليا، قبل أشهر قليلة، أتساءل عن خطوتي القادمة. أفكّر إن كنتُ ضائعة حقاً، كما أشعر؟ أم أن ذلك القطار الملعون لم يمرّ يوماً بمحطتي كي يأخذني معه؟
المفارقة أنه لو سألني أحد قبل سنة عمّا أريد أن أكونه، فجوابي جاهز على طرف لساني، دون محاولات تفكير في إجابة. لكن اليوم، أشعر وكأن التفكير في المستقبل رفاهية لا يمكن الحصول عليها دون جلد ذاتي، دون التقليل منها أو تهميش ما سبق أن أنجزته.
الشعور هذا يتركني في بعجز. يشلّ قدرتي على إكمال يومي ومهامي، وهو شعور أعتقد أن كثيرين في عمري يشاركونني إياه في رحلة عمرنا هذه، أم متاهة عمرنا، لستُ متأكدة.
"لكنهم مثلي، خائفون من أن "يفوتهم القطار"، أو حتى مرعوبون من فكرة أن تأتي الفرص أمام أعينهم دون القدرة على الاستفادة منها.
فيلوم البعض ذاته على "ضعفه"، ويضع آخر أحلامه في صندوق "يوماً ما" ويقفله، فتمرّ الأيام دون أن يُفتح، إلى أن يدخل خانة فوات الأوان.
أكثر ما يُهلكني في هذه المتاهة هي ذاتي التي تُقارن نفسها بالآخرين، المستمرّة في المقارنة، رغم معرفتها بأن طُرقهم لا تتقاطع مع طرقي، وسبلهم لا تشبه ممرّاتي، لا في انحناءاتها أو تعرّجاتها. إلا أن باب المقارنة مفتوح دائماً، وأنا أقف على عتباته أُلملم ما تبقّى من أملي في التقدّم.
تارةً تُغريني إنجازاتهم، وأخرى حياتهم "المثالية"، لكن في قرارة نفسي، أعلم جيداً أنهم مثلي يقفون على خيط رقيق جداً يُسمّى الطموح، يهتزّ بهم عند أول نسمة، وربما لو مرّت عاصفة لأوقعت ما تبقّى من تمسّكهم، لأنهم في "أزمة ربع العمر" مثلي تماماً.
ولعلّ أكثر ما يشغل بالي هو أن تمضي السنوات بي وأنا أتأرجح بينها ولا أبلغ أيّاً منها.
أريد/ أتمنى أحياناً أن تبقى الحياة مستمرة بروتينها المعتاد، حيث لا أُثقل نفسي بالتفكير أو المحاولة. في مرات أخرى، أريد أن أكون الطموحة، الحالمة، الناجحة، وقلّةً، أريد أن أكون امرأةً مستقلة، ومراراً كاتبة موهوبة.
هكذا تظلّ الساعة تحرّك عقاربها، مشيرةً إلى شخصياتي الأربع التي لم أنجح حتى الآن في أن أكون أيّاً منها. هكذا أظلّ معلّقة بين ما أنا عليه، وما أريد أن أكون.
وإن كنت قد نجحت يوماً في التعرّف إلى نفسي، ففي رأسي نسخٌ أُقنع ذاتي بأنها أنا، لكنّني ما إن أقترب من أحدها حتى يتلاشى أمامي.
وعلى الرغم من كوني لست أهلاً كي أنصح أحداً، لكن كلي يقين بأننا نمشي على سكة أوقاتنا الخاصة. الساعة التي انتصفت عقاربها عند هدف ساعٍ ما، لا بد من أن يأتي يومٌ تشير فيه إلى أحلامنا. لا بدّ من أن تتحوّل فوضى الأفكار هذه إلى شيء ما.
* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






