5 ساعات
السرطان والأسبرين: كيف يمكن للأسبرين أن يقلل من خطر الإصابة؟ - BBC News عربي
الثلاثاء، 21 أبريل 2026

صدر الصورة، Getty Images
إن هذا الدواء الذي يعود تاريخه إلى 4000 عام، والذي يستخدم في الغالب لعلاج الألم، يمنع بعض الأورام من التكوّن والانتشار في جميع أنحاء الجسم، وهذه نتائج تُغير بالفعل السياسات الصحية.
بدأ نيك جيمس، وهو صانع أثاث بريطاني في منتصف الأربعينيات من عمره، يشعر بالقلق بشأن صحته بعد وفاة والدته بسبب السرطان، كما أصيب شقيقه والعديد من أفراد الأسرة الآخرين، بسرطان الأمعاء.
وقد اختار جيمس إجراء اختبارات جينية، وتبين أنه يحمل جيناً "معيباً" يسبب متلازمة "لينش"، وهو مرض يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بهذا النوع من السرطان.
لكن المساعدة جاءت من مكان غير متوقع، عندما أصبح جيمس أول شخص يسجل في تجربة سريرية تهدف إلى اختبار ما إذا كانت الجرعة اليومية من الأسبرين -مسكن الألم الذي لا يستلزم شراؤه من الصيدلية وصفة طبية- يمكن أن تحمي من الإصابة بالسرطان.
ويُصاب حوالي 80 في المئة من الأشخاص المصابين بمتلازمة "لينش" بسرطان الأمعاء خلال حياتهم. لكن حتى الآن، تبدو الأمور جيدة بالنسبة لجيمس.
بحسب نوع الطفرة الجينية، تتراوح نسبة الإصابة بسرطان الأمعاء ما بين 10 إلى ثمانين في المئة لدى المصابين بمتلازمة "لينش" خلال حياتهم.
لكن حتى الآن، تبدو حالة جيمس جيدة، ويقول جون بيرن، أستاذ علم الوراثة السريرية في جامعة نيوكاسل، والذي قاد التجربة: "يتناول جيمس الأسبرين معنا منذ 10 سنوات ولم يُصب بالسرطان حتى الآن".
يبدو تصديق الأمر شبه مستحيل، ومع ذلك فقد كانت هناك مؤشرات منذ فترة طويلة على أن هذا الدواء قد يقلل من فرص انتشار سرطان القولون والمستقيم، أو حتى حدوثه في المقام الأول.
وخلال العام الماضي، عززت سلسلة من التجارب والدراسات هذه الأدلة.
وقد عدّلت بعض الدول بالفعل إرشاداتها الطبية لتشمل حبوب منع الحمل كخط دفاع أول للأشخاص الأكثر عرضة لخطر الإصابة (مع أن الخبراء يؤكدون على ضرورة القيام بذلك تحت إشراف الطبيب فقط).
وأخيراً، بدأنا نفهم الأسباب التي تجعل له هذا التأثير الغامض.
تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي
تُظهر أحدث الاكتشافات تطوراً جديداً ومثيراً في قصة أحد أقدم الأدوية وأكثرها فعالية. ففي أواخر القرن التاسع عشر، اكتشف علماء الآثار ألواحاً طينية عمرها 4400 عام من مدينة نيبور القديمة في بلاد ما بين النهرين (العراق حالياً) تحتوي على قوائم بمجموعة من الأدوية المصنوعة من مركبات نباتية وحيوانية ومعدنية.
من بينها تعليمات لمادة مستخلصة من شجرة الصفصاف، نعلم الآن أنها تحتوي على مادة كيميائية تُسمى ساليسين، يستطيع الجسم تحويلها إلى حمض الساليسيليك الذي يُساعد على تسكين الألم. وهو يُشبه في تركيبه الأسبرين الحديث، حمض أسيتيل ساليسيليك/ ولكنه أكثر تهييجاً للمعدة.
كما استخدمت حضارات قديمة أخرى، من ضمنهم المصريون واليونانيون والرومان، هذا العلاج.
بدأت الدراسة الحديثة لهذا المركب في عام 1763، عندما كتب رجل الدين الإنجليزي، إدوارد ستون، إلى الجمعية الملكية ليصف خصائص مكافحة الحمى لقشرة الصفصاف المجففة والمطحونة.
وبعد حوالي قرن من الزمان، تمكن العلماء من تصنيع حمض الساليسيليك بتحويله إلى حمض الأسيتيل ساليسيليك الأقل تآكلاً، ووضعوه في السوق تحت اسم علامة تجارية يُطلق عليها باير.
وبعد مرور قرن آخر، بدأ العلماء يلاحظون بعض الفوائد غير المتوقعة للأسبرين في الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية، من خلال تقليل خطر تجلط الدم عن طريق جعل الدم أكثر سيولة والصفائح الدموية أقل لزوجة.
ولهذا السبب، توصي منظمات مثل هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة بجرعات يومية منخفضة للأشخاص المعرضين لخطر كبير للإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية.
وبحلول عام 1972، امتدت الفوائد المحتملة لتشمل الوقاية من السرطان، وذلك من خلال دراسة لافتة للنظر أجريت على الفئران المحقونة بخلايا سرطانية، ليجد العلماء الأمريكيون أن إضافة الأسبرين إلى مياه الشرب للحيوان قللت بشكل كبير من خطر انتشار السرطان في جميع أنحاء الجسم - أو ما يُعرف بالنقائل- مقارنة بالفئران التي لم يتم إعطاؤها الدواء.
ورغم أن الاكتشاف أثار بعض الحماس، لكنّ روث لانغلي، أستاذة علم الأورام والتجارب الطبية في جامعة كوليدج لندن قالت إنه "لم يكن من الواضح على الفور كيف سيؤثر ذلك على التجارب السريرية".
كما لم يكن من الواضح، بعد كل شيء، ما إذا كان للدواء نفس التأثير على البشر، مما يعني أن الاكتشاف ظل مجرد سحر غامض بدلاً من أن يكون علاجاً يحتمل أن يغير حياة الناس.
وقد شهد عام 2010 نقطة تحول، عندما أعاد بيتر روثويل، أستاذ علم الأعصاب السريري في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، دراسة البيانات الوفيرة حول الأسبرين كوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية. وأظهرت تحليلاته أن الدواء يقلل من كلٍّ من معدل الإصابة بالسرطان وانتشاره، مما أثار اهتماماً متجدداً بكل من قدرة الأسبرين على المساعدة في مكافحة المرض، والأسباب التي تؤدي إلى ذلك.
على الرغم من ذلك، يُعدّ إثبات قدرة الأسبرين على الوقاية من السرطان لدى عامة الناس تحدياً. ففي عالم مثالي، سيجند الباحثون عينة كبيرة من الناس، نصفهم يتناول الأسبرين، والنصف الآخر يتناول دواءَ وهمياً، ثم تتم مقارنة المجموعتين لتحديد أيّهما لديه أعلى معدلات الإصابة بالمرض.
وقد يستغرق ظهور السرطان عقوداً عديدة، مما يعني أن إجراء تجربة عشوائية تخضع للضوابط سيستغرق وقتاً طويلاً للغاية بتكلفة باهظة. وتوضح آنا مارتلينغ، أستاذة الجراحة في معهد كارولينسكا بالسويد: "يكاد يكون ذلك مستحيلاً في الواقع".
ولهذا السبب، وجه العلماء اهتمامهم إلى مجموعات محددة، مثل أولئك الذين أصيبوا بالسرطان بالفعل أو أولئك المعرضين وراثياً للإصابة به.
وهنا تبرز أهمية دراسة جون بيرن لمرضى متلازمة "لينش"، التي تزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم وأنواع أخرى من السرطان. في عام 2020، نشر بيرن نتائج تجربة سريرية عشوائية خضعت لضوابط رائدة شملت 861 مريضاً مُصاباً بهذه المتلازمة.
فبعد متابعة المشاركين لمدة 10 سنوات، اكتشف فريقه أن الأشخاص الذين تناولوا جرعة يومية من الأسبرين مقدارها 600 مليغرام لمدة عامين على الأقل، انخفض لديهم خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم إلى النصف تقريباً.
إذ أجرى فريقه منذ ذلك الحين تجربة ثانية، تخضع حالياً لمراجعة الأقران. وتشير النتائج الأولية إلى أن جرعة أقل بكثير من الأسبرين ما بين 75 إلى 100 مليغلرام فعالة بنفس القدر، إن لم يكن أكثر.
ويقول جون بيرن: "انخفضت نسبة الإصابة بسرطان القولون لدى الأشخاص الذين تناولوا الأسبرين لمدة عامين بنسبة 50 في المئة".
ويضيف: "نرغب في مواصلة التجربة لبضع سنوات أخرى لأن البيانات ستتحسن مع مرور الوقت". وكان نيك جيمس، أول مريض انضم إلى التجربة، من بين الذين يبدو أنهم استفادوا منها.
كان حجم الجرعة المنخفضة بتراوح ما بين 75 إلى 100 مليغرام، وهي جرعة مماثلة لتلك التي يتناولها الناس للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية. وهذا أمر مهم، لأن الأسبرين قد يسبب أثاراً جانبية غير مرغوب فيها، بما في ذلك عسر الهضم والنزيف الداخلي وقرحة المعدة، وحتى نزيف الدماغ، ويمكن تحمل الجرعة المنخفضة بشكل أفضل بكثير. وقد أثرت هذه النتائج بالفعل على السياسات الصحية.
يقول بيرن "في المملكة المتحدة، تم تغيير الإرشادات بسبب لنتائجنا".
ومنذ عام 2020، توصي هذه الإرشادات بأن يبدأ المصابون بمتلازمة "لينش" بتناول الأسبرين في سن العشرين تقريباً لمعظم الأشخاص، أو في سن الخامسة والثلاثين للحالات الأقل حدة.
بالنظر إلى هذه النتائج، من الطبيعي التساؤل عما إذا كان الأسبرين قد يفيد فئات أخرى من المرضى. وقد بحثت مارتلينغ فيما إذا كان الأسبرين يقلل من خطر انتشار السرطان لدى الأشخاص الذين تم تشخيص إصابتهم بسرطان القولون والمستقيم.
وركز فريقها على الأشخاص الذين لديهم طفرات شائعة في أورام الأمعاء أو المستقيم. وتوضح قائلة: "من بين جميع مرضى سرطان القولون والمستقيم، فإن 40 في المئة لديهم إحدى الطفرات التي درسناها". وقد أشارت أبحاث سابقة إلى أن هؤلاء الأشخاص قد يستجيبون بشكل جيد للأسبرين.
شملت التجربة العشوائية الخاضعة لضوابط، والتي استمرت ثلاث سنوات، 2980 مريضاً، حيث تناولت إحدى المجموعتين 160 مليغرام من الأسبرين يومياً، بدءاً من ثلاثة أشهر بعد الجراحة، بينما تلقت المجموعة الأخرى دواءً وهمياً. وانخفض خطر عودة المرض لدى المجموعة التي عولجت بالأسبرين إلى أقل من النصف، وهو ما يعكس حجم هذا التأثير ودلالته الكبيرة.
وتقول مارتلينغ إن "هذه مجموعة كبيرة من المرضى". علاوة على ذلك، أظهرت كلتا التجربتين، تجربة مارتلينغ وتجربة بيرن، حالات قليلة للغاية من الآثار الجانبية لدى الأشخاص الذين تناولوا الأسبرين.
أدت دراسة مارتلينغ، التي نُشرت في سبتمبر/ أيلول2025، إلى تغيير سريع في الممارسات الطبية في السويد. فمنذ يناير/كانون الثاني 2026، بدأ فحص مرضى سرطان الأمعاء في البلاد للكشف عن الطفرات الجينية المذكورة، وتقديم جرعة منخفضة من الأسبرين لهم في حال وجودها.
ولم يتضح بعد ما إذا كان الأسبرين يحمي المرضى المُصابين بأنواع أخرى من السرطان أيضاً، ولكن قد نحصل، قريباً، على بعض الإجابات.
تُجري لانغلي حاليًا تجربة سريرية عشوائية واسعة النطاق تضم 11000 مشاركاً مصاباً بسرطان القولون والمستقيم، أو الثدي أو المريء أو البروستاتا في المملكة المتحدة وأيرلندا والهند، وسيبحث فريقها تأثير جرعة وقائية يومية من الأسبرين مقدارها 100 مليغرام أو 300 مليغرام، وهم يأملون في الحصول على النتائج العام المقبل.
وتقول لانغلي: "نحن بالفعل أول من استكشف دور الأسبرين في أنواع أخرى من الأورام".
وتسعى إلى تكرار نتائج مارتلينغ فيما يخص سرطان القولون والمستقيم، بالإضافة إلى جمع التمويل اللازم لدراسة آثار الطفرات المحددة في أنواع السرطان الأخرى أيضاً.. كما تقول إن التكرار أمر بالغ الأهمية، إذ تفضل السلطات الصحية الحصول على نتائج مجموعتين من التجارب السريرية قبل تقديم أي توصيات للمرضى.
لطالما ظلّت الآلية الدقيقة التي يقي بها الأسبرين من السرطان لغزاً محيراً.
وتوضح مارتلينغ قائلةً: "يعمل هذا الدواء الرائع داخل الخلية وخارجها"، لذا قد يكون هناك عدة آليات مختلفة متضمنة. وتشير أبحاثها إلى وجود إنزيم داخل الخلية يُسمى كوكس-2، والذي نعرف أنه يُثبط بواسطة الأسبرين. وتقول إن هذا الإنزيم يساعد في إنتاج مركبات شبيهة بالهرمونات تُسمى البروستاجلاندينات، والتي بدورها تُنشط مسار إشارات قد يؤدي إلى نمو خلوي غير مُنضبط.
تشير الأبحاث الحديثة التي أجراها راهول رويتشودري، أستاذ علم المناعة السرطانية في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، وزملاؤه، إلى أنه قد تكون هناك آلية أخرى تتضمن جيناً يمنع الخلايا التائية (نوع من خلايا الدم البيضاء اللمفاوية) في الجهاز المناعي من رصد وقتل الخلايا السرطانية النقيلية (وهي خلايا خبيثة تنفصل عن الورم الأصلي وتنتقل عبر الدم أو الجهاز الليمفاوي لتكوين أورام جديدة).
وقد وجد الباحثون أن هذا الجين يُمكن تنشيطه بواسطة عامل تجلُط يُسمى ثرومبوكسان A2، والذي، كما يوحي اسمه، يُساعد الدم على تكوين جلطات عند الإصابة. وبما أن الأسبرين يُثبط الثرومبوكسان، فقد يجعل الخلايا السرطانية أكثر وضوحاً للجهاز المناعي، وقد شكل هذا الأمر مفاجأة للفريق.
أُجريت أبحاث رويتشودري على الفئران، لذا لا يمكننا الجزم بأن النتائج ستنطبق على البشر أيضاً. لكن بحثاً مثيراً للاهتمام أجرته لانغلي وزملاؤها أظهر أن الأشخاص الذين أصيبوا بسرطان القولون والمستقيم أو سرطان المريء والمعدة لديهم مستويات أعلى بكثير من الثرومبوكسان مقارنةً بالأفراد الأصحاء، حتى بعد ستة أشهر من العلاج الناجح، مما يشير إلى أنه قد يكون عاملاً محفزاً لانتشار السرطان لدى البشر أيضاً.
ولا يزال الجدل قائماً حول من ينبغي عليه تناول الأسبرين بانتظام، ومتى.
يعتقد بعض الباحثين أن فوائده المُجتمعة في الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان ينبغي أن تُشجع على استخدامه على نطاق أوسع.
فبيرن، الذي سبق له تناول الأسبرين كإجراء وقائي في الماضي، متفائل بشأن إمكاناته في مجال الصحة العامة.
يقول بيرن: "أجرينا دراسة واسعة النطاق أظهرت أنه إذا تناول كل شخص في الخمسينيات من عمره جرعة منخفضة من الأسبرين لمدة عشر سنوات، فإن معدل الوفيات الوطني من جميع الأسباب سينخفض بنسبة أربعة في المئة".
وعلى الرغم من ذلك، يرى معظم الباحثين أنه ينبغي حصر استخدام الأسبرين على مرضى محددين فقط.
ويقول مارتلينغ: "من الممكن إعطاء الأسبرين لمرضى السرطان، إلا أن ذلك يختلف تماماً عن إعطاء الأصحاء دواءً قد يضرهم أيضاً". وذلك لأن الأسبرين قد يُسبب أثاراً جانبية خطيرة، ومن غير المرجح أن يكون فعالاً لجميع الأشخاص أو لجميع أنواع السرطان.
إذا كنت تعاني من متلازمة "لينش" أو خضعت لعلاج سرطان الأمعاء، فقد يكون من المفيد الاستفسار عما إذا كانت جرعة منخفضة منتظمة قد تكون مفيدة.
تقول لانغلي: "تحدث دائماُ إلى طبيب أو أخصائي رعاية صحية آخر قبل البدء بتناول الأسبرين".
Loading ads...
ومع استمرار الأبحاث حول الأسبرين، قد تحمل لنا الأيام القادمة مفاجآت. ولكن هل سيمتد تاريخ الأسبرين الطويل لأربعة آلاف عام أخرى في المستقبل؟ ربما سيستخدم أحفادنا نسخاً من هذا الدواء بطرق لا يمكننا حتى تخيلها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





