14 أيام
من إدارة الخوف إلى ممارسة الحرية.. كيف يخرج السوريون من الفراغ السياسي؟
الإثنين، 9 مارس 2026
لم يكن الخوف في سوريا مجرّد إحساس عابر يرافق المواطن في لحظة توتر، بل كان نظامًا كاملًا لإدارة المجال العام، تغلغل في البنية السياسية والثقافية مثل حارس يضبط السلوك قبل أن يُضبط بالقانون.
عاش السوري عقودًا وهو يتعلّم أن يلغي رأيه كي لا يتحول إلى عبء عليه، إذ لم يكن الخوف حادثة استثنائية، بل كان قاعدة تنظيم حياتية.
وحين تراجع حضور هذا الخوف في بعض المساحات، ساد انطباع أن الحرية قد وصلت أخيرًا، لكن زوال القبضة الأمنية لا يعني بالضرورة ولادة المجال السياسي الحر، فالفارق بين الاثنين ليس لغويًا بل بنيوي. إذ يمكن لنظام الخوف أن يتفكك، ويبقى المجتمع عاجزًا عن ممارسة الحرية. بل إن أخطر المراحل هي تلك التي يختفي فيها الرادع القديم قبل أن تتشكل قواعد جديدة.
ليست الحرية السياسية حالة شعورية، ولا انفجارًا تعبيريًا، ولا قدرة على الصراخ بلا مساءلة. إن تعريفها الكلاسيكي في الفكر السياسي يرتبط بثلاثة عناصر: الحق في التعبير، والحق في التنظيم، والحق في المشاركة في صنع القرار. لكنها لا تقوم على الحقوق وحدها، بل على الإطار الذي يضمن ممارستها.
التحرر من القبضة الأمنية يمثل انتقالًا نحو الحرية السلبية، لكنه لا يضمن نشوء حرية إيجابية ما لم تتشكل مؤسسات تسمح بالمشاركة الفعلية، وبالمساءلة، وبإمكانية تغيير السلطة سلميًا.
تعني الحرية السياسية وجود قواعد واضحة تُنظم التنافس، وتكفل تداول السلطة، وتحمي الفرد من تعسف الدولة، وتحمي الدولة من فوضى الأفراد. إنها توازن دقيق بين الحق والواجب، وبين الفرد والجماعة، وبين الرأي والقانون. ومن دون مؤسسات مستقلة تصبح الحرية وهمًا، ومن دون ثقافة قبول الاختلاف تتحول إلى صراع إقصائي، ومن دون قانون عادل تصبح امتيازًا لمن يملك القوة. وفي هذا المعنى، ليست الحرية السياسية غياب السلطة، بل خضوع السلطة للمساءلة. وليست انتصار فئة على أخرى، بل اتفاق الجميع على قواعد مشتركة.
في الفكر السياسي الحديث ميّز الفيلسوف البريطاني Isaiah Berlin بين نوعين من الحرية: الحرية السلبية والحرية الإيجابية.
الحرية السلبية تعني غياب التدخل؛ أي ألّا يتعرض الفرد للإكراه من سلطة أو فرد، وهي حرية من القيد. أما الحرية الإيجابية فتعني القدرة على الفعل والمشاركة وصنع القرار.
المشكلة هنا أن المجتمعات الخارجة من الاستبداد غالبًا ما تختزل الحرية في معناها السلبي؛ فيكفي أن يتراجع القمع حتى يُظن أن الحرية قد تحققت. لكن غياب المنع لا يساوي حضور القدرة، فربما يسقط الخوف ويبقى العجز السياسي قائمًا، كما أن رفع الرقابة لا يعني أن المواطن قادر على التأثير في القرار.
يبدو هذا الأمر جليًا في السياق السوري؛ فالتحرر من القبضة الأمنية يمثل انتقالًا نحو الحرية السلبية، لكنه لا يضمن نشوء حرية إيجابية ما لم تتشكل مؤسسات تسمح بالمشاركة الفعلية، وبالمساءلة، وبإمكانية تغيير السلطة سلميًا.
لا يمكن القول بزوال الخوف ببساطة، لأنه خلّف آثارًا عميقة في السلوك الجمعي. فالمجتمعات التي عاشت طويلًا تحت حكم أمني تميل إلى أحد اتجاهين متناقضين ظاهريًا ومتشابهين في الجوهر: إما انكفاء حذر يرفض الانخراط، أو اندفاع حاد يرى في كل اختلاف تهديدًا وجوديًا.
إن كلا السلوكين يعدّ نتيجة طبيعية لسنوات من إقصاء السياسة عن المجتمع؛ فحين تُمنع السياسة من أن تكون مجالًا منظمًا للتنافس، تتحول إلى صراع أخلاقي يصبح فيه الخصم خائنًا، والمعارضة مؤامرة، والاختلاف خرقًا للوحدة.
في مراحل الانتقال السياسي يختلط مفهوم الحرية بمفهوم الانفلات. يُظن أن إسقاط الرموز يكفي، أو أن تحطيم الخطوط الحمراء القديمة هو إنجاز بحد ذاته. لكن النتيجة المرجوة لا تُقاس بعدد المحرمات التي كُسرت، بل بقدرة المجتمع على إنتاج قواعد جديدة.
إن الحرية السياسية لا تعني غياب الضبط، بل انتقاله من استبداد إرادة فرد أو جهاز إلى نصوص قانونية عامة تُطبق على الجميع، على أن تُدار الدولة بالمؤسسات منعًا لإعادة إنتاج ذلك الاستبداد. فالتاريخ يوضح بالتجربة أن إسقاط نظام لا يؤدي تلقائيًا إلى قيام نظام ديمقراطي، وأن الفراغ السياسي يولد غالبًا سلطات أكثر هشاشة أو أكثر قسوة.
إذا أردنا العمل حقًا من أجل الحصول على دور سياسي، فعلينا بداية السعي إلى بناء دولة مؤسسات والابتعاد عن تمجيد الفرد. فالاعتماد على الفرد، مهما كانت نواياه، هو المدخل الأسهل لإعادة إنتاج الاستبداد. والحرية السياسية تتطلب قضاءً غير خاضع للسلطة التنفيذية، وإعلامًا مهنيًا، وبرلمانًا حقيقيًا، وإدارة عامة شفافة، وتقنين ذلك في دستور جامع مانع. فالدستور في أي دولة خارجة من نزاع ليس وثيقة شكلية، بل عقد اجتماعي؛ إذ يتحول كل نص غامض فيه لاحقًا إلى نزاع. لذلك فإن النقاش حول شكل الدولة وصلاحياتها وحدود سلطتها ليس ترفًا نظريًا، بل ضرورة وجودية.
في النظريات الكلاسيكية التي قدمها كل من Thomas Hobbes وJohn Locke وJean-Jacques Rousseau، تقوم الدولة الحديثة على فكرة "العقد الاجتماعي"، بحيث يتنازل الأفراد عن جزء من حريتهم الطبيعية مقابل حماية القانون وضمان الحقوق. لكن في الأنظمة السلطوية لا يوجد عقد فعلي، بل خضوع مفروض تُستمد الشرعية فيه من القوة لا من الرضا. أما في الدولة الحرة فالشرعية تقوم على قبول القواعد حتى من طرف الخاسرين سياسيًا.
إن التحدي في سوريا ليس فقط تغيير السلطة، بل إعادة تأسيس الشرعية نفسها؛ أي الانتقال من نظام يقوم على الطاعة إلى نظام يقوم على التوافق، ومن ولاء شخصي إلى ولاء دستوري، ومن الخوف إلى الثقة بالقواعد. ومن دون هذا الاتفاق الضمني تبقى السياسة صراعًا مفتوحًا على الغلبة.
حريّ بنا هنا أن نذكر أنه لا يمكن بناء حرية سياسية فوق إنكار الماضي. لكن العدالة الانتقالية ليست مرادفًا للثأر، بل هي عملية قانونية تهدف إلى كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وتعويض الضحايا، وضمان عدم التكرار.
لقد غذّت سنوات الاستبداد الانتماءات الضيقة على حساب الانتماء الوطني؛ ففي غياب دولة عادلة يلجأ الأفراد إلى الطائفة أو العشيرة أو الحزب بحثًا عن حماية. وأخطر ما يهدد أي انتقال سياسي هو انتشار السلاح خارج إطار الدولة، إذ لا يمكن الحديث عن حرية سياسية في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة. وإن احتكار الدولة للعنف المنظم ليس قمعًا بطبيعته، بل شرطًا لاستقرار القانون، بشرط أن يخضع هذا الاحتكار نفسه للمساءلة.
ولأن السياق السوري معقد بما فيه الكفاية، يبدو الانتقال من الخوف إلى الحرية محفوفًا بعقبات واضحة. أولها الاقتصاد المنهك؛ فلا يمكن تجاهل أن الفقر والبطالة يضعفان المشاركة السياسية ويدفعان الناس إلى البحث عن حلول سريعة ولو كانت سلطوية. ثانيها الاستقطاب الحاد؛ فحين ينقسم المجتمع إلى معسكرات متناحرة تصبح أي تسوية خيانة. والحرية السياسية تحتاج إلى حد أدنى من الثقة المتبادلة، وهذه لا تُبنى بالشعارات بل بإجراءات ملموسة. وثالثها التدخلات الخارجية؛ فالدول الضعيفة تصبح ساحة صراع بالوكالة، ما يعقّد أي محاولة لبناء قرار وطني مستقل.
لن يصل السوريون إلى حريتهم عبر إعلانها، بل عبر ممارستها اليومية. وذلك يعني انتخابات نزيهة، وصحافة مسؤولة، وقضاءً مستقلًا.
إن ثقافة المسؤولية تعني أن التعبير عن الرأي لا ينفصل عن احترام القانون، وأن المعارضة لا تعني هدم الدولة، وأن السلطة قد لا تكون عدوًا بطبيعتها، بل وظيفة يجب ضبطها. لكن هذا التحول الذهني يحتاج إلى وقت، ويحتاج إلى تجارب ناجحة صغيرة تثبت أن المشاركة ممكنة وأن القانون يُطبق فعلًا.
ربما علينا نحن السوريين التقدم بهدوء وتوخي الحذر في هذه المرحلة. لكن الهدوء هنا لا يعني السكون، بل تجنب القفزات غير المحسوبة. فالمجتمعات التي خرجت من صراعات طويلة غالبًا ما تدفع ثمن التعجل. والإصلاحات المتدرجة، حتى لو بدت بطيئة، تكون أكثر رسوخًا من التحولات الفجائية. لكن الهدوء لا يعني التنازل عن المبادئ الأساسية مثل سيادة القانون، والفصل بين السلطات، وحماية الحقوق.
لن تمشي سوريا نحو حريتها عبر القفز فوق ماضيها، ولا عبر الغرق فيه. ستحتاج إلى توازن صعب بين المحاسبة والاستقرار، وبين الإصلاح السريع والواقعية السياسية، وبين المثال الممكن والمثال المستحيل. فالحرية ليست وعدًا أخلاقيًا فقط، بل ترتيبًا عمليًا يحدد من يحكم، وكيف يحكم، وكيف يُحاسَب.
مثل غيرهم من الشعوب لن يصل السوريون إلى حريتهم عبر إعلانها، بل عبر ممارستها اليومية. وذلك يعني انتخابات نزيهة، وصحافة مسؤولة، وقضاءً مستقلًا. والمشي نحوها لا يحتاج صرخة مدوية، بل إرادة طويلة النفس، وقدرة على التعلم من الخطأ، واستعدادًا للاعتراف بأن السياسة ليست معركة أخلاقية بين خير مطلق وشر مطلق، بل إدارة عقلانية لاختلاف دائم. فالاختبار الحقيقي ليس في إسقاط الخوف، بل في منع عودته بأشكال أخرى.
ليس الطريق أمام سوريا قصيرًا، ولا مستقيمًا، ولا مضمون النتائج. فالانتقال من الخوف إلى الحرية ليس انتقالًا في المزاج العام، بل في بنية الدولة والمجتمع معًا. لقد كان الخوف نظامًا متكاملًا يضبط اللغة، ويعيد تشكيل العلاقات، ويحدد سقف الطموح. لذلك فإن الخروج منه لا يتم بإعلان سياسي فحسب.
Loading ads...
لا شك أننا أمام تحدٍّ حقيقي اليوم في منع إعادة إنتاج منظومة القمع بأدوات جديدة. فالاستبداد لا يعود دائمًا بالزي نفسه؛ أحيانًا يعود باسم الاستقرار، وأحيانًا باسم العدالة المؤجلة. لذلك فإن اليقظة القانونية والمؤسسية أهم من الحماسة الخطابية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



