31 دقائق
في اليوم الوطني السعودي: المملكة من أول عدسة إلى كاميرا الجوال.. كيف حفظ التصوير ذاكرة وطن؟
الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

قبل أن تصبح الصورة لحظة يومية يمكن التقاطها ومشاركتها خلال ثوانٍ، كانت تحتاج إلى ألواح زجاجية وتجهيزات تقنية خاصة ورحلة شاقة للوصول إلى المكان.
وتعود أقدم الصور الفوتوغرافية المعروفة حتى الآن داخل أراضي المملكة العربية السعودية اليوم إلى عام 1861، حين التقط المصور المصري محمد صادق بك صوراً للمدينة المنورة والمسجد النبوي، قبل أن يوثق مكة المكرمة والحرم المكي ومشاهد الحج عام 1880، ومنذ ذلك الوقت، واصلت العدسة تسجيل تحولات المكان والإنسان؛ من الحرمين والمشاعر المقدسة والأسواق والبيوت القديمة، إلى توسع المدن وتطور العمران وظهور أجيال من المصورين الذين تعاملوا مع الكاميرا بوصفها أداة للتوثيق والفن ورواية الحكايات.
واليوم، بعد نحو 165 عاماً من تلك البدايات، أصبحت الكاميرا في متناول أعداد واسعة من الأشخاص من خلال الهاتف، وتحولت الصورة من وثيقة نادرة يصنعها عدد محدود من المصورين إلى لغة يومية تسجل تفاصيل الحياة، وبمناسبة اليوم الوطني السعودي، نتتبع رحلة التصوير داخل المملكة؛ من الألواح الزجاجية في القرن التاسع عشر، مروراً بأوائل المصورين المحليين ورواد الفوتوغرافيا في السعودية، وصولاً إلى الجيل الذي يوثق وطنه بكاميرا الجوال.
قبل ظهور التصوير الفوتوغرافي وانتشاره، وصلت صور مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى العالم عن طريق الرسومات واللوحات والمطبوعات، حيث كان بعض الفنانين ينفذون أعمالهم استناداً إلى المشاهدة المباشرة، بينما اعتمد آخرون على الأوصاف التي ينقلها الرحالة والحجاج بعد عودتهم إلى بلدانهم. ثم تمر الرسومات بمراحل من الحفر على النحاس أو المعدن والطباعة، وهو ما كان يؤدي أحياناً إلى تغيير بعض التفاصيل أو إضافة تصورات لا تطابق المشهد الحقيقي.
ومع وصول الكاميرا، ظهرت وسيلة تقدم تسجيلاً بصرياً أكثر واقعية لما رآه المصور وقت التقاط الصورة. ولهذا لا تكمن قيمة الصور القديمة في ندرتها أو جمالها فقط، بل في كونها شهادة على مبانٍ وأماكن وعادات وتفاصيل حياتية تعرضت لتغييرات واسعة بمرور الزمن، ويستعرض متحف المكتين المتخصص في تاريخ تصوير مكة والمدينة هذه المرحلة من خلال الرسومات التي سبقت ظهور الكاميرا، ثم الصور الفوتوغرافية التي سجلت ملامح المدينتين المقدستين خلال مراحل تاريخية مختلفة.
ترتبط البداية الموثقة للتصوير الفوتوغرافي داخل أراضي المملكة اليوم باسم محمد صادق بك، وهو ضابط ومهندس ومسّاح مصري تولى أيضاً مهمة أمين صندوق قافلة الحج المصرية، وزار الحجاز مرات عدة، وفي عام 1861، اصطحب كاميرا تستخدم الألواح الزجاجية السالبة، والتقط صوراً للمدينة المنورة والمسجد النبوي ومحيطه حيث تشير مكتبة قطر الوطنية، استناداً إلى دراسات متخصصة في تاريخ التصوير، إلى أن صور المسجد النبوي التي التقطها صادق في ذلك العام تُعد أقدم الصور الفوتوغرافية المعروفة داخل أراضي المملكة.
كانت عملية التصوير آنذاك تحتاج إلى تجهيزات ومعرفة تقنية، كما كان إنتاج الصورة الواحدة ونشرها أكثر تعقيداً مما هو عليه اليوم. ولذلك لم تكن الصورة مجرد ذكرى شخصية، بل وثيقة نادرة يمكن أن تستغرق وقتاً طويلاً حتى تصل إلى الكتب أو المعارض أو الجمهور.
عاد محمد صادق بك إلى الحجاز حاملاً كاميرته، وتمكن عام 1880 من التقاط أولى الصور الفوتوغرافية المعروفة لمكة المكرمة والحرم المكي، إلى جانب مشاهد من عرفات ومنى ومناسك الحج، وواصل نشاطه التصويري خلال عام 1881.
أتاحت هذه الصور للناس مشاهدة الكعبة والمطاف والمشاعر المقدسة كما ظهرت أمام العدسة في لحظة تاريخية محددة، بعد أن كانت معرفة كثيرين بهيئة المكان تعتمد على الرسومات والأوصاف المكتوبة، كما احتفظت الصور بتفاصيل معمارية وعمرانية تغيرت لاحقاً مع التوسعات المتعاقبة، لتصبح مرجعاً بصرياً يمكن من خلاله مقارنة هيئة المكان في الماضي بما أصبح عليه في الحاضر.
وحصل محمد صادق بك عام 1881 على ميدالية ذهبية خلال فعالية جغرافية في مدينة البندقية تقديراً لإنجازه الفوتوغرافي، كما نشر عدداً من صوره وملاحظاته عن رحلات الحج في كتاب «مشعل المحمل» عام 1881، ثم كتاب «دليل الحج» عام 1896.
بعد أن ارتبطت البدايات بعدسة مصور قادم من خارج الحجاز، انتقلت الكاميرا إلى يد مصور يعرف مكة وأهلها من الداخل، إنه السيد عبدالغفار، الذي يرد في بعض المصادر باسم عبدالغفار بغدادي، ويُعترف به بوصفه أول مصور مكي معروف، ولا تتوافر معلومات كاملة عن حياته، لكن السجلات المتاحة تشير إلى أنه مارس الطب، وامتلك عدداً من المهارات التقنية، كما اهتم بتعلم تقنيات التصوير واستخدام الألواح الجافة.
وخلال الفترة من 1886 إلى 1889، التقط عبدالغفار أكثر من 250 صورة لمكة المكرمة وسكانها والحجاج. ولم تتوقف عدسته عند المباني والمشاهد العامة، بل اقتربت من الوجوه والملابس وتفاصيل الحياة الاجتماعية حيث نُشر جانب من أعماله عامي 1888 و1889 ضمن كتابين للمستشرق الهولندي كريستيان سنوك هرخرونيه، الذي تعاون معه خلال تلك المرحلة.
وتكشف قصة عبدالغفار أن الصورة لا تحفظ ملامح المكان فقط، بل تحمل أيضاً زاوية نظر صاحبها. فعندما أصبح المصور من أبناء مكة، استطاعت العدسة الاقتراب من تفاصيل المجتمع وحياته اليومية بصورة مختلفة عن صور الرحالة والزائرين.
مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بدأ التصوير ينتشر تدريجياً في الحجاز، وظهر مصورون مارسوه بصورة احترافية، ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة المصور المكي محمود عرب قرلي، والحاج أحمد مرزا، وهو مصور هندي عمل على التقاط الصور وبيعها للحجاج والمعتمرين.
ساهم ذلك في انتقال الصورة من نطاق البعثات والكتب الجغرافية إلى نطاق أكثر قرباً من الجمهور، فأصبحت الصور متداولة بين الحجاج، وبدأت العدسات تسجل جوانب متنوعة من الحياة المحيطة بالحرمين، وبمرور الوقت، لم تعد الكاميرا تلاحق المباني والمشاعر المقدسة وحدها، بل امتد حضورها إلى الأشخاص والشوارع والأسواق ووسائل التنقل، لتنشأ تدريجياً ذاكرة بصرية أوسع للمكان وسكانه.
مع دخول الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مكة المكرمة عام 1343هـ/1924م، بدأت مرحلة جديدة من تاريخ الحجاز، وواصل المصورون تصوير الحرمين والمشاعر وبالتالي تسجيل التحولات التي شهدتها المنطقة حيث برز خلال هذه الفترة عدد من المصورين، من بينهم شفيق بن محمود عرب قرلي، وصبري عبدالله بشناق وشقيقه جميل، ثم أفراد من أسرة بشناق الذين واصلوا العمل في التصوير.
يعرض متحف المكتين صورة نادرة للملك عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه أمام باب أجياد بالمسجد الحرام، التقطها شفيق محمود عرب قرلي عام ١٣٤٣هـ بعد حوالي شهرين من دخول الملك عبدالعزيز مكة. تظهر الصورة الملك المؤسس وهو يمتطي صهوة جواده بعد خروجه من المسجد الحرام متوجها إلى دار الحكومة. pic.twitter.com/yjPGpN23yB
في عام 1366هـ/1947م، التقط المصور والمهندس المصري محمد حلمي مجموعة من الصور للحرم المكي والمسجد النبوي، ضمن مهمة رسمية جاءت بطلب من الملك عبدالعزيز وتكليف من الملك فاروق، ملك مصر آنذاك، بحسب التوثيق المنشور لدى متحف المكتين.
تحفظ هذه الصور ملامح الحرمين والمناطق المحيطة بهما خلال تلك المرحلة، قبل التوسعات العمرانية الكبرى التي شهدتها المدينتان المقدستان لاحقاً، وهنا تظهر إحدى أهم وظائف التصوير؛ فهو لا يوقف الزمن، لكنه يحتفظ بسجل يمكن العودة إليه لرؤية ما تغير في المباني والشوارع والمساحات العامة وملامح الحياة.
خلال النصف الثاني من القرن العشرين، اتسع انتشار الكاميرات، وبدأت الصور الملونة تظهر للحرمين والمدن والمشاهد الطبيعية السعودية، ولم يعد التصوير مرتبطاً فقط بتسجيل المناسبات أو الأحداث الرسمية، بل تطور إلى فن ومجال احترافي يعتمد على التكوين والإضاءة واختيار اللحظة وبناء الحكاية داخل الإطار.
وفي عام 2013، شهد ملتقى «ألوان السعودية» تكريم أربعة من رواد التصوير في المملكة، هم عبدالله الدبيخي، وحمد العبدلي، وحامد شلبي، ومحمد شبيب.
وارتبط اسم حامد شلبي أيضاً بالكتابة التعليمية في المجال، ومن أعماله كتاب «التصوير الفوتوغرافي علم وفن»، الصادر عام 1983، أسهم هذا الجيل في انتقال الصورة من الاستديو وألبوم الأسرة إلى المعارض والمسابقات والكتب، كما ساعد في تكوين أجيال تتعامل مع الكاميرا باعتبارها وسيلة للتعبير الفني، وليست مجرد آلة لتسجيل ما يحدث.
يبرز المصور والصحفي السعودي صالح العزاز بوصفه أحد أهم الأسماء التي جمعت بين الصورة والكلمة، وُلد العزاز في محافظة الخبراء بمنطقة القصيم عام 1959، ونشأ متأثراً بالبيئة الصحراوية والنخيل والعادات الاجتماعية المحيطة به. والتحق بالعمل الصحفي في شبابه، لكنه وجد في الكاميرا وسيلة أخرى لرواية الحكايات.
ركزت أعماله على الواحات والنخيل والصحراء والإنسان، وقدم تجارب تربط بين الصورة المرئية والمعنى الأدبي والمجازي، ومن أعماله كتاب «الجنادرية.. الحدث» بالاشتراك مع المصور حمد العبدلي، ومشاركته بالتصوير في كتاب «العودة إلى الأرض»، الذي وثق تجربة البناء بالطين، إضافة إلى كتاب «المستحيل الأزرق» بالتعاون مع الشاعر البحريني قاسم حداد.
وفاز العزاز بالمركز الثاني في مهرجان الاتحاد العالمي للمصورين عام 1997، وشارك في معارض دولية، كما أقام معرض «بلا حدود» عام 2001، قبل رحيله عام 2002، وتصفه الموسوعة السعودية «سعوديبيديا» بأنه أحد أوائل المصورين المحترفين في المملكة، ومن الذين أسهموا في تغيير الأنماط التقليدية للفوتوغرافيا السعودية، من خلال الكتب المصورة والربط بين الصورة والكلمة.
مع انتشار التعليم المتخصص والكاميرات الرقمية والمنصات الإلكترونية، اتسعت قاعدة المشتغلين بالتصوير في المملكة، وأصبح المجال أكثر تنوعاً في موضوعاته وأصحاب تجاربه، كما تعزز حضور المصورات السعوديات في التصوير الفني والصحفي والتجاري، وتوثيق التراث والعمارة والأزياء والمناسبات والحياة اليومية.
وتكمن أهمية هذا الحضور في تنوع زوايا النظر إلى المجتمع؛ فكل مصور أو مصورة يختار اللحظة والموضوع والتفاصيل التي يراها جديرة بالبقاء، لتصبح الذاكرة البصرية أكثر اتساعاً وتعدداً.
لا تُحفظ الذاكرة بمجرد التقاط الصورة؛ فالصورة التي تفقد تاريخها أو مكان التقاطها أو اسم مصورها وهوية الأشخاص الظاهرين فيها، تفقد جزءاً من قيمتها الوثائقية، ولهذا تؤدي المؤسسات الثقافية والأرشيفية دوراً أساسياً في جمع الصور القديمة وحفظها وفهرستها ومعالجتها.
ومن أبرز هذه المؤسسات دارة الملك عبدالعزيز، وهي مؤسسة حكومية متخصصة في حفظ وجمع مصادر تاريخ المملكة والجزيرة العربية، وأنشأت الدارة عام 2001 مركز أرشيف الصور والأفلام التاريخية، وهو مركز متخصص في حفظ الصور والبكرات والأشرطة الفيلمية والصوتية والسينمائية. كما تضم «المركز السعودي للمحتوى الرقمي – رقمن»، المعني بالحفظ والمعالجة والتحويل والأرشفة الرقمية، وفقاً لصفحة دارة الملك عبدالعزيز في سعوديبيديا.
صور تجمع الملك عبدالعزيز بعددٍ من مستشاريه ومعاصريه، ومن بينهم أمين الريحاني وحافظ وهبة، اللذان وثّقا مشاهداتهما في مؤلفات أصبحت من أبرز المصادر التاريخية لتلك المرحلة.
استمعوا إلى ملخصات كتبهما ضمن مبادرةالملخصات الصوتية «الملك عبدالعزيز بعيون معاصريه».... pic.twitter.com/hwJJvOURLD
وبفضل هذه الجهود، تتحول الصورة من مقتنى شخصي معرض للتلف أو الضياع إلى مصدر يستطيع الباحث من خلاله دراسة تطور العمارة والملابس ووسائل النقل والمناسبات العامة وشكل الحياة خلال فترة زمنية محددة.
احتاج محمد صادق بك في القرن التاسع عشر إلى ألواح زجاجية وتجهيزات خاصة حتى ينتج عدداً محدوداً من الصور، أما اليوم فيستطيع الهاتف التقاط الصور ومقاطع الفيديو وحفظها ومشاركتها خلال ثوانٍ حيث جعل الهاتف كل شخص مصوراً محتملاً؛ يوثق حيه ومدينته وأسرته ورحلاته واحتفالات اليوم الوطني. وقد تتحول صورة عادية لشارع أو منزل أو زي شعبي، بعد مرور عقود، إلى وثيقة تكشف للأجيال المقبلة كيف كانت الحياة في عام 2026.
لكن سهولة التقاط الصور وكثرتها لا تضمن بقاءها؛ فقد تضيع الملفات بتلف الأجهزة أو حذف الحسابات، كما تفقد الصورة جزءاً من معناها إذا لم يُسجل معها تاريخها ومكانها والمعلومات المرتبطة بها؛ ولهذا أصبحت مهمة المصور المعاصر مزدوجة: أن يلتقط اللحظة، ثم يحفظها وينظمها بطريقة تسمح باستعادتها وفهمها مستقبلاً.
من أقدم الصور المعروفة للمدينة المنورة عام 1861، إلى الصور اليومية التي تلتقطها الهواتف في عام 2026، قطعت الفوتوغرافيا رحلة طويلة داخل السعودية، وخلال هذه الرحلة، حفظت العدسات ملامح الحرمين والمشاعر المقدسة، وهيئة المدن قبل توسعها، وجوانب من حياة الناس وملابسهم وأسواقهم ووسائل تنقلهم، كما سجلت مراحل من التحول العمراني والاجتماعي والثقافي.
Loading ads...
ولا تمثل الصورة الحقيقة كاملة؛ فهي تسجل ما اختار المصور أن يضعه داخل الإطار، لكنها تظل نافذة أساسية لفهم الماضي ومقارنته بالحاضر، وفي اليوم الوطني السعودي، لا تبدو الصور مجرد ذكريات للاحتفال، بل صفحات من سيرة وطن؛ بدأت بألواح زجاجية وعدسات حملها عدد محدود من الرواد، وتتواصل اليوم عبر كاميرا يستطيع كل شخص أن يحملها في جيبه. تابعوا المزيد من مواد ثقافة وفنون: لمناسبة اليوم الوطني السعودي الـ96.. حكايات وراء أسماء 5 مدن ومناطق سعودية
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




