2 ساعات
بين اعترافات أمجد يوسف ومحاكمة عاطف نجيب.. جدل العدالة الانتقالية في سوريا
الإثنين، 27 أبريل 2026
مع انطلاق محاكمة عاطف نجيب وبثّ اعترافات أمجد يوسف، تدخل سوريا مرحلة مفصلية طال انتظارها، منذ سقوط النظام المخلوع، لحظة تختلط فيها مشاعر الإنصاف بقلقٍ متصاعد من أن تنزلق هذه الخطوة نحو مسار قانوني هشّ، قد يهدّد جوهر العدالة المنشودة.
وفي خضم هذا التحوّل، يتكثف الجدل داخل الأوساط الحقوقية السورية، والنقاش المطروح لا يتعلق بـ"أحقية" القصاص، إنّما حول "كيفيته" ومعايير تحقيقه، فهل تمضي سوريا فعلاً نحو تأسيس عدالة رصينة ومستدامة، أم أن الاستعجال قد يفتح ثغرات قانونية يستغلها الجناة لاحقاً؟
أثارت طريقة عرض اعترافات أمجد يوسف (سفّاح مجزرة التضامن) جدلاً واسعاً، ليس بسبب مضمونها فقط، بل بسبب ما حملته من اختزال محتمل لجريمة معقدة هزّت الوجدان السوري، منذ تسريب مقاطعها في تحقيق لـ صحيفة "الغارديان"، أواخر نيسان 2022، حيث أصرّ مرتكبها على أنّه فعل ذلك بـ"قرارة نفسه" فقط، ما أثار مخاوف من محاولة تبرئة الهرم القيادي.
في هذا السياق، يرى المحامي ميشيل شماس، بحسب ما نشر على حسابه الشخصي في "فيس بوك"، أنّ العدالة لا تُدار عبر "فيديو اعترافات سريع" يختزل مجزرة ممنهجة إلى "فعل فردي"، محذّراً من إغلاق الباب أمام الأسئلة الكبرى: "العدالة تحتاج إلى كشف كل المقاطع، كل الأسماء، كل الأوامر، وكل المسؤوليات".
وهو ما أيده السياسي لبيب النحاس -عبر حسابه في "فيس بوك"- بدعوته إلى تبني استراتيجية "أنماط الجريمة"، التي تكشف تسلسل الأوامر والعقول المدبرة والمنظّرة للجريمة، إذ "من المستحيل تنفيذ مجازر كهذه دون أوامر مباشرة وواضحة".
وقد أشار "نحاس" إلى أنّ نشر اعترافات أمجد اليوسف بهذه الصيغة المتعجلة شكّل "سقطة لا يجب أن تتكرّر"، لأنّها اختزلت مجزرة معقدة في فعل فردي، بما قد يرسّخ سردية تفصل الجريمة عن سياقها المنهجي داخل منظومة الحكم.
من جهته، انتقد فضل عبد الغني -مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان)- عرض التحقيقات الأولية علناً، مؤكّداً "يجب أن تظل سرية لكي لا يستغلها محامو الدفاع للطعن في الإجراءات، بينما تكون المحاكمة علنية".
لكنّه أكّد، في مداخلة على تلفزيون سوريا، أنّ الاعتراف هو "سيد الأدلة" لإدانة المنفذ بسرعة، لكنه لا يبرئ الرتب الأعلى، موضحاً: "الاعتراف لا يبرئ المنظومة، هؤلاء جزء من ماكينة قتل وتعذيب.. المجرم الحربي إجرامه مركّب وهيكلي".
في المقابل، قدّم المحامي مازن جمعة قراءة مختلفة، معتبراً أن نشر الاعترافات يعكس شفافية في نقل الوقائع، مشدّداً على أن غياب الأوامر المباشرة لا ينفي مسؤولية القيادة، بل يؤكّد وجود "بيئة حاضنة للجريمة"، وهو ما يؤكّده كثير من الحقوقين والباحثين بأنّ "الجرائم ذات الدوافع الفردية لا يمكن فصلها عن البيئة التي سمحت بها السلطة، ما يعزز مسؤولية المنظومة ككل".
عكست حلقة من برنامج "سوريا اليوم" تحت عنوان: "هل تمثل جلسة محاكمة عاطف نجيب اختبارا لمسار العدالة؟" على تلفزيون سوريا، تباين القراءات حول الجلسة الأولى للمحاكمة، بين من اعتبرها بداية ضرورية، ومَن رأى فيها مساراً ناقصاً.
المحامي طارق الكردي اعتبر أن المحاكمة تمثل "بداية فعلية لمسار المحاسبة"، مؤكداً أن سوريا لا تحتمل الانتظار، وأن المضي بالمحاكمات بالتوازي مع تطوير القوانين هو الخيار الواقعي، معتبراً أن الجرائم لا تسقط بالتقادم بسبب استمرار آثارها.
وأشار الكردي، إلى أهمية اختيار قضاة لديهم خبرة في حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، رافضاً فكرة إشراك قضاة دوليين في المحاكمات داخل سوريا، معتبراً أنّ هذا الملف "سيادي"، مؤكّداً على أنّ القانون السوري، رغم ضعفه، يمكن أن يحقّق العدالة مرحلياً إلى حين تطويره.
في المقابل، انتقد الحقوقي أنور البني (رئيس المركز السوري للدراسات القانونية) جلسة محاكمة عاطف نجيب بشدة، وأنّها مجرّد "استعراض وتسخيف للعدالة والضحايا"، كما اعتبر أنّ اختزال الجرائم كـ"أفعال فردية" (مثل حالة أمجد يوسف) هو تشويه لطبيعتها المنهجية، معتبراً أنّ المسار الحالي "قد يفشل العدالة الانتقالية بالكامل".
كذلك، حذّر البني من أن الاكتفاء بالقانون السوري قد يؤدي إلى إفلات المتهمين، وأنّ غياب المعايير الدولية سيمنع تسليم المطلوبين من الخارج، داعياً إلى إنشاء محاكم خاصة وتطبيق القانون الجنائي الدولي بمشاركة قضاة دوليين لضمان الحياد والمصداقية، محذّراً من أنّ غياب المعايير الدولية سيمنع تسليم المطلوبين من الخارج.
أمّا المحامي المختص بالعدالة الانتقالية علي عبد الحميد الزير، فقدّم مقاربة وسطية، معتبراً أن المحاكمة تشكّل "إعلان بداية لمسار وطني"، وأن اللجوء إلى القضاء العادي يكرّس نهاية المحاكم الاستثنائية، مع إمكانية تضمين توصيف الجرائم الدولية في حيثيات الأحكام، حتى لو صدرت وفق القانون السوري.
وأشار "الزير" إلى أن المحاكمة أمام محكمة الجنايات العادية (القضاء العادي) هي رسالة بليغة بانتهاء عصر "المحاكم الميدانية والاستثنائية"، لافتاً إلى أنّ الخيارات الدولية (الجنائية الدولية أو المحاكم الخاصة) غير متاحة حالياً، متوقّعاً أنّ تكون المحاكمات طويلة ومعقدة بسبب كثرة الملفات والشهود.
من جهتها، رأت نور الخطيب -من الشبكة السورية لـ حقوق الإنسان- أن المحاكمة جاءت استجابة لضغط شعبي واسع، معتبرة أنها خطوة مهمة في تحقيق الإنصاف المعنوي للضحايا، رغم ما يحيط بها من ثغرات، مع الإشارة إلى أنّ بعض الجرائم ما تزال مستمرة، مثل الإخفاء القسري، مشدّدةً على أنّ نجاح العدالة الانتقالية مسؤولية جماعية.
وفي سياق متصل، وصف فضل عبد الغني -مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان- المسار القضائي الحالي بأنّه "هجين"، يوازن بين الضغط الشعبي وبين الأدوات القانونية المتاحة.
وفي لقاء منفصل على تلفزيون سوريا، أكّد عبد الغني، أن توجيه الاتهام لـ بشار الأسد وشقيقه ماهر يستند إلى كونهم مواطنين سوريين في المقام الأول، حيث يمنح قانون أصول المحاكمات الجزائية الحق للقضاء بإصدار مذكرات توقيف ومحاكمتهم غيابياً.
وعن جدوى هذه الخطوة في ظل وجودهم خارج سوريا، أشار عبد الغني إلى أنّ الإدانة المحلية الغيابية تسمح بـ"تجميد الأصول وإقرار المسؤولية الجنائية الفردية"، معتبراً أن مثول رموز مثل عاطف نجيب خلف القضبان يمثل "أوّل خط من خطوط الإنصاف المعنوي والنفسي لملايين السوريين".
خارج استديو تلفزيون سوريا، تصاعد النقاش القانوني عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث حذّر المحامي غزوان قرنفل من مخاطر البدء بمحاكمات -جلّها غيابية- وفق قانون العقوبات القديم (قانون 1949)، الذي يخضع لمبدأ التقادم ولا يتضمن توصيفات الجرائم الدولية.
ويرى قرنفل، بحسب ما كتب على حسابه الشخصي في "فيس بوك"، أنّ ذلك قد يفتح باب "القانون الأصلح للمتهم"، ما قد يسمح بمحاكمة الجناة على جرائم جنائية عادية تسقط بمرور الزمن، بدلاً من جرائم "إبادة" لا تموت بالتقادم.
ويتقاطع هذا مع رأي عدد من الخبراء، الذين يرون أنّ العدالة الانتقالية تتطلب بنية تشريعية متكاملة، تضمن توصيف الجرائم بدقة، وتوسّع دائرة المسؤولية لتشمل صناع القرار لا المنفّذين فقط.
تذهب شريحة واسعة من الحقوقيين إلى أنّ محاكمات رموز النظام المخلوع التي تشهدها سوريا حالياً، وخصوصاً تلك التي تجري "غيابياً"، تظل إجراءات مؤقتة، إذ تسقط الأحكام قانوناً بمجرّد القبض على المتهم أو تسليم نفسه، وتُعاد المحاكمة من نقطة البداية.
وفي ظل هذا الواقع، يبرز طرح يدعو إلى التريث ريثما يصدر قانون متكامل للعدالة الانتقالية، بالتوازي مع انعقاد مجلس الشعب السوري المرتقب، بما يضمن بناء مسار قضائي أكثر تماسكاً، حيث يستند هذا الطرح إلى جملة اعتبارات، أبرزها:
تجنب تشتيت الأدلة: لمنع استهلاك الشهود وتضارب الإفادات قبل تشكيل المحاكم المختصة.
سد ثغرات الطعن: لضمان عدم ادعاء الجناة بأن القضاء "انتقامي" أو "غير نزيه" أمام المحاكم والهيئات الدولية.
الولاية القانونية العليا: تبرز هنا أهمية إقرار تشريعات وطنية تتبنى معايير "نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)"، فبالرغم من أن سوريا ليست دولة موقعة على الميثاق حتى الآن، إلا أنّ تبني مبادئه محلياً يمنح الأحكام ولاية قانونية شاملة، ويجعلها محصنة دولياً وغير قابلة للالتفاف.
ويؤكد الحقوقيون السوريون، أنّ مواءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية وتوصيفات "جرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية"، التي لا تسقط بالتقادم، هي الضمانة الوحيدة لتحويل هذه المحاكمات من مجرّد إجراءات محلية إلى أحكام تاريخية عابرة للحدود والزمن".
في خضم هذا الجدل، يقف السوريون اليوم أمام تساؤل جوهري: لماذا يسعى البعض إلى كبح مشاعر الفرح بمحاكمات تجري بعد سنوات طويلة من القهر، حتى وإن وُصفت بأنّها "استعراضية" أو "عاطفية"؟
إن رؤية عاطف نجيب، المجرم الذي أشعل بـ"حقده" شرارة الثورة الأولى في درعا وامتدت إلى سائر المدن السوريّة، وهو ذليل في قفص الاتهام، أو مشاهدة أمجد يوسف وهو يواجه فظائعه في التضامن، استحقاق معنوي لا يقدر بثمن.
والحقيقة أن هذه المحاكمات -وإن وُصفت بالاستعراضية أو العاطفية- لا تشكّل خطراً حقيقياً على مسار "العدالة الانتقالية" المستقبلي، فمن الناحية القانونية، الأحكام الغيابية تسقط حكماً بمجرّد القبض على المتهمين، مما يتيح إعادة محاكمتهم لاحقاً وفق القوانين الأكثر رصانة، والتي سيقرها مجلس الشعب السوري المرتقب.
Loading ads...
لذا، لا ضير أبداً في أن يحظى السوريون بلحظةِ "تشفٍّ مشروع" وإنصاف معنوي آني، طالما أن هذه المحاكمات تكسر حاجز الحصانة الوهمي، وتؤسس لثقافة المحاسبة، فالفرحة برؤية الجلاد خلف القضبان اليوم، هي "مقبلات" ضرورية على مائدة العدالة الكبرى التي ستُطبخ على نار القانون الهادئة لاحقاً إن شاء الله.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





