طوّر باحثون بجامعة جونز هوبكنز الأميركية جهازاً طبياً صغيراً، يعتمد على الموجات فوق الصوتية، يمكن زرعه مؤقتاً قرب موضع إصابة الحبل الشوكي لمراقبة تدفق الدم، والتغيرات التي تطرأ على الأنسجة المحيطة، في خطوة قد تقلل من مضاعفات خطيرة يواجهها المصابون خلال فترة التعافي.
وأظهرت التجارب الأولية، التي أجراها مهندسون وجراحون، إمكانية زرع الجهاز بأمان في نماذج حيوانية، واستخدامه للحصول على صور ومعلومات لحظية عن الدورة الدموية في المنطقة المصابة، دون حاجة إلى نقل المريض لإجراء فحوص تصويرية متكررة.
نُشرت النتائج في دورية "Science Advances"، ضمن مشروع بحثي حصل على تمويل بقيمة 13.48 مليون دولار من وزارة الحرب الأميركية (البنتاجون)، ويهدف إلى تطوير تقنيات تساعد الأطباء على متابعة إصابات الحبل الشوكي، والتدخل مبكراً عند ظهور تغيرات قد تهدد سلامة الأنسجة العصبية.
ويحمل الجهاز اسم "النظام متعدد الوسائط بالموجات فوق الصوتية لرعاية الإصابات"، ويأتي في حجم يماثل تقريباً ضمادة طبية صغيرة، ويمكن تثبيته فوق الحبل الشوكي أثناء العملية الجراحية التي يخضع لها المصاب، بحيث يظل في موضعه مؤقتاً خلال مرحلة المتابعة الطبية.
تعد إصابات الحبل الشوكي من أكثر الإصابات تعقيداً، نظراً لاحتمال تسببها في فقدان الحركة، أو الإحساس، فضلاً عن المضاعفات الناتجة عن اضطراب الدورة الدموية وتلف الأنسجة العصبية.
ولا تقتصر خطورة الإصابة على الضرر الأولي الذي يحدث وقت الحادث؛ إذ قد تتطور إصابات ثانوية خلال الساعات والأيام التالية، نتيجة انخفاض تدفق الدم، أو التورم، أو التغيرات الالتهابية، ما يزيد احتمالات تدهور الوظائف العصبية.
وتعتمد متابعة هذه الحالات عادة على الفحوص السريرية والتصوير الطبي، بما في ذلك التصوير بالرنين المغناطيسي، لكن نقل من يعانون من إصابات شديدة من وحدات العناية المركزة إلى أجهزة التصوير قد يكون صعباً، خصوصاً في الأيام الأولى بعد الجراحة.
ولهذا، صمم الباحثون الجهاز ليعمل كوسيلة تصوير ومراقبة موضعية، يمكن استخدامها عند الحاجة، بما يوفر معلومات متجددة عن حالة الأنسجة دون تحريك المريض.
وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، أمير منبجي، الأستاذ المشارك في جراحة الأعصاب والهندسة الطبية الحيوية بجامعة جونز هوبكنز، إن طبيعة إصابات الحبل الشوكي تتطلب وسائل قادرة على مراقبة التغيرات الفسيولوجية، والتعامل معها مباشرة في موضع الإصابة.
وأوضح الباحثون أن الجهاز قد يساعد الأطباء مستقبلاً على تقييم تدفق الدم في الأوعية الدقيقة المحيطة بالحبل الشوكي، ورصد تجمع السوائل والتورم، فضلاً عن متابعة الاستجابة للأدوية، والتغيرات التي تحدث في الأنسجة المجاورة.
وقد تتيح هذه المعلومات تعديل الخطط العلاجية بصورة أسرع، بدلاً من الاعتماد على نتائج فحوص تجرى في أوقات متباعدة، وهو ما يمثل أهمية خاصة عندما يكون الوقت عاملاً حاسماً في الحد من الأضرار العصبية.
ويتميز الجهاز بتصميم يجمع بين وظيفتين مختلفتين للموجات فوق الصوتية؛ الأولى تشخيصية تعتمد على التصوير ومراقبة تدفق الدم، والثانية علاجية لا تزال في مرحلة البحث والاستكشاف.
وتسمح الوظيفة التشخيصية بالحصول على صور مباشرة للمنطقة المصابة، مع متابعة التغيرات في الدورة الدموية والأنسجة، وهو الجانب الذي اختبره الباحثون في التجارب الأولية على الحيوانات.
أما الوظيفة العلاجية، فتعتمد على إمكانية استخدام الموجات فوق الصوتية المركزة للتعامل مستقبلاً مع بعض التغيرات التي تطرأ على تدفق الدم حول الإصابة، خصوصاً عندما ينخفض، أو يرتفع عن المستويات المقبولة.
لكن الباحثين أكدوا أن هذه الإمكانات العلاجية لا تزال قيد التطوير، وأن النتائج الحالية لا تثبت قدرة الجهاز على استعادة الحركة، أو إصلاح الأنسجة العصبية التالفة.
حصل الجهاز في عام 2023 على تصنيف "الجهاز المبتكر" من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، وهو مسار تنظيمي يهدف إلى تسريع تطوير ومراجعة التقنيات الطبية الواعدة؛ لكنه لا يعني حصول الجهاز على موافقة نهائية للاستخدام السريري.
وقال الباحث المشارك في الدراسة، نيكولاس ثيودور، جراح الأعصاب السابق في جونز هوبكنز، إن توقيت التدخل الطبي يؤدي دوراً أساسياً في التعافي، وأشار إلى أن المشروع يجمع بين تخصصات هندسية وطبية متعددة بهدف تطوير رعاية أكثر دقة تتناسب مع احتياجات كل مريض.
وأضاف أن تحسين المعلومات المتاحة للأطباء خلال الفترة التالية للجراحة قد ينعكس على النتائج الصحية للمصابين بعد أشهر، أو سنوات من الإصابة.
ورغم النتائج المشجعة، لا يزال المشروع في مرحلة البحث قبل السريري؛ إذ اقتصرت الدراسة المنشورة على إثبات إمكانية زرع الجهاز مؤقتاً، واستخدامه للحصول على صور ومعلومات عن تدفق الدم في النماذج الحيوانية.
ويخطط الباحثون لإجراء دراسات إضافية لتحسين أداء الجهاز، وتقييم قدرته على رصد التغيرات الدقيقة في الأنسجة والعمود الفقري، قبل تحديد مدى ملاءمته للتجارب البشرية.
وتشير التقديرات إلى وقوع نحو 18 ألف إصابة جديدة بالحبل الشوكي سنوياً في الولايات المتحدة، وتعد حوادث المركبات من أبرز أسبابها.
Loading ads...
ويرى الباحثون أن القيمة المحتملة للتقنية لا تكمن في علاج الإصابة مباشرة، بل في منح الأطباء وسيلة لمراقبة ما يحدث داخل المنطقة المصابة بصورة مستمرة، بما قد يساعدهم مستقبلاً على اكتشاف التدهور مبكراً، واتخاذ قرارات علاجية أكثر دقة لحماية الوظائف العصبية المتبقية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





