يعاني العديد من الأطفال من أفكار عنيفة وسلوكيات عدوانية. قد يتحول اللعب العنيف المعتاد إلى عنف مفرِط؛ فيقوم الأطفال بالضرب والركل والخدش والعض والرمي؛ بل وحتى الخنق. يستمتع الكثير منهم باللعب بمسدسات الألعاب. حتى في المنازل التي تُحظر فيها أسلحة الألعاب، يتظاهر الأطفال بأنهم محاربون؛ فيصنعون بنادق من العصي ومسدسات من الخبز المحمص. وهذا كله قد يستدعي من مديري المدارس وأخصائيي الصحة النفسية، أن يعاقبوا الطلاب بالإيقاف عن الدراسة لتكرارهم هذا السلوك فيها. رغم شيوع هذه السلوكيات العنيفة لدى الأطفال، إلا أن الآباء قلقون؛ لأن أطفالهم ربما لا يتمكنون من تكوين أصدقاء، قد يقع الطفل في مشاكل خطيرة، ويفتقر إلى التعاطف. قد يصبح قاسياً، وقد يكون مختلاً عقلياً، يعاني من مشكلة عاطفية عميقة أخرى. وعلى الرغم من مخاوف الآباء هذه؛ فإن الغالبية العظمى من الأطفال الذين يُظهرون هذا النوع من السلوك المزعج، يتعافَون في النهاية. ولكن متى يجب أن نقلق؟ ولماذا يتصرف الأطفال بهذه الطريقة؟ وماذا ينبغي علينا فعله؟
ليس سراً، أن الأولاد والبنات يميلون إلى اللعب بشكل مختلف. فقبل سن الثالثة؛ حتى في الأسر التي لا تفرّق بين الأولاد والبنات، قد يختار الأطفال ألعاباً تقليدية خاصة بهم. وبشكل عام، يُعَد العنف المسلح مشكلة ذكورية. ترتبط بشكل شبه حصري بالذكور. ورغم أن العلاقة التي تربط بين النمط الجيني XYY والتصرفات العنيفة، والتي تعود لعقود مضت، أثبتت أنها معقدة وغير مؤكدة، إلا أنه يبدو أن هناك شيئاً ما يتعلق بالكروموسوم Y يَزيد من خطر العدوانية. ففي دراسات عديدة، وجد علماء الأحياء العصبية أن تأثيرات هرمون التستوستيرون المُذكِّرة على دماغ الجنين، مرتبطة باختلافات لاحقة في السلوك. على الرغم من أن السببية معقدة والفتيات لسن ما بمنأى عنها، إلا أن هناك ارتباطاً قوياً بين السلوك العنيف، والأولاد، ومجموعة من العوامل الفطرية الأخرى. في نواحٍ عديدة، لا نولد كصفحات بيضاء تُكتب عليها هويتنا بالثقافة وحدها. ومنذ أربعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، أثبتت دراسة نيويورك الطولية أن الاختلافات الفطرية في أسلوب السلوك قد تستمر مدى الحياة. وقد أكدت دراسات أخرى أجريت على توائم تم تبنيهم عند الولادة ونشأوا في منازل مختلفة، هذه البرمجة الفطرية. من السهل تخيُّل كيف يمكن لبعض أنماط المزاج أن تَزيد من خطر السلوك العنيف لدى الطفل. على سبيل المثال: النشاط الحركي العالي، والاندفاعية العالية، ورد الفعل الأولي السلبي، والقدرة المنخفضة على التكيف، وشدة رد الفعل، والمزاج السلبي، وأنواع معيّنة من البحث عن الإثارة الحسية. ربطت هذه الدراسات بين مزاج الطفل "الصعب" وارتفاع مستوى الكبت، ومزاج الطفل "السهل" وانخفاض مستوى الكبت. وتم تعريض أطفال صغار لأصوات غوريلا مرعبة؛ فانسحب معظمهم خوفاً. لكن البعض انجذب إلى أصوات الرعب هذه. إلى جانب المزاج، قد تُسهم بعض أوجه القصور في المهارات بشكل غير مباشر في السلوك العنيف. فالأطفال الذين يعانون من صعوبات في المهارات الحركية واللغوية والتنفيذية، قد يتعرضون للتوتر أو الإحباط؛ مما يدفعهم إلى التعبير عن غضبهم بعنف. أما الأطفال الذين يعانون من قصور في المهارات الاجتماعية؛ فقد لا يتمكنون من فهم الإشارات الاجتماعية أو السياق، وقد يلجأون إلى سلوكيات غير لائقة؛ لجهلهم بالطرق التقليدية للتعامل مع بعض المواقف الاجتماعية. كما أن الأطفال الذين تعرّضوا لصدمات نفسية نتيجة مشاكل طبية خطيرة، أو إصابات، أو دخول المستشفى، أو عمليات جراحية، أو ردود فعل تحسسية شديدة، قد يكونون أكثر حساسية تجاه بعض المحفزات الاجتماعية أو الحسية. وقد تؤدي عوامل عديدة إلى السلوك العنيف. لذا، يجب أن يكون النهج الفعال فردياً وفقاً للأسباب الكامنة وراء كل حالة.
على الرغم من أهمية فهم العوامل البيولوجية التي تسبق العنف؛ فإن العوامل الثقافية لا تقل أهمية. يتعرض الأطفال، بطرق ظاهرة وخفية، لضغوطات أسرية وأقرانية. وقد يكونون قد تعرّضوا لصدمات نفسية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وقد يعانون من نقص في الموارد المالية أو التعليمية. وبالطبع، هناك تعرُّض متزايد للعنف في وسائل الإعلام.
فالطفل العادي، قبل المرحلة الإعدادية، يشاهد 8000 جريمة قتل و100000 عمل عنف، عبْر الشاشات، بما في ذلك الاعتداء. وربما يكون هذا فقط على شاشة التليفزيون. أما اليوم؛ فيتعرض الأطفال للعنف على الشاشات بشكل متكرر وأكثر وضوحاً، وعلى منصات مشاهدة أكثر تنوُّعاً. ففي أغلب غرف النوم، توجد أجهزة كمبيوتر وألعاب فيديو وأجهزة تعمل باللمس، تعرض آلافاً من مقاطع الفيديو على يوتيوب والأفلام والقنوات الإلكترونية. يتعرض الأطفال لوابل من الصور العنيفة. بعض هذه المصادر غير لائقة بشكل واضح، بينما يُعتبر بعضها الآخر مقبولاً ولكنه قد يكون ضاراً أيضاً، مثل بعض الرياضات (كرة القدم، فنون الدفاع عن النفس) والرسوم المتحركة (عائلة سيمبسون، ساوث بارك). بعد مشاهدة العنف، لا يصبح الأطفال أكثر استعداداً لإيذاء الآخرين في المنزل فحسب؛ بل يُقدِمون على ذلك بالفعل. هذه العلاقة بين التعرُّض للعنف والعدوان الفعلي، هي مشكلة صحية عامة خطيرة. ومع ذلك، لايزال التزام شركات صناعة الترفيه بمعايير مجلس تصنيف برامج الترفيه اختيارياً. ويقع تنظيم تعرُّض الأطفال للعنف في وسائل الإعلام، على عاتق الوالدين بالكامل.
كثيراً ما يستخدم الأطفال كلمتي "إطلاق نار" و"قتل" من دون أيّة نية للإيذاء. حيث يختلف اللعب العنيف عن العدوان الجاد. ويُعَد قدرٌ من اللعب العنيف طبيعياً؛ بل وصحياً. وحسب رأي الخبراء، أنه يُمكن أن يُعزز اللعب القاسي النموّ الاجتماعي والعاطفي والجسدي، ويُثري الخيال ومهارات حل المشكلات. ويُمكن أن يُعزز الثقة بالنفس ويُنمّي التفاعل الاجتماعي. ومن خلال هذا اللعب العنيف، يتعلم الأطفال القواعد والحدود والموافقة والتعاون. كما يُمكن أن يُساهم اللعب العنيف في كسر الأدوار النمطية المُحددة ثقافياً والتحيزات، ويُعزز النشاط الحركي الصحي. لكن متى يكون القلق واجباً؟
Loading ads...
أخطاء تربوية تؤدي لظهور العنف عند الطفل
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

لماذا يُظهر الطفل سلوكيات عدوانية فقط داخل المنزل؟
منذ ساعة واحدة
0



