عمليا ومن خلال متابعة أحدات ومجريات ملف الثورة السورية منذ اللحظات الأولى لقيامها، وحتى لحظة انتصارها، وانتهاء حقبة الظلام والاستبداد لحكم النظام الأسدي المجرم، وماتخلل هذا الملف المعقد من تدخلات وتداخلات سياسية وعسكرية دولية، فإننا نجد أخيرا أن الإدارة الأميركية بعيد التطورات الميدانية السريعة والمفاجئة المتمثلة بدخول الجيش العربي السوري شرقي الفرات وسيطرته على (الرقة، دير الزور، وأجزاء واسعة من محافظة الحسكة)، ورفع الغطاء الأميركي عن ميليشيات ''قسد'' بعد التراجع الحاد بالإعتماد على دورها كشريك رئيسي لها في محاربة تنظيم ''داعش''خلال السنوات الماضية !!، وتسليم ''واشنطن'' للعديد من القواعد الإستراتيجية للدولة السورية، وخاصة قاعدتي (التنف،الشدادي) فإن القوات الأميركية باتت تعتبر أن مهمتها الأساسية المتمثلة في هزيمة تنظيم "داعش"قد تحققت إلى حد كبير، وهذا بحد ذاته ما يعطيها المسوغات والمبررات لتقليص وجودها العسكري المباشر على الأراضي السورية. وهذا ما أكده المبعوث الأميركي ''توم باراك'' مؤخرا حين صرح أن مهمة جيش بلاده في مكافحة تنظيم الدولة قد أُنجزت بنسبة ''99''%، وأن عدد القواعد الأميركية في ''سوريا'' بعد الانسحاب من قاعدتي ''التنف والشدادي'' وغيرها من القواعد في الفترة الأخيرة الماضية قد إنخفض إلى قاعدتين فقط (رميلان، قسرك)، مع وجود احتمال كبير بتقليصها إلى قاعدة واحدة كمقدمة لانسحاب كامل وشامل من الجغرافيا السورية''.
الانسحاب والهواجس الأميركية
من خلال قراءة الأحداث الميدانية والسياسية المتسارعة خلال الأشهر القليلة الماضية، وانعكاساتها على المستوى المحلي والإقليمي، فأتصور أن الاستراتيجية الأميركية المتبعة حاليا في''سوريا'' تنحصر غالبا وكما نرى على الأرض بالقيام بتنفيذ الانسحاب التدريجي المرحلي أو الكامل من قواعدها المنتشرة على الأراضي السورية، ولكن بالمقابل وحسب ''اعتقادي وتحليلي'' أن الإدارة الأميركية وقبيل اتخاذها القرار النهائي بشأن ذلك، فأجهزتها الأمنية والعسكرية ومستشاروها المختصون لا شك أنهم منهمكون في هذه الأوقات بالتدقيق في المسائل المهمة التالية:
ـ المسألة الأولى تتمثل بالتأكد من آثار الانعكاسات السلبية الميدانية المحتمل حدوثها محليا وإقليميا، والتركيز على عواقب الفراغ الأمني الذي ممكن أن يتركه أي انسحاب أميركي كامل، وتداعياته وارتداداته المحتملة على ''سوريا'' ودول المنطقة.
المسألة الثانية تتمثل في معرفة واختبار ودراسة مدى قوة وقدرات تنظيم''داعش'' على الأرض، والتأكد من عدم قدرته على إنتاج نفسه ثانية، والأخطار المحتملة التي ممكن أن يشكلها في الوقت الراهن والمستقبلي في حال حدوث الانسحاب الكامل.
المسألة الثالثة دراسة ومعرفة والتأكد من قدرات الجيش العربي السوري، والقوات الأمنية المختصة بالتكفل والقيام بمهمة متابعة النشاطات الإرهابية التي سيقوم بها تنظيم ''داعش''، والقدرة على التصرف بشكل استباقي لإحباط عملياته المحتملة والرد عليه بقوة.
الأسباب الموضوعية لتفكير واشنطن بالانسحاب من سوريا
عمليا هناك العديد من الأسباب التي حدت بـ ''واشنطن''بالتفكير الجدي بالانسحاب الجزئي، أو الكامل من ''سوريا''، حيث يأتي على رأس هذه الأسباب مايلي :
ـ إنجاز ''واشنطن''لمهمتها التي شكلت وترأست بها تحالف ''89'' دولة لمكافحة ''داعش''، والإعلان عن هزيمة التنظيم في العراق ''2017'' وفي سوريا ''2019'' وتدمير قدراته، وإنهاء سيطرته المكانية بشكل كامل في هذين البلدين.!
ـ هناك أسباب تتحدث عن وجود قلق غير معلن للإدارة الأميركية من التعامل والعمل مع الجيش السوري الجديد، والاحتكاك المريح معه، حيث تدعي''واشنطن'' أن بعضا من قيادات الجيش والعناصر من المتشددين الإسلاميين قد قاتلوا مع القاعدة، ويأتي هذا رغم تأكيد الحكومة السورية أنها ملتزمة بمحاربة تنظيم الدولة ''داعش'' بعد انضمامها لتحالف مكافحة الإرهاب الذي تم مؤخرا.
ـ أسباب تعود حسب العديد من المسؤولين الأميركيين بأن الوجود العسكري المكثف للقوات الأميركية لم يعد ضروريا في''سوريا'' وذلك بالنظر لاستعداد حكومة ''دمشق'' لتحمل المسؤولية الأساسية في مكافحة كل أشكال الإرهاب على كامل أراضيها.
ـ هناك بعض المصادر تتحدث أن ''واشنطن'' باتت تقلل من أهمية وجودها الحالي في ''سوريا'' بعد هزيمة ''داعش''، وأن هذا الوجود لم يعد يخدم المصالح الأمنية الحيوية لـ ''واشنطن'' كما كان قبل''10'' أعوام .
- أسباب تعود لتقليل وتخفيف العبء المالي واللوجستي العسكري، وهذا الانسحاب سيقلل من التكاليف المادية، مع النظر للحفاظ على وجود استراتيجي استخباري محدود.
ـ تغير في الأولويات الاستراتيجية للإدارة الأميركية، حيث تهتم ''واشنطن'' اليوم أكثر بمواجهة التحديات العالمية الكبرى (الصين، كوريا الشمالية، إيران، روسيا)، وبدأت تعتمد في متابعة مكافحة ''داعش''على الحلفاء الإقليميين والمحليين ومنهم الدولة السورية.
أسباب تعود لإعادة التموضع العسكري بدلا من الانتشار على نطاق واسع، حيث ستختار ''واشنطن'' الآن التركيز على قواعد محدودة، لتبقى نقاطا لوجيستية واستخبارية استراتيجية، تسمح بالتدخل عند الحاجة دون تكاليف انتشار واسعة، مع الاحتفاظ بالقدرة على مراقبة المنطقة عن بعد.
الانعكاسات والتداعيات
يرى كثير من المحللين ومراكز الدراسات والأبحاث المختصة، بأن الانسحاب الأميركي الكامل من ''سوريا'' قد يؤدي إلى تغييّر في موازين القوى الإقليمية، إذ قد تسعى أطراف دولية مثل ''روسيا'' و''تركيا'' و''إيران'' إلى تعزيز نفوذها على الساحة السورية، في ظل تراجع الحضور الأميركي الميداني المباشر. وعليه وحسب ''رأيي ''فإن القرار الأميركي يعتبر تحوّلًا استراتيجيًا مهمًا في مسار المستقبل السوري، بل ويطرح تساؤلات عديدة حول مستقبل الترتيبات الأمنية في شمال وشمال شرق البلاد، وماهو الدور المحتمل للحلفاء المحليين بعد انتهاء الدعم العسكري المباشر من ''واشنطن'' (ميليشيات قسد). وبالتالي ومن دون أي تحفظات فإن انسحاب "الولايات المتحدة'' من ''سوريا'' لا يُعد مجرد خطوة عسكرية ميدانية هامشية، بل يعتبر وبشكل أكيد تطوراً سياسياً وأمنياً قد تكون له انعكاسات قريبة أو بعيدة المدى على التوازنات الإقليمية، وعلى مسار الاستقرار الأمني في المنطقة.
دور واشنطن القادم
باعتقادي أن الانسحاب الأميركي من سوريا لا يعني مطلقا نهاية حضور ''واشنطن'' العسكري في المنطقة، بل وفقا لكل المقاييس ما هو إلا إعادة ترتيب لأوراقها بما يتناسب مع أولوياتها الجديدة وعلاقاتها الاستراتيجية مع ''دمشق'' بعد سقوط نظام ''بشار الأسد'' الدموي البائد، وأن الانسحاب من ''سوريا'' لا يعني مطلقا التخلي عن قدراتها على التأثير الأمني والسياسي فيها. بل إن الانسحاب الأميركي من ''سوريا'' باعتقادي يمثل تحولا للتركيز من وجود مباشر على الأرض، إلى قدرة على التأثير عن بعد وذلك من منظور الاستفادة من التحالفات الإقليمية وقدراتها الجوية والاستخبارية لمراقبة أي تهديدات محتملة كفلول تنظيم "داعش" وغيرها من المخاطر الإرهابية الأخرى.خاتمة
Loading ads...
في الواقع لا يعني الانسحاب الأميركي من''سورية'' أو حتى ''العراق'' هو إنهاء للوجود العسكري الأميركي في المنطقة فهناك ما يقارب من ''30'' ألف جندي أميركي موجودين في قواعد خليجية (قطر والبحرين والكويت والإمارات)، وهذا الوجود لا يقتصر على قواعد عسكرية ثابتة فقط، بل يشمل أيضاً انتشارا للسفن الحربية وحاملات الطائرات وغيرها، كما أن الاستراتيجية الأميركية في منطقتنا غير محكومة بالانتشار العسكري فيها فقط، وذلك لعدة أسباب منها أن إسرائيل تعد قاعدة أساسية أميركية قادرة على تلبية الاحتياجات التكتيكية والاستراتيجية الأميركية، في حال حصول تطورات تستدعي ذلك ناهيك عن القواعد الأميركية المنتشرة في الخليج العربي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



