نجح بعض المستثمرين في تحقيق عوائد تتجاوز 100% في سوق الأسهم البريطانية، فيما بكى آخرون ليلاهم، إذ لم تبارح السوق مكانها تقريبًا على مدار عقدين.. فكيف حدث ذلك؟
في ليلة رأس السنة من عام 1999، أغلق مؤشر "فوتسي 100" عند مستوى قياسي بلغ 6930 نقطة، وبحلول اليوم الأخير من عام 2019، أنهى المؤشر عند 7542 نقطة، بزيادة نحو 600 نقطة خلال 20 عامًا أو بعائد سنوي متوسط قدره 0.4%.
بطبيعة الحال، شهدت السوق البريطانية – كغيرها – العديد من الأحداث المربكة بداية من انفجار فقاعة "دوت كوم"، مرورًا بالأزمة المالية العالمية، والعديد من الأحداث الجيوسياسية بما في ذلك "بريكست".
لا شك أن مسار السوق العرضي كان محبطًا للكثيرين في هذه الفترة، لكنه كان مجزيًا لآخرين، فعند النظر إلى أداء السوق من مقياس "توزيعات الأرباح المعاد استثمارها"، يتبين أن مؤشر "فوتسي 100" حقق عوائد بنسبة 122% أو 4% سنويًا.
بقول آخر، فمن استثمر 1000 جنيه إسترليني في المؤشر بنهاية عام 1999 ولم يعد استثمار توزيعات الأرباح، حصل على 88 جنيهًا إضافيًا فقط بحلول عام 2019، أما من أعاد الاستثمار فحصل على 1222 جنيهًا علاوة على رأس ماله الأساسي.
هذا المثال لا شك يؤكد أن حركة المؤشر وحدها قد لا تروي القصة الكاملة عن أداء السوق، أو كما يقول الأخ "Abo barhoom" تعليقًا على تقرير سابق: "انظر للمكررات فهي أدق، لا تنظر فقط لمستوى المؤشرات".
فما هو المعيار الأدق في تقييم أداء السوق فعلًا؟
قبل الانتقال إلى عمق التفاصيل، فإن "اختيارات القراء" هي سلسلة تقارير تبحر عبر قراءات وتحليلات أثارها بالأساس رواد "أرقام" أو مستلهمة من نقاشاتهم المختلفة عبر الموضوعات المنشورة بالفعل، والهدف منها إثراء الحوار والتفاعل مع قرائنا الأعزاء.
- لا يوجد مؤشر واحد يعكس صحة السوق بشكل كامل، فارتفاع مستوى المؤشر رغم أنه يعكس (في الظاهر) توليدًا للقيمة، فقد يخفي تقييمات مبالغاً فيها أو أرباحًا ضعيفة، فيما قد تخفي الأسعار المنخفضة توزيعات أرباح قوية.
- عمليًا، يجب على المستثمرين النظر إلى الأمور من زوايا متعددة، حيث يجدر بهم التركيز على خمسة عناصر أساسية على الأقل، حيث يروي كل عنصر من هذه المقاييس قصة مختلفة، ولا تتضح الصورة كاملة إلا عند تجميعها معًا.
- بالنسبة لأول عنصر وهو مستوى مؤشر السوق الرئيسي مثل "إس آند بي 500" في نيويورك و"نيكي 225" في طوكيو و"فوتسي 100" في لندن، والذي يعبر عن السعر الإجمالي لسلة من الأسهم، فعادة ما يكون محور الأخبار والتحليلات.
- هذا المؤشر مفيد كمقياس سريع لمعنويات السوق، ومع ذلك، قد يكون مضللاً إذا تم الاعتماد عليه وحده، إذ يمكن أن يرتفع المؤشر بشكل كبير نتيجة لتزايد نسبة السعر إلى الأرباح أو التركز الكبير في أحد القطاعات، حتى مع ركود الأرباح الأساسية.
- كما أنه يُغفل الأرباح الموزعة تمامًا، مما يقلل من تقدير عوائد المستثمرين، وباختصار، فإنه لا يُظهر سوى نصف الحقيقة، لذا يجب قراءته جنبًا إلى جنب مع العوامل الأساسية.
هل المكررات هي الأفضل إذن؟
- المكررات أو مضاعفات التقييم تقارن الأسعار بالعوامل الأساسية (مثل نسبة السعر إلى الأرباح أو نسبة السعر إلى القيمة الدفترية)، وتضع هذه البيانات المؤشر في سياق تاريخي أو قطاعي بما يوضح: هل السوق رخيصة أم باهظة الثمن؟
- تشير نسبة السعر إلى الأرباح المنخفضة إلى فرص استثمارية مغرية، بينما تشير النسبة المرتفعة إلى احتمالية حدوث فقاعة سعرية، مع ذلك، قد تكون مضاعفات التقييم مضللة.
- يمكن أن تظل نسبة السعر إلى الأرباح مرتفعة لسنوات في فترات الازدهار، وربما تظل أيضًا نسبة السعر إلى الأرباح منخفضة في فترات الأزمات، ويمكن أن تتأثر المضاعفات بتقلبات الأرباح المفاجئة أو ببعض الأخطاء المحاسبية.
- بالتالي، من الأفضل استخدام نسب السعر إلى الأرباح أو السعر إلى القيمة الدفترية في سياقات محددة (على سبيل المثال، مقارنة تاريخية أو مقارنة مع أسواق أخرى)، وليس كإشارات منفردة.
متى يكون الارتفاع مضللًا؟
- يُعدّ مثال فقاعة التكنولوجيا الأمريكية في الفترة من 1995 إلى 2000 مثالًا كلاسيكيًا على الارتفاع المُضلل للمؤشرات، فقد شهد مؤشر "ناسداك" المركب ارتفاعًا هائلًا يقارب 600%.
- ظاهريًا، بدا الأمر وكأنه طفرة غير مسبوقة، إلا أن التقييمات كانت مرتفعة للغاية، فقد قفز مقياس "شيلر كيب" لمؤشر "إس آند بي 500" إلى ما يزيد على 40 نقطة بحلول أواخر عام 1999.
- هذا يعني أن الأسعار كانت تُعادل 40 ضعف متوسط الأرباح المعدلة دوريًا لعشر سنوات مضت، أي أكثر من ضعف المعدل الطبيعي، فيما بدا أن وتيرة نمو الأرباح لم تكن كافية لتبرير هذه التقييمات المرتفعة.
- بالنظر إلى الماضي، كان من الواضح أن هذا الارتفاع غير مُستدام، وبعد بلوغ ذروته عام 2000، انهار مؤشر "ناسداك" المركب بنحو 78% بحلول عام 2002، مُبددًا بذلك جميع مكاسب التسعينيات تقريبًا.
ماذا عن مؤشرات التقييم الأخرى؟
- يُعدّ نمو الأرباح أساس مكاسب السوق، فمع مرور الوقت، يؤدي ارتفاع أرباح الشركات إلى دفع أسعار الأسهم (أو تبرير التقييمات المرتفعة على الأقل).
- تُشير معظم دراسات العائدات طويلة الأجل إلى أن نمو الأرباح الحقيقية بالإضافة إلى توزيعات الأرباح يُفسّر معظم عوائد الأسهم، لذلك يرى محللو "بلاك روك" أن العوامل الأساسية هي التي تُحرك عوائد الأسهم على المدى الطويل.
- هذا يعني أن انتعاش السوق المدعوم بأرباح قوية يكون أكثر استدامة من ذلك المدفوع فقط بارتفاع التقييمات، لكنه كغيره من المؤشرات يشوبه النقص، فالأرباح السابقة لا تضمن النمو المستقبلي، كما أن التغييرات المحاسبية أو التأثيرات الدورية قد تُشوش الصورة.
- أما العائد الإجمالي الذي يشمل المكاسب الرأسمالية والأرباح الموزعة، فيُعتبر بلا شكّ المقياس الأكثر شمولاً لأداء السوق، فهو يُظهر ما يربحه المستثمر فعليًا من خلال الاحتفاظ بالأصل مع إعادة استثمار جميع الأرباح.
- تُشير العديد من الدراسات طويلة الأجل إلى أن حوالي 30% إلى 50% من عوائد سوق الأسهم الأمريكية تأتي من توزيعات الأرباح (وبنسب مماثلة تقريبًا في بعض الاقتصادات المتقدمة الأخرى ذات عوائد التوزيعات المرتفعة).
- أخيرًا، يأخذ العائد الحقيقي في الحسبان التضخم، فإذا ارتفع مؤشر "إس آند بي 500" بنسبة 10% على أساس اسمي، فيما بلغ التضخم 3%، فإن العائد الحقيقي يبلغ في هذه الحالة 7% تقريبًا.
- هذا التعديل بالغ الأهمية، حيث يتفاوت التضخم بشكل كبير على مدى سنوات وعقود.
تاريخيًا، كان العائد الحقيقي للأسهم العالمية متواضعًا للغاية، حيث خلصت دراسة أجراها صندوق النقد الدولي إلى أن متوسط العائد الحقيقي للأسهم العالمية يبلغ 4% سنويًا تقريبًا.
- عندما يكون التضخم مرتفعًا، حتى المكاسب الاسمية القوية قد لا تُحقق النتائج المرجوة، وفي المقابل، يمكن أن تُحقق العوائد الاسمية المتواضعة في بيئة ذات تضخم منخفض نموًا حقيقيًا جيدًا.
- أيهما أفضل إذن؟ تُوضح هذه الأمثلة لماذا لا يُكتفى بمقياس واحد، فمستوى المؤشر بسيط ولكنه يُغفل عوامل رئيسية، فيما تساعد التقييمات في رصد الفقاعات والفرص، وتُعبر الأرباح عن الواقع الاقتصادي، أما التوزيعات فتشكل مكافأة لحاملي الأسهم، وتعديل العوائد وفقًا للتضخم يظهر المكاسب الحقيقية.
- ربما يكون أكبر خطأ يرتكبه المستثمر، هو اعتقاده أن السوق يُختصر في رقم يظهر أعلى الشاشة باللون الأخضر أو الأحمر، فالمؤشر قد يرتفع بينما تتآكل العوائد الحقيقية بفعل التضخم، وقد يتحرك عرضيًا لسنوات فيما تُحقق توزيعات الأرباح ثروات للمستثمرين الصبورين.
- لهذا، فإن المستثمر الذي يراقب المؤشر وحده، يشبه من يحكم على كتاب كامل من عنوانه فقط، وفي النهاية: "لا يفوز في الأسواق من يرى الحركة الأسرع بل من يفهم القصة الكاملة خلف الأرقام".
Loading ads...
المصادر: أرقام- شرودرز- بلاك روك- رويال بنك أوف كندا- جولدمان ساكس- ياهو فايننس- إس آند بي جلوبال- كومنز كابيتال- ورقة عمل لصندوق النقد الدولي بعنوان "Stock Returns and Inflation Redux"
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

مؤسس آبل الغامض .. كيف أضاع فرصة الـ 400 مليار دولار؟
منذ ساعة واحدة
0

اختيارات القراء .. سوق عرضية وسنوات ضائعة من العمر
منذ ساعة واحدة
0



