تكشف محاولة انتحار رجل مسن في مدينة درعا، عقب إزالة مصدر رزقه الوحيد، عن الكلفة المباشرة لسياسات تنظيمية تمضي بها السلطات المحلية دون أن تقترن ببدائل اقتصادية فعلية. فإزالة البسطات والأكشاك، التي تُطرح بوصفها إجراءات قانونية، تتحول عملياً إلى عامل ضغط إضافي على فئات تعتمد عليها للبقاء.
ولا تبدو الواقعة معزولة، إذ تأتي ضمن سلسلة حوادث مشابهة شهدتها المدينة خلال الأشهر الماضية، ما يعكس تصاعد الاحتقان المرتبط بتضييق مصادر الدخل في بيئة تعاني أصلاً من بطالة مرتفعة وانكماش اقتصادي مستمر. وفي هذا السياق، تبرز الحادثة بوصفها مؤشراً على فجوة آخذة في الاتساع بين القرارات المحلية والواقع المعيشي للسكان.
محاولة الانتحار
أقدم رجل مسن في درعا، يوم الأحد 29 آذار، على محاولة إنهاء حياته أمام مبنى مجلس المدينة، بعدما ربط حبلاً حول عنقه وثبّته في شجرة، احتجاجاً على مطالبته بإزالة “البسطة” التي يعتمد عليها كمصدر دخل، قبل أن يتدخل عناصر الأمن الداخلي لإنقاذه بعد تجمع عدد من الأهالي في المكان.
وأظهر تسجيل مصوّر للرجل ذاته أمام مبنى قيادة الأمن الداخلي والمحافظة وهو يهدد بإيذاء نفسه، على خلفية إزالة “كشك” يعتاش منه، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار.
أثارت الحادثة تفاعلاً بين سكان المدينة، خصوصاً بعد تداول المقطع المصوّر، حيث ربط كثيرون بين ما جرى وبين تزايد الضغوط المعيشية وصعوبة تأمين دخل ثابت، في وقت تُغلق فيه منافذ العمل المحدودة أصلاً أمام فئات واسعة.
حادثة غير معزولة
وعقب الانتشار الواسع للتسجيل، اضطر مجلس مدينة درعا لإصدار بيان يعلق على الحادثة يشدد فيه على حرصه “سلامة المواطنين” مع تأكيده المضي في إزالة البسطات بوصفها مخالفات قانونية جرى إنذار أصحابها مسبقاً، مشيراً إلى أن المجلس سيعمل على منحه الوقت اللازم إتاحة تسوية الأوضاع وعقد اجتماع مع الرجل بعد الحادثة، وهي صيغة تعكس تمسكاً بالإجراءات ذاتها التي دفعت الرجل لمحاولة الانتحار.
كما أعادت الواقعة إلى الواجهة حادثة سابقة شهدتها المدينة في كانون الثاني الماضي، حين أقدمت سيدة على محاولة إحراق نفسها بعد إغلاق مطعمها الشعبي بالشمع الأحمر، قبل أن تتحول القضية إلى ملف عام حظي بتضامن نشطاء ووجهاء، ما دفع مجلس المدينة وإدارة المنطقة إلى التراجع عن القرار والسماح لها باستئناف عملها.
ويشير تكرار هذه الحوادث إلى أن التدخلات المرتبطة بإزالة مصادر الدخل لا تتوقف عند حدود التنظيم، بل تمتد لتلامس توازناً اجتماعياً واقتصادياً هشاً، لا يظهر أثرها المدمر إلا عند انفجارها في وقائع من هذا النوع.
قرار تنظيم البسطات
يبرر مجلس مدينة درعا حملاته لإزالة البسطات بما تسببه من تشويه بصري وتعدٍ على الأرصفة وتأثير على المحال المرخصة، التي تتحمل بدورها تكاليف مرتفعة تشمل إيجارات قد تصل إلى نحو 400 دولار شهرياً، إلى جانب الضرائب وفواتير الخدمات، في حين يبيع أصحاب البسطات بضائعهم بأسعار أقل نتيجة انخفاض التكاليف.
غير أن هذا الطرح يتجاهل واقع أن هذه البسطات لم تنشأ بوصفها خياراً تجارياً حراً بقدر ما كانت نتيجة مباشرة لانكماش فرص العمل، ما يجعل التعامل معها كـ“مخالفة” منفصلة عن سياقها الاقتصادي اختزالاً للمشكلة. وتظهر محدودية هذا النهج في عودة البسطات إلى الانتشار بعد كل حملة إزالة، رغم الإنذارات التي طالت مؤخراً باعة في أحياء مثل السبيل وسوق الصحة، مع طرح بدائل في سوق شارع الطير، وهي بدائل لا تبدو كافية لاستيعاب جميع المتضررين أو تعويض خسارة مواقعهم السابقة.
يعكس هذا المشهد واقعاً اقتصادياً أكثر تعقيداً في محافظة درعا، حيث تتسع دائرة البطالة في ظل ضعف النشاط الاقتصادي واستمرار تداعيات سنوات طويلة من الاضطرابات.
وبات العثور على عمل أقرب إلى مهمة شبه مستحيلة، إذ تقتصر الفرص المتاحة على أعمال يومية أو مؤقتة لا توفر دخلاً مستقراً، فيما يشير أحد الباعة إلى أن كثيراً ممن يعملون اليوم في البسطات كانوا يشغلون وظائف ثابتة في السابق قبل أن يفقدوها أو تتراجع مداخيلهم، ما دفعهم إلى هذا النوع من العمل كخيار اضطراري.
ولا تقتصر هذه الأزمة على هذا النمط من الأعمال الحرة، بل تمتد إلى خريجي الجامعات الذين يجدون أنفسهم خارج سوق العمل أو في وظائف لا تمت لتخصصاتهم بصلة، ما يعكس اختلالاً أعمق في بنية السوق المحلية.
ورغم حضور هذه الأزمة في تفاصيل الحياة اليومية، لا تتوفر بيانات حديثة تعكس حجمها بدقة، إذ تشير آخر إحصاءات المكتب المركزي للإحصاء إلى أن معدل البطالة في سوريا بلغ نحو 23.7% عام 2022، مع تقدير عدد العاطلين في محافظة درعا بنحو 71 ألف شخص، فيما تصل النسبة بين الفئة العمرية 20 إلى 24 عاماً إلى نحو 58%.
إلا أن تقديرات أحدث، من بينها تصريحات لوزير الاقتصاد والصناعة في الحكومة الانتقالية، نضال الشعار، تشير إلى أن المعدل قد يتجاوز 60%، في ظل الدمار الواسع الذي لحق بالاقتصاد والحاجة إلى نحو 200 ألف فرصة عمل سنوياً لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
Loading ads...
وبين هذه الأرقام والواقع الميداني، تبدو الفجوة واضحة، حيث تتحول الإجراءات المحلية، في غياب حلول اقتصادية أوسع، إلى عامل ضغط إضافي بدل أن تكون جزءاً من المعالجة، وهو ما يجعل حوادث من هذا النوع انعكاساً مباشراً لمسار اقتصادي واجتماعي متعثر أكثر من كونها حالات فردية معزولة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






