في التسعينيات، وفي خضم مرحلة مضطربة محورها غياب "ستيف جوبز" عن إدارة "آبل"، راهنت الشركة على جهاز لوحي أسمته "نيوتن"، وصفته بأنه ثورة في الحوسبة المحمولة وبوابة لعصر جديد تتقارب فيه قطاعات الاتصالات والحوسبة والترفيه.
لكن الجهاز الذي أثار ضجة واسعة عند إطلاقه تحوّل سريعًا إلى رمز للإخفاق، إذ كشفت التجربة أن الوعود التسويقية الكبرى لا تعوض غياب النضج التقني، وأن العالم لم يكن مستعدًا لاستقبال هذا النوع من الأجهزة.
انطلق مشروع "نيوتن –Newton " عام 1987 كفكرة طموحة على يد مجموعة من مهندسي "آبل"، لابتكار حاسوب لوحي بحجم ورقة "إيه 4" مطوية، يحول خط يد المستخدم إلى نص إلكتروني، واختير الاسم تيمنًا بشعار الشركة الأصلي الذي كان يضم صورة للعالم "إسحاق نيوتن" جالسًا تحت شجرة تفاح.
تبنى المدير التنفيذي حينها "جون سكولي" المشروع وجعله رمزًا لرؤية "آبل"، وفي مايو 1992، أُعلن عن الجهاز في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية بشيكاغو، كان "نيوتن" مزودًا بشاشة "إل سي دي" تعمل بالقلم دون لوحة مفاتيح، وبنظام "نيوتن أو إس"، وطُرح لاحقًا موديل "مسدج باد" بسعر 700 دولار وعمر بطارية معلن بين 5 و10 ساعات.
فجوة بين الوعود والواقع
تفاخرت "آبل" في حملاتها الإعلانية بأن "نيوتن" يتيح تدوين الملاحظات بسهولة تامة تضاهي الكتابة الورقية، وكان من المفترض أن يتعلم الجهاز من نمط مستخدمه ويحسن أداءه مع الوقت، لكن سرعان ما تبددت الضجة المثارة حوله، وأصبح نموذجًا للفشل والسخرية.
لم يرق الواقع إلى مستوى التوقعات، بسبب مشكلات جوهرية، أبرزها ضعف خاصية التعرف على الكتابة التي كانت تنتج كلمات غير مفهومة، بالإضافة إلى ذلك، كان نقل البيانات بطيئاً للغاية، والشاشة التي تعمل بالقلم لم تكن بالاستجابة المطلوبة، مما جعل تجربة المستخدم معقدة ومحبطة.
على مدار ست سنوات وسبعة إصدارات، ظل "نيوتن" يعاني صعوبة الاستخدام، ولم تبع الشركة سوى 50 ألف وحدة في الأشهر الثلاثة الأولى، فأوقفت الإعلان عن أرقام المبيعات، كما انتقد المتخصصون عمر البطارية القصير وضعف دقة التعرف على الخط.
أشارت تقارير لاحقة إلى أن المشكلة لم تكن في مواصفات "نيوتن" وحدها، بل في أن التكنولوجيا المحيطة لم تكن ناضجة بعد، فالشاشات لم تبلغ المستوى المطلوب، وتقنية الاتصال اللاسلكي لم تكن منتشرة، فضلًا عن أن كثيرًا من المهام كان إنجازها أيسر على حاسوب مكتبي كامل.
بمجرد عودته إلى "آبل" عام 1997، أوقف "جوبز" المشروع ضمن خطة لتركيز الموارد على حواسب "ماكنتوش"، وأعاد قسم "نيوتن" المستقل إلى الشركة، ووصف المؤسس الشريك الجهاز بأنه تقنية رائعة أفسدها سوء الإدارة، وإن رأى فيه بعض المتحمسين للجهاز انتقامًا شخصيًا من "سكولي".
لم تنته تجربة "نيوتن" بدون أي مكاسب، فقد باعت "آبل" في أواخر التسعينيات معظم حصتها في شركة "إيه آر إم" - مصنّعة معالج الجهاز - مقابل 800 مليون دولار، دعمت بها ميزانيتها، كما أتاح وقف المشروع لعدد من المهندسين المهرة التفرغ للعمل على أجهزة محمولة جديدة.
رغم الفشل التجاري، إلا أن "نيوتن" يعد أول تجارب "آبل" في الحوسبة اللوحية، وقد استُخدمت بعض مكوناته لاحقًا في الآيفون، كما أن الشركة لم تتخل عن فكرته الجوهرية بل تطورت على مدى سنوات، لتصل في نهاية المطاف إلى الآيباد الذي حقق ما عجز عنه سلفه.
يجسد "نيوتن" مخاطر إطلاق منتجات تقنية سابقة لأوانها مع المبالغة في تسويق إمكاناتها، وقد يكون نجاحه الحقيقي الوحيد أنه صنع أزمة أجبرت "آبل" على إعادة النظر في مسارها، وربما كانت ذلك المدخل الذي أعاد "جوبز" إلى الشركة، ليكتب أعظم انجازاتها.
Loading ads...
المصادر: أرقام – موقع "سي نت" – ماشبل - وول ستريت جورنال – ماك ورلد – جيزمودو – سي إن بي سي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





