"فكرناه طيران إسرائيلي.. يعني أسرة آمنة نايمة بالليل بأمان الله، يطلع عليها الطيران، يفكروه إسرائيلي.. لو كان إسرائيلي بنقول عدو، بس هذا شو العمل؟"
بهذه الكلمات الموجعة، روى أحد أقارب ضحايا الغارات الأردنية على ريف درعا تفاصيل ليلة تحولت فيها خيام عائلات نازحة، لم تتعافَ بعد من سنوات الحرب والدمار، إلى أهداف للقصف الجوي، عائلات لم تجد بعد سقفاً يحميها من برد الشتاء، فوجدت نفسها في مواجهة صواريخ سقطت عليها وهي نائمة.
لكن الأكثر إيلاماً في شهادته لم يكن وصف الغارات، بل حكاية الأطفال الذين قضوا فيها، ثلاثة أطفال يقول قريبهم إنهم فقدوا والدهم وعمهم تحت التعذيب في سجن صيدنايا، وعاشوا أيتاماً في كنف جدهم، قبل أن تنتهي حياتهم تحت القصف. نحن الآن أمام أطفال ضحايا نجوا من سنوات الحرب والنزوح، لكنهم لم ينجوا من طائرات جاءت هذه المرة من دولة جارة شقيقة لسوريا.
ربما في هذه الشهادة تختصر مأساة الجنوب السوري بأكملها، أرض أنهكتها الحرب، وعائلات لم تخرج بعد من خيام النزوح، وأطفال ورثوا اليتم والفقر والخوف، قبل أن يدفعوا حياتهم ثمناً لعملية عسكرية قيل إنها جاءت لمكافحة الإرهاب.
ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن الأهالي ظنوا الطائرات إسرائيلية، لم يخطر ببالهم، وهم الذين اعتادوا سماع أخبار الغارات والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب، أن يكون مصدر القصف هذه المرة الأردن.
من هذه المأساة تبدأ الأسئلة التي لا يجوز أن تضيع وسط البيانات الدبلوماسية والتبريرات الأمنية: كيف انتهت عملية عسكرية أعلنت عمّان أنها تستهدف تنظيمات إرهابية بمقتل أطفال ومدنيين؟ ومن اتخذ قرار القصف؟ وهل كانت دمشق تعلم مسبقاً بما سيحدث؟ ومن سيحاسب المسؤولين عن سقوط الضحايا؟
لا خلاف على أن الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك الأردنية جريمة تستوجب الإدانة والمحاسبة، وأن من حق الأردن حماية أمنه وملاحقة من يهدد مواطنيه، لكن هذا الحق لا يمنحه تفويضاً بقصف أراضي دولة مجاورة، وتعريض حياة المدنيين للخطر، مهما كانت الذرائع الأمنية المقدمة.
قالت عمّان إن غاراتها استهدفت مواقع لتنظيمات إرهابية، وأسفرت، وفق تقديراتها الأولية، عن مقتل أكثر من عشرين عنصراً وتدمير مستودع للأسلحة، لكن الحصيلة الموثقة حتى الآن تشمل سبعة قتلى مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، وثلاثة جرحى، فيما لا تزال حقيقة الخسائر المعلنة في صفوف التنظيم بحاجة إلى تحقق مستقل.
وما يزيد المشهد غموضاً أن التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين الأمنيين الأردنيين تثير تساؤلات جدية حول المبررات التي استندت إليها الغارات، فقد أكد مدير الأمن العام الأردني، اللواء عبيدالله المعايطة، أن الهجوم على الكنيسة لم يكن مخططاً له مسبقاً، فيما أوضح وزير الداخلية مازن الفراية "أنه لا توجد، من الناحية الجنائية، أي مؤشرات تربط منفذي الهجوم بخلايا أخرى، مع استمرار التحقيقات".
فكيف يمكن التوفيق بين هذه التصريحات وبين تقديم الغارات على الأراضي السورية باعتبارها رداً على الهجوم نفسه، وعملية استباقية لمواجهة تهديدات إرهابية مؤكدة؟ ثم لماذا اختارت عمّان الطائرات الحربية بدلاً من منح السلطات السورية فرصة التعامل مع المعلومات والأهداف المفترضة؟ أليست دمشق شريكاً أمنياً للأردن، وقد نفذت بالفعل عمليات ضد خلايا داعش؟ وهل كانت هناك ضرورة عسكرية عاجلة تمنع تنفيذ عملية أمنية بالتنسيق مع الأجهزة السورية، بعيداً عن القصف الجوي وما يحمله من مخاطر على المدنيين؟
ولكن الأزمة ازدادت تعقيداً مع التناقض الصريح بين الروايتين الرسميتين حول التنسيق المسبق للغارات، فالجيش الأردني أعلن أن العملية جرت بالتنسيق مع دمشق، بينما نفت الحكومة السورية ذلك، وأكدت أن الغارات نُفذت دون تنسيق أو إبلاغ مسبق، واعتبرتها انتهاكاً للسيادة والأجواء السورية.
نحن أمام روايتين متعارضتين بشأن قرار عسكري بالغ الحساسية، وإذا كان الأردن قد نفذ الغارات دون موافقة دمشق، فهذا يعني أنه تجاوز سيادة دولة تربطه بها علاقات وثيقة، وتعاون أمني وسياسي مستمر، أما إذا كان هناك علم سوري مسبق أو تنسيق لم يُعلن عنه، فمن حق السوريين معرفة طبيعته وحدوده، ومن اتخذ القرار، وما الضمانات التي قُدمت لحماية المدنيين.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء الخارجية السورية من النقد بسبب التأخر في إصدار موقف حاسم يدين الغارات، صحيح أن دمشق أصدرت موقفاً أولياً وأعلنت فتح قنوات التواصل والتحقيق، لكن الإدانة الصريحة جاءت بعد نحو 12 ساعة من سقوط الضحايا، في وقت كان السوريون ينتظرون موقفاً واضحاً يرفض انتهاك سيادة بلادهم ويطالب بمحاسبة المسؤولين.
كان يمكن للخارجية السورية أن تدين الغارات منذ اللحظات الأولى، وأن تواصل في الوقت نفسه اتصالاتها الدبلوماسية مع عمّان، فالحفاظ على العلاقات بين البلدين لا يتطلب التردد في الدفاع عن حقوق المواطنين، كما أن التعاون الأمني لا ينبغي أن يأتي على حساب السيادة السورية.
ومن المهم ألا تنتهي القضية عند الإعلان عن لجنة أمنية مشتركة، المطلوب تحقيق يكشف طبيعة الأهداف، وأسباب اختيارها، وحقيقة التنسيق السابق للعملية، والمسؤولية عن سقوط المدنيين، وصولاً إلى جبر ضرر العائلات المتضررة وضمانات فعلية تمنع تكرار ما حدث.
لعل أخطر ما في هذه الغارات الأردنية أن تداعياتها لا تتوقف عند الحدود السورية الأردنية، ففي الجنوب السوري تحديداً، حيث تعمل إسرائيل منذ سقوط نظام الأسد المخلوع على فرض ترتيبات أمنية وعسكرية جديدة، يمكن أن تتحول هذه العملية إلى مادة سياسية تخدم أهدافها بصورة مباشرة.
لقد أمضت إسرائيل العامين الماضيين في محاولة تكريس واقع عسكري يمنحها حرية التدخل في الجنوب السوري، عبر التوغلات وإقامة المواقع العسكرية والمطالبة بنزع السلاح من مناطق واسعة، تحت ذريعة حماية أمنها ومنع تشكل تهديدات قرب حدودها.
وتقوم هذه السياسة على تصوير الجنوب السوري باعتباره منطقة غير مستقرة، تضم جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة، وأن السلطات في دمشق لا تملك القدرة الكافية على ضبط الوضع الأمني فيها.
ثم تأتي الغارات الأردنية لتستهدف مواقع في الجنوب تحت عنوان مكافحة الإرهاب، وتعلن مقتل عشرات العناصر من تنظيم داعش.
بالنسبة لإسرائيل، هذه واقعة قابلة للاستثمار سياسياً وإعلامياً، فهي تستطيع الاستناد إليها للقول إن مخاوفها الأمنية لا تنفرد بها، وإن دولة عربية مجاورة اضطرت هي الأخرى إلى استخدام القوة العسكرية داخل الأراضي السورية لمواجهة تهديدات تصفها بالإرهابية.
وقد لا تكون هذه الرواية دقيقة أو عادلة، لكنها توفر للاحتلال مادة إضافية لتسويغ سياستها العسكرية، والتمسك بمواقعها داخل الأراضي السورية، والمطالبة بترتيبات أمنية تحد من قدرة دمشق على استعادة سيادتها الكاملة على الجنوب، فكيف تستطيع دمشق إقناع المجتمع الدولي بأن المخاوف الإسرائيلية يمكن معالجتها عبر التنسيق الأمني، بينما دولة عربية شقيقة تختار قصف أراضيها تحت الذريعة الأمنية نفسها؟
تزداد حساسية هذه الغارات بالنظر إلى توقيتها، عشية الانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من تشرين الأول، وسط منافسة سياسية حادة حول مستقبل الحكومة، وموقع بنيامين نتنياهو، والسياسات الأمنية والعسكرية التي ستتبناها إسرائيل خلال المرحلة المقبلة.
في مثل هذه الانتخابات، يحتل الأمن القومي موقعاً متقدماً في الخطاب السياسي، وتتحول التطورات العسكرية على الحدود إلى مادة تستخدمها الأحزاب المتنافسة لتأكيد مواقفها من التهديدات الخارجية.
والغارات الأردنية قد تمنح القوى الإسرائيلية الداعية إلى التشدد الأمني فرصة إضافية للحديث عن مخاطر الجنوب السوري، وعن ضرورة الإبقاء على المواقع العسكرية المتقدمة وعدم التراجع عن سياسة التدخل، وبكل تأكيد لا يحتاج الأمر إلى افتراض وجود تنسيق بين الأردن وإسرائيل، أو أن الغارات استهدفت التأثير في الانتخابات، فالاستفادة السياسية من حدث ما لا تعني بالضرورة المشاركة في صناعته.
رغم فداحة ما جرى، سيكون من الخطأ أن يتحول الغضب السوري المشروع إلى عداء تجاه الأردن وشعبه.
فالأردن الذي خرجت منه الطائرات هو نفسه البلد الذي استقبل مئات الآلاف من السوريين خلال سنوات الحرب، وفتح أبوابه أمام عائلات هربت من القصف والاعتقال والدمار، وهو أيضاً من الدول العربية التي انفتحت مبكراً على سوريا بعد سقوط نظام الأسد المخلوع، ودعمت وحدة أراضيها واستقرارها، وساهمت في جهود معالجة ملفات الجنوب السوري.
ولا يجوز أن نمحو هذا التاريخ بسبب قرار عسكري خاطئ، كما لا يجوز أن نستخدم العلاقات الأخوية لتبرير سقوط المدنيين أو التهرب من المسؤولية.
لقد تابعت خلال الساعات الماضية أصواتاً أردنية كثيرة على منصات التواصل الاجتماعي تعبر عن الحزن على الضحايا السوريين، وترفض ما حدث، وتحذر من استغلال المأساة لإشعال الخصومة بين الشعبين. هذه المواقف تعكس إدراكاً لأهمية العلاقة بين السوريين والأردنيين.
لكن حماية هذه العلاقة تبدأ من مواجهة الحقيقة، لا من تجاهلها. على عمّان أن تقدم تفسيراً واضحاً لما حدث، وأن تتحمل مسؤولياتها تجاه الضحايا، وعلى دمشق أن تدافع عن سيادتها وحقوق مواطنيها دون تردد، وأن تتعامل مع القضية بالجدية التي تستحقها.
Loading ads...
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يكون الهدف إصلاح الخلل في التعاون والتنسيق الأمني وتعزيزه، لا هدم العلاقات بين البلدين، فالتحديات التي تواجه سوريا والأردن معاً، من الإرهاب وتهريب المخدرات والسلاح إلى أمن الحدود والاستقرار الإقليمي، لا يمكن التعامل معها بفاعلية من خلال القطيعة أو تبادل الاتهامات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

الوصول مرفوض
منذ ساعة واحدة
0
هل أخطأ الأردن؟
منذ 2 ساعات
0
