تستعد الصين لإعداد أول قانون شامل لتنظيم الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس سعي بكين إلى إحكام السيطرة على واحدة من أكثر التقنيات تأثيراً في الاقتصاد والسياسة العالميين.
ويأتي هذا التحرك بعد سنوات من الاكتفاء بقواعد تنظيمية متفرقة تستهدف قطاعات محددة.
وبحسب خطة العمل التشريعي لعام 2026، الصادرة عن مجلس الدولة الصيني، تعتزم الحكومة تسريع إعداد قانون شامل للذكاء الاصطناعي، ضمن توجه أوسع لتعزيز حوكمة التكنولوجيا، وضمان ما وصفته بـ"التطور الصحي" للقطاع، إلى جانب استكمال الأطر القانونية المرتبطة بالبيانات، والخوارزميات، والقدرات الحاسوبية، والأمن السيبراني، وحقوق الملكية الفكرية.
ويعد هذا التحرك الصيني الأكثر وضوحاً حتى الآن بشأن قانون موحد للذكاء الاصطناعي، إذ اكتفت خطة العمل التشريعي في العام الماضي بالإشارة إلى دفع العمل التشريعي لتطوير الذكاء الاصطناعي، من دون استخدام تعبير القانون الشامل، وهو ما يجعل الصياغة الجديدة مؤشراً على نضج أكبر في الرؤية التنظيمية لدى بكين.
على مدى الأعوام الماضية، اعتمدت الصين نهجاً تدريجياً في تنظيم الذكاء الاصطناعي، عبر قواعد متخصصة تستهدف مجالات بعينها، بدلاً من إصدار قانون واحد شامل منذ البداية.
وفي عام 2022، أصدرت السلطات الصينية قواعد لتنظيم خدمات التركيب العميق، وهي التقنيات المستخدمة في توليد أو تعديل النصوص والصور والصوت والفيديو، بما يشمل ما يعرف بالمحتوى المزيف عميقاً. ودخلت هذه القواعد حيز التنفيذ في يناير 2023، وركزت على حماية الأمن القومي، والمصلحة العامة، وحقوق الأفراد، والمؤسسات.
وفي يوليو 2023، أصدرت إدارة الفضاء الإلكتروني في الصين، بالتعاون مع 6 جهات حكومية أخرى، التدابير المؤقتة لإدارة خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ودخلت حيز التنفيذ في أغسطس من العام نفسه. وتنطبق هذه التدابير على الخدمات المقدمة للجمهور داخل الصين لتوليد النصوص، أو الصور، أو الصوت، أو الفيديو أو غيرها من المحتوى.
لكن هذه القواعد، رغم أهميتها، ظلت أقرب إلى تنظيمات موضوعية تتعامل مع تطبيقات محددة، بينما يشير التحرك الجديد إلى محاولة بناء مظلة قانونية أوسع، قادرة على التعامل مع البنية الكاملة لصناعة الذكاء الاصطناعي، من البيانات والخوارزميات إلى حقوق الملكية والمسؤولية القانونية والأمن.
يرى مراقبون أن توقيت التحرك الصيني ليس منفصلاً عن التطورات المتسارعة في سوق الذكاء الاصطناعي، سواء داخل الصين أو خارجها، فقد أصبحت النماذج التوليدية، والوكلاء الأذكياء، والروبوتات الرقمية، والتطبيقات القائمة على التفاعل الشبيه بالبشر، جزءاً متزايداً من قطاعات التعليم، والإعلام، والتجارة، والخدمات الحكومية، والصناعة.
وفي الأشهر الأخيرة، واصلت الصين توسيع رقابتها على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الأكثر حساسية، إذ طرحت جهات تنظيمية مسودات قواعد تستهدف البشر الرقميين، والخدمات التي تحاكي التفاعل الإنساني، مع التركيز على إلزام الشركات بتمييز المحتوى المنتج افتراضياً، وحماية القُصر، ومنع إساءة استخدام البيانات الشخصية أو استغلال التفاعل العاطفي مع المستخدمين، بحسب "رويترز".
يعني ذلك أن بكين باتت ترى الذكاء الاصطناعي بوصفه ملفاً يتجاوز حدود الابتكار التقني، ليشمل الأمن الاجتماعي، وحماية البيانات، والمحتوى الرقمي، والملكية الفكرية، وسلامة البنية التحتية، وتوازن المنافسة داخل السوق.
رغم أن مسودة القانون الشامل لم تصدر بعد، فإن الصياغة الواردة في خطة مجلس الدولة تقدم ملامح أولية لما قد يكون عليه الإطار المنتظر.
ومن المتوقع أن يتناول القانون ملفات رئيسية، أبرزها تنظيم استخدام البيانات في تدريب النماذج، وتحديد قواعد التعامل مع الخوارزميات، وحماية حقوق الملكية الفكرية في المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي، ووضع قواعد للمسؤولية عند وقوع أضرار أو انتهاكات، إلى جانب ضمان أمن سلاسل الإمداد الخاصة بالرقائق والقدرة الحاسوبية، والبنية التحتية السحابية.
كما يرجح أن يعزز القانون التنسيق بين الجهات التنظيمية الصينية، بعدما أصبح الذكاء الاصطناعي ملفاً موزعاً بين هيئات متعددة، من بينها إدارة الفضاء الإلكتروني، ووزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات، ووزارة العلوم والتكنولوجيا، والهيئات المعنية بالأمن العام والتعليم والإعلام.
بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا الصينية، قد يحمل القانون الشامل جانبين متوازيين، أحدهما يركز على تقديم مزيد من الوضوح التنظيمي من جهة، والآخر يفرض مزيداً من الالتزامات.
فالوضوح التشريعي قد يساعد الشركات على تطوير منتجات الذكاء الاصطناعي داخل حدود قانونية أكثر استقراراً، بدلاً من التعامل مع قواعد متفرقة ومتغيرة.
لكن في المقابل، قد يفرض الإطار الجديد أعباء امتثال أكبر، خصوصاً فيما يتعلق بتوثيق مصادر البيانات، واختبار سلامة النماذج، ومراجعة الخوارزميات، والتعامل مع المحتوى الحساس، وحماية المستخدمين.
وتأتي هذه الخطوة أيضاً في وقت تسعى فيه الصين إلى تعزيز قدراتها المحلية في الرقائق، والحوسبة السحابية، والنماذج اللغوية الكبيرة، وسط قيود أميركية وغربية متزايدة على تصدير الرقائق المتقدمة، ومعدات تصنيع أشباه الموصلات إلى بكين.
لا تتحرك الصين في فراغ. فالولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ودول آسيوية عدة، تعمل على صياغة أطر تنظيمية للذكاء الاصطناعي بدرجات مختلفة من الصرامة. لكن النموذج الصيني يتميز بتركيزه الواضح على الجمع بين دعم الصناعة، وحماية الأمن القومي، والاستقرار الاجتماعي.
وفي حين اتجه الاتحاد الأوروبي إلى قانون شامل قائم على تصنيف المخاطر، تفضل الصين، حتى الآن، الجمع بين التنظيم المسبق، والاختبارات الأمنية، والرقابة على المحتوى، والالتزامات الخاصة بالمنصات التي تقدم خدمات عامة للمستخدمين.
القانون الشامل المرتقب قد يجعل هذا النموذج أكثر وضوحاً، ويمنح بكين أداة مركزية لتنظيم قطاع تعده أساسياً في بناء القوى الإنتاجية الجديدة، وهي العبارة التي تستخدمها الصين لوصف محركات النمو القائمة على الابتكار، والتكنولوجيا المتقدمة.
Loading ads...
إعلان الصين العمل على قانون شامل للذكاء الاصطناعي لا يعني أن القانون صدر بالفعل، لكنه يمثل منعطفاً مهماً في مسار الحوكمة التقنية في البلاد، فبعد سنوات من القواعد المتخصصة، تتجه بكين إلى إطار أوسع يسعى إلى ضبط التكنولوجيا من جذورها المتمثلة في البيانات، والخوارزميات، والبنية الحاسوبية، والتطبيقات، والحقوق، والأمن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





