7 أيام
نزع السلاح حول العالم.. لماذا نجحت بعض التجارب وتعثرت أخرى؟
الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

أعضاء بعثة مراقبة آتشيه يفرزون أسلحة سلّمتها حركة آتشيه الحرة، خلال مراسم نزع السلاح في باندا آتشيه
تتباين نتائج نزع سلاح الجماعات المسلحة بحسب التسويات السياسية والضمانات الأمنية ومصير المقاتلين. وتوضح تجارب من إيرلندا الشمالية وكولومبيا وآتشيه وسيراليون وموزمبيق، مقابل مسارات متعثرة في دول عربية، أن جمع السلاح لا يكتمل من دون معالجة ما بعده.
من سلّم سلاحه، ومن احتفظ به، ولماذا؟ تجارب تكشف ما الذي يجعل الانتقال من البندقية إلى الدولة ممكنًا، وما الذي يعطله.
في تجارب دول كثيرة خرجت من حروب أهلية أو نزاعات مسلحة، لا يأتي نزع السلاح بتسليم البندقية فقط، بل من تغيرات في المعادلة السياسية والأمنية التي جعلت وجودها ممكنًا أساسًا.
تسويات سياسية ترى النور عقب اتفاق سلام أو انتهاء حرب وتغير في موازين القوى، أو توافق على حصر القوة المسلحة بمؤسسات الدولة. وفي بعض الحالات، ساهمت الضغوط الدولية والضمانات الأمنية وإعادة بناء الجيش والمؤسسات في دفع الأطراف نحو هذا الخيار.
هذه المسألة تتعامل معها الأمم المتحدة ضمن مسار يعرف بـنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، واختصاره DDR، ما يعني دعم انتقال المقاتلين السابقين من التنظيمات المسلحة إلى الحياة المدنية. وقد يوازيه، في بعض التسويات، مسار لدمج أفراد مؤهلين ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية.
غالبًا ما يتقاطع هذا المسار مع إصلاح القطاع الأمني: من يحمل السلاح بعد الحرب؟ من يضمن أمن الجماعات التي تخلت عنه؟ وهل تستطيع الدولة فعلًا أن تفرض القانون وتحمي جميع الأطراف؟
ولهذا لا ينظر إلى نزع السلاح كعملية تقنية لجمع البنادق والصواريخ فقط، بل كجزء من انتقال أوسع من منطق الحرب وتعدد القوى المسلحة إلى منطق المؤسسات والدولة.
وهنا تختلف التجارب: حالات نجحت لأن التسوية السياسية سبقت نزع السلاح ووفرت ضمانات ومؤسسات قادرة على استيعاب المرحلة الجديدة، فيما واجهت حالات أخرى تعثرًا عندما بقي الصراع السياسي قائمًا، أو شعر أحد الأطراف بأن التخلي عن سلاحه سيتركه من دون ضمانات.
تختلف مسارات نزع السلاح، وتبقى التسوية السياسية والضمانات الأمنية ومستقبل المقاتلين عناصر أساسية في الانتقال إلى الدولة
خمس تجارب بارزة اكتمل فيها نزع سلاح جماعة رئيسية أو جزء أساسي من القوى المتحاربة، مع اختلاف النتائج والسياقات.
إيرلندا الشمالية – الجيش الجمهوري الإيرلندي IRA
الجهة الرئيسية التي نتحدث عنها في نزع السلاح هي الجيش الجمهوري الإيرلندي المؤقت، المعروف اختصارًا بـIRA، وليس كل من حمل السلاح في إيرلندا الشمالية. فقد كانت هناك أيضًا تنظيمات مسلحة موالية لبريطانيا، ونزعت أسلحة عدد منها لاحقًا.
جذور الصراع أقدم من الـIRA المؤقت، وهي تعود إلى الانقسام بين القوميين الكاثوليك الساعين إلى توحيد إيرلندا، والوحدويين البروتستانت المتمسكين بالبقاء ضمن المملكة المتحدة. وفي أواخر الستينيات، تصاعدت الاحتجاجات بسبب التمييز في السكن والعمل والتمثيل السياسي، وتحولت المواجهات تدريجيًا إلى عنف مسلح، قبل أن يبرز الجيش الجمهوري الإيرلندي المؤقت، الـIRA، كأحد أبرز التنظيمات المسلحة.
خلال السبعينيات والثمانينيات، استمر الصراع من دون قدرة أي طرف على حسمه عسكريًا. ومع نهاية الثمانينيات، بدأت تتشكل قناعة بأن الحل العسكري غير ممكن، وفتحت قنوات تفاوض سياسية بين الجمهوريين والحكومتين البريطانية والإيرلندية.
عام 1994 أعلن الجيش الجمهوري الإيرلندي وقفًا لإطلاق النار، لكن نزع السلاح لم يحصل فورًا، إذ رفض التنظيم أن يعامل تسليم السلاح كشرط مسبق للتفاوض. وبعد سنوات من المفاوضات، تم توقيع اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، الذي رسخ تقاسم السلطة والمشاركة السياسية، ومبدأ أن مستقبل إيرلندا الشمالية يحسم ديمقراطيًا وبموافقة السكان.
بعد الاتفاق، بدأت عملية نزع السلاح تدريجيًا تحت إشراف لجنة دولية مستقلة، وليس عبر تسليم السلاح مباشرة إلى الجيش البريطاني. في عام 2001 بدأت أولى عمليات تعطيل الأسلحة، ثم تكررت في 2002 و2003.
وفي يوليو/ تموز 2005 أعلن الجيش الجمهوري الإيرلندي رسميًا إنهاء حملته المسلحة، وفي سبتمبر/ أيلول من العام نفسه أكدت اللجنة الدولية أن ترسانة التنظيم وضعت خارج الاستخدام، وفق البيان المشترك للحكومتين البريطانية والإيرلندية.
كبير مفاوضي شين فين مارتن ماكغينيس خلال مؤتمر صحافي في واشنطن، يوم إعلان الجيش الجمهوري الإيرلندي إنهاء حملته المسلحة، 28 يوليو/ تموز 2005 - غيتي
كولومبيا – القوات المسلحة الثورية الكولومبية FARC-EP
تعتبر تجربة كولومبيا من أوضح الأمثلة الحديثة على نزع سلاح حركة مسلحة كبيرة تحت رقابة دولية.
خاضت "فارك"، القوات المسلحة الثورية الكولومبية، تمردها المسلح في سياق الاحتكار التاريخي للأراضي والتهميش السياسي للتيارات اليسارية وغياب الدولة في الأرياف، وتبنت الماركسية. واستمر النزاع لأكثر من خمسة عقود ضد الدولة الكولومبية، وأسهم التمويل من تجارة المخدرات والاختطاف في إطالته، وقد شاركت فيه جماعات مسلحة أخرى.
قاد استنزاف الطرفين إلى المفاوضات. فقد تراجعت "فارك" تحت ضغط العمليات العسكرية، ولا سيما خلال عهد الرئيس ألفارو أوريبه، وخسرت قادة بارزين، منهم راؤول رييس ومونو خوخوي وألفونسو كانو، الذين قتلوا في عمليات منفصلة بين عامي 2008 و2011، فيما توفي مؤسسها مانويل مارولاندا إثر أزمة قلبية عام 2008. ثم استغل الرئيس خوان مانويل سانتوس والقائد الجديد "تيموتشينكو" الفرصة، لتبدأ المحادثات عام 2012 بضمانة كوبا والنرويج، وتتوج باتفاق السلام عام 2016. rte.ie
فبعد مفاوضات طويلة، وقعت الحكومة الكولومبية وFARC في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 الاتفاق النهائي لإنهاء النزاع. ولم يكن الاتفاق مجرد بند لتسليم السلاح؛ فقد تناول ستة محاور أساسية، بينها الإصلاح الريفي، المشاركة السياسية، إنهاء النزاع، المخدرات غير المشروعة، حقوق الضحايا، وآليات تنفيذ الاتفاق والتحقق منه.
عمليًا، تجمع آلاف مقاتلي "فارك" في مناطق انتقالية محددة، وبدأت الأمم المتحدة تسجيل أسلحتهم ثم استلامها تدريجيًا. وفي يونيو/ حزيران 2017 أعلنت الأمم المتحدة اكتمال تسليم الأسلحة الفردية المسجلة للحركة، مع إبقاء أسلحة أمن المعسكرات مؤقتًا. وفي الحصيلة النهائية الأوسع لعملية نزع السلاح، تسلمت بعثة الأمم المتحدة 8,994 قطعة سلاح، وتم تعطيلها واستخدام جزء من مادتها لاحقًا في نصب تذكارية مرتبطة بعملية السلام.
اجتماع ممثلين لبعثة الأمم المتحدة ومندوبين عن "فارك" في إحدى المناطق الانتقالية بريف بوليكاربا في جنوب غرب كولومبيا، يناير/ كانون الثاني 2017 - غيتي
لكن المرحلة الأصعب جاءت بعد السلاح. ماذا حدث لآلاف المقاتلين؟
الاتفاق تضمن إعادة إدماجهم سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وتحولت FARC من تنظيم مسلح إلى حزب سياسي. كما أنشئت آليات للحماية والأمن والعدالة الانتقالية.
التجربة لم تنه كل العنف في كولومبيا. بقيت جماعات أخرى مسلحة، وظهرت مجموعات منشقة عن FARC، واستمرت النزاعات على مناطق كانت الحركة قد غادرتها. الأمم المتحدة وثقت أيضًا قتل مئات الموقعين السابقين على اتفاق السلام خلال السنوات التالية.
إندونيسيا – حركة آتشيه الحرة GAM
خاضت حركة آتشيه الحرة، المعروفة اختصارًا بـGAM، تمردًا انفصاليًا ضد الحكومة الإندونيسية لما يقارب ثلاثة عقود، مطالبة باستقلال الإقليم، وسط خلافات سياسية واقتصادية وتوتر حول إدارة موارده الطبيعية والهوية والثقافة المحلية.
التحول الكبير جاء عام 2005، بعد سنوات من القتال ومحاولات سلام سابقة، وفي أعقاب كارثة تسونامي أواخر 2004 التي أعطت زخمًا للمفاوضات. فقد توصلت الحكومة والحركة إلى مذكرة تفاهم هلسنكي في 15 أغسطس/ آب 2005، وبموجبها تراجعت الحركة عن مشروع الاستقلال المسلح مقابل ترتيبات سياسية واسعة داخل الدولة الإندونيسية.
ما يميز آتشيه أن نزع سلاح الحركة ارتبط بترتيبات أمنية متبادلة. كان عليها تسليم أسلحتها، وفي المقابل كان على الحكومة تقليص وجود القوات العسكرية والشرطة غير المحلية في الإقليم؛ وهو انسحاب لقوات حكومية، لا نزع لسلاح الدولة.
تولت بعثة مراقبة آتشيه AMM بقيادة الاتحاد الأوروبي مهمة مراقبة التنفيذ. وقد أشرفت، وفق دراسة نشرها البنك الدولي، على تدمير 840 قطعة سلاح تابعة للحركة، بالتزامن مع سحب 31,681 من أفراد الجيش والشرطة غير المحليين بحلول نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2005.
لكن الاتفاق ذهب أبعد من السلاح.
جرى إقرار قانون جديد لحكم آتشيه، وأصبح بالإمكان إنشاء أحزاب سياسية محلية، ودخل عدد من الشخصيات المرتبطة بالحركة إلى الحياة السياسية والانتخابات. كما استمرت بعثة المراقبة في متابعة إعادة دمج أعضاء GAM والتغييرات القانونية وحقوق الإنسان بعد انتهاء مرحلة نزع السلاح.
سيراليون – RUF والفصائل المتحاربة
تختلف سيراليون عن النماذج السابقة لأن برنامج نزع السلاح لم يستهدف تنظيمًا واحدًا فقط، بل شمل قوى عدة شاركت في الحرب الأهلية.
بدأ النزاع عام 1991 عندما أطلقت الجبهة الثورية المتحدة RUF تمردًا مسلحًا ضد الحكومة، وشهدت البلاد انقلابات وتغيرًا في التحالفات، وسيطرة جماعات مسلحة على مناطق واسعة، إضافة إلى الدور الذي لعبته تجارة الألماس في تمويل الحرب.
بعد نحو ثماني سنوات من الحرب، وفي يوليو 1999، تم توقيع اتفاق لومي للسلام، الذي نص على وقف القتال وتشكيل ترتيبات سياسية جديدة، وطلب مشاركة دولية كبيرة في عملية السلام. وأنشأ مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة في سيراليون UNAMSIL، التي كان من مهامها الأساسية مساعدة الحكومة على تطبيق برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج.
جندي باكستاني من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في دورية بمدينة كويدو شرقي سيراليون، خلال تنفيذ برنامج نزع السلاح في سبتمبر/ أيلول 2001
تعثرت ترتيبات الاتفاق؛ ففي مايو/ أيار 2000 انهارت أجزاء من وقف إطلاق النار، واحتجزت الجبهة الثورية المتحدة مئات من عناصر قوات حفظ السلام. تدخلت عوامل دولية وإقليمية جديدة، وزاد الضغط العسكري والسياسي على المتمردين، ثم استؤنفت عملية نزع السلاح على نطاق أوسع.
ووفق حصيلة البعثة الأممية، نزع سلاح وسرح 75,490 مقاتلًا، بينهم آلاف الأطفال والنساء. وجمعت ودمرت 42,330 قطعة سلاح وأكثر من 1.2 مليون قطعة ذخيرة. كما حصل قرابة 55 ألف مقاتل سابق على برامج لإعادة الدمج شملت التعليم والتدريب المهني والزراعة والصيد ودعم المشاريع الصغيرة، ووفرت قوة أممية وصل قوامها المصرح به إلى 17,500 عنصر مظلة أمنية للعملية.
تجربة موزمبيق مرت بأكثر من مرحلة للسلام ونزع السلاح. النزاع التاريخي الأساسي كان بين الحكومة التي تقودها جبهة تحرير موزمبيق FRELIMO وحركة المقاومة الوطنية الموزمبيقية RENAMO.
انتهت الحرب الأهلية الكبرى باتفاق سلام عام 1992، لكن الخلافات لم تختف نهائيًا، وعادت مواجهات مسلحة في فترات لاحقة.
بعد مفاوضات جديدة، وقعت الحكومة وحركة المقاومة الوطنية الموزمبيقية "رينامو" في أغسطس 2019 اتفاق مابوتو للسلام والمصالحة الوطنية، الذي تضمن برنامجًا جديدًا لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج.
الرئيس الموزمبيقي فيليبي نيوسي وزعيم "رينامو" أوسوفو مومادي يتعانقان عقب توقيع اتفاق السلام في مابوتو، 6 أغسطس/ آب 2019 - غيتي
ما يميز هذه التجربة أنها نفذت تدريجيًا وعلى امتداد سنوات. كان المقاتلون موجودين في قواعد موزعة في مناطق مختلفة، وتم فتح هذه المواقع تباعًا، ونزع سلاح عناصرها وتسريحهم ثم إعادتهم إلى المجتمعات المحلية.
في يونيو 2023 أغلقت القاعدة السادسة عشرة والأخيرة لـ"رينامو". ووفق الأمم المتحدة، بلغ عدد المشاركين في عملية نزع السلاح والتسريح 5,221 مقاتلًا سابقًا، بينهم 271 امرأة و4,950 رجلًا.
ولم تتوقف الخطة عند التسريح. فبحلول يونيو 2023، حصل أكثر من 1,500 من المقاتلين السابقين وأفراد أسرهم على فرص اقتصادية واجتماعية لإعادة الدمج، ودمج نحو 145 من المستفيدين في القوات المسلحة أو الشرطة، وفق الحصيلة الأممية المنشورة آنذاك. كما أقرت الحكومة نظامًا يتيح معاشات تقاعدية للمستفيدين المؤهلين من البرنامج، وهي خطوة اعتبرت مهمة لأن أحد أكبر المخاطر بعد التسريح هو ترك المقاتل السابق بلا مصدر دخل أو ضمان اجتماعي.
وشددت الأمم المتحدة أيضًا على أن إغلاق القواعد ونزع السلاح لا يعني أن عملية السلام انتهت؛ إعادة الدمج والمصالحة تستمران بعد خروج المقاتلين من التنظيم العسكري.
على المقلب الآخر، وفي أمثلة لم يحصل فيها نزع كامل للسلاح، يقدم ليبيا والعراق نموذجين مختلفين تمامًا عن كولومبيا أو إيرلندا الشمالية: بلدان شهدا محاولات دمج وتنظيم وإخضاع الجماعات المسلحة للدولة بدرجات متفاوتة.
بدأ ملف نزع السلاح في ليبيا مباشرة بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011. في تلك المرحلة انتشرت مئات الكتائب التي شاركت في القتال. وقدرت دراسة لـ"مسح الأسلحة الصغيرة" عام 2012 أن كتائب الثوار كانت تضم ما بين 75 و85% من المقاتلين ذوي الخبرة، وتسيطر على نسبة مماثلة من مخزونات السلاح الموجودة خارج سيطرة الحكومة. وفي مصراتة وحدها سجلت 236 مجموعة مسلحة تضم قرابة 40 ألف عنصر، وكانت تسيطر على أكثر من 820 دبابة ونحو 2,300 آلية مزودة برشاشات أو أسلحة مضادة للطائرات.
أسلحة وذخائر متروكة في قاعدة لونا العسكرية شمال الجفرة في ليبيا، 29 سبتمبر/ أيلول 2011 - غيتي
في يناير/ كانون الثاني 2012 بدأت هيئة شؤون المحاربين للتأهيل والتنمية تسجيل المقاتلين السابقين. وبحلول نهاية فبراير/ شباط بلغ عدد المسجلين نحو 148 ألف شخص. نحو 15% منهم اختاروا الالتحاق بالشرطة، و15% بالجيش، بينما اختارت الأكثرية التعليم أو التدريب المهني والعمل المدني. ووضعت الحكومة آنذاك خطة أولية لاستيعاب 10 آلاف مقاتل سابق في وزارة الداخلية و5 آلاف في وزارة الدفاع، بحسب إحاطة المبعوث الأممي في 29 فبراير 2012.
بالتوازي، عملت اللجنة الأمنية العليا تحت مظلة وزارة الداخلية على استيعاب عناصر من الكتائب المسلحة. ووفق تقرير أممي صدر عام 2014، سجلت الوزارة 101,086 من أعضاء اللجنة حتى 10 ديسمبر 2013، أكمل 19,531 منهم التدريب، فيما توزع الآخرون على التدريب أو انتظاره أو الفحص والاختيار أو عدم استيفاء شروط القبول. ولم يكن التسجيل وحده يعني اكتمال الإدماج أو تسليم السلاح.
كما ظهرت قوات درع ليبيا المرتبطة بوزارة الدفاع، وضمت تشكيلات من الثوار السابقين. وبحلول عام 2014 كانت المؤسسات الأمنية الرئيسية تشمل الجيش، واللجنة الأمنية العليا، وقوات درع ليبيا، في وقت أدى فيه الانقسام إلى وجود حكومتين وقيادتين عسكريتين متنافستين.
في 23 أكتوبر 2020 وقع وفدا اللجنة العسكرية المشتركة "5+5" في جنيف اتفاق وقف إطلاق النار. ونص على عودة الوحدات والتشكيلات المسلحة من خطوط التماس إلى معسكراتها، وحصر وتصنيف الجماعات المسلحة وتحديد قياداتها وأعداد عناصرها وأسلحتها ومواقعها، تمهيدًا لتفكيكها، مع إعادة دمج العناصر المؤهلين بصفة فردية داخل مؤسسات الدولة. كما نص على مغادرة المرتزقة والمقاتلين الأجانب الأراضي الليبية خلال ثلاثة أشهر.
وفي 8 أكتوبر 2021 وقعت لجنة "5+5" خطة عمل لخروج المرتزقة والمقاتلين والقوات الأجنبية بصورة تدريجية ومتوازنة ومتزامنة. ثم عقدت اجتماعات مع تشاد والنيجر والسودان لإنشاء آلية تنسيق لتنفيذ هذا المسار.
لاحقًا أدرج إنشاء لجنة وطنية لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج DDR ووضع خطة وطنية ضمن مسار الأمم المتحدة في ليبيا، بحيث تتولى اللجنة تنسيق عمليات نزع السلاح وتسريح عناصر الجماعات المسلحة وإعادة دمجهم في المؤسسات أو الحياة المدنية.
إذن، تعثر مسار نزع السلاح في ليبيا بسبب الانقسام السياسي والعسكري، وغياب سلطة أمنية موحدة، واعتماد الدولة على دمج المقاتلين ودفع الرواتب بدل تفكيك الجماعات وجمع أسلحتها. كما أسهم تجدد القتال، وتعدد مراكز القوة، واستمرار وجود المرتزقة والمقاتلين الأجانب، وتأخر توحيد الجيش، في إبقاء عملية نزع السلاح غير مكتملة حتى اليوم.
تجربة أخرى يمكن التطرق إليها في مسار نزع السلاح الجزئي.
بعد عام 2003 ظهرت تشكيلات مسلحة عديدة. ومن أبرز محاولات الحد من السلاح تجربة جيش المهدي المرتبط بمقتدى الصدر. ففي 2007 ثم 2008 أعلن الصدر تجميد النشاط العسكري لجيش المهدي، بالتزامن مع مواجهات وعمليات حكومية ضد جماعات مسلحة.
عسكريان أميركيان يفحصان أجزاء عبوة عُثر عليها مع أسلحة في مخبأ بمدينة الصدر ببغداد، عقب اتفاق لوقف إطلاق النار، 25 مايو/ أيار 2008 - غيتي
وفي أبريل/ نيسان 2008 دعت الحكومة العراقية القوى السياسية إلى حل ميليشياتها ونزع سلاحها.
وفي مسار مختلف، جرى التعامل مع مقاتلي الصحوات الذين حاربوا تنظيم القاعدة؛ إذ ذكر تقرير للأمم المتحدة عام 2008 أن نحو عشرة آلاف منهم نقلوا إلى الأجهزة الأمنية النظامية.
وفي تحديث لهذا المسار، حدد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في 1 أكتوبر 2026 مهلة تنتهي في 30 يونيو 2027 لحصر السلاح بيد الدولة. وفي 26 أكتوبر أعلن عن اتفاق لحل البنية العسكرية المستقلة لوحدات مقاومة سنجار ودمج مقاتليها في القوات الرسمية، بحسب أسوشيتد برس، مع بقاء تفاصيل التنفيذ ومدته غير واضحة. وهنا أيضًا يجب الفصل بين إعلان الدمج واكتماله فعليًا.
تجربة ظفار في عمان خلال السبعينيات مختلفة لأنها لم تكن اتفاق سلام كلاسيكيًا على طريقة إيرلندا الشمالية، فبعد وصول السلطان قابوس إلى الحكم عام 1970، أعلنت الدولة العفو عن المتمردين الذين يتركون التمرد، بالتوازي مع برامج تنمية وتغييرات سياسية واجتماعية وحملة عسكرية ضد الجبهة المسلحة في ظفار. عدد من المقاتلين الذين انشقوا عن التمرد انضموا إلى وحدات عرفت باسم Firqat وقاتل بعضهم إلى جانب الحكومة.
وانتهت العمليات العسكرية الكبرى بانتصار الحكومة عام 1975، مع اندماج عدد من المقاتلين السابقين في البنية الأمنية والاجتماعية الجديدة.
تختلف الظروف والأطراف، لكن تجارب نزع السلاح تلتقي عند حقيقة واحدة: جمع السلاح ليس قرارًا تقنيًا ينفذ بمجرد صدوره، بل مسار سياسي وأمني يرتبط بمستقبل الجماعة المسلحة وبقدرة الدولة على ملء الفراغ الذي يتركه السلاح.
ينسحب هذا التحدي في أيامنا هذه على سوريا، غزة ولبنان.
في سوريا، اتخذ المسار شكلًا مختلفًا. بعد سقوط نظام بشار الأسد، لم تتركز الجهود فقط على جمع الأسلحة، بل على حل التشكيلات المستقلة وإدخال عناصرها ضمن مؤسسات الدولة وقيادة عسكرية موحدة.
وشهد عام 2026 خطوات إضافية في هذا الاتجاه، بينها اتفاق 30 يناير بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية على وقف شامل لإطلاق النار ودمج المؤسسات العسكرية والمدنية تدريجيًا، وفق موجز البرلمان الأوروبي. وتبقى العبرة بتنفيذ ترتيبات القيادة والأمن والحقوق، لا بمجرد إعلان اتفاق الدمج.
أما في غزة، فالمسألة أكثر تعقيدًا. نزع سلاح حماس والفصائل الأخرى أصبح أحد الملفات الأساسية في ترتيبات ما بعد الحرب. الخطة التي أيدها مجلس الأمن عام 2025 تربط تفكيك القدرات العسكرية بترتيبات متدرجة تشمل رقابة دولية وانتقالًا في إدارة غزة وانسحابًا إسرائيليًا على مراحل وإعادة الإعمار.
وفي 30 يوليو 2026 أعلن عن خريطة طريق لاستكمال تنفيذ الخطة، تتناول تعطيل الأسلحة الثقيلة وتخزينها تحت سلطة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وربط ذلك بانسحاب إسرائيلي تدريجي وآلية تحقق دولية. لكن الإعلان لم يعن اكتمال التنفيذ؛ ففي 22 أكتوبر أفادت رويترز بأن مساري نزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي ظلا متعثرين.
وبقيت المسألة مرتبطة بالسؤال الأكبر: من يحكم غزة؟ من يضمن الأمن؟ وما المقابل السياسي والأمني للتخلي عن السلاح
في لبنان، تعود محاولة حصر السلاح بيد الدولة إلى نهاية الحرب الأهلية واتفاق الطائف، عندما حلت معظم الميليشيات، لكن العملية لم تشمل جميع القوى المسلحة. واستمر ملف سلاح حزب الله مطروحًا عبر القرارات الدولية والحوار الداخلي.
آلية للجيش اللبناني خلال عملية تسلّم أسلحة من مخيم البداوي قرب طرابلس، ضمن خطة جمع السلاح من المخيمات الفلسطينية، 13 سبتمبر/ أيلول 2025 - غيتي
وفي 2025 اتخذت الحكومة اللبنانية قرارًا بتكريس احتكار الدولة للسلاح، إلا أن التنفيذ ظل مرتبطًا بجملة ملفات، بينها قدرات الجيش والانقسام الداخلي والاعتداءات والاحتلال الإسرائيلي. وفي مارس/ آذار 2026 قررت الحكومة حظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله. وحتى أواخر أكتوبر لم يكتمل نزع سلاحه؛ ونقلت رويترز في 26 أكتوبر عن مصادر أمنية أن الحزب يعمل على إعادة بناء قدراته، فيما أكد مكتبه الإعلامي للوكالة تمسكه بحق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
هذه الحالات الثلاث تشير إلى أن السؤال الأساسي ليس فقط: من يسلم السلاح؟ بل أيضًا: ماذا يحدث في اليوم التالي؟
فحين لا توجد مؤسسات قادرة على فرض الأمن، وضمانات للأطراف، وتسوية سياسية تحدد موقع المقاتلين السابقين، قد يتحول نزع السلاح إلى مصدر أزمة جديدة. أما عندما يترافق مع إعادة بناء مؤسسات الدولة، ودمج أو تسريح المقاتلين، وضمانات سياسية وأمنية، يصبح الانتقال من السلاح إلى السياسة أكثر قابلية للاستمرار.
Loading ads...
في النتيجة، ليس الدرس من التجارب أن نزع السلاح مستحيل، ولا أنه يتم بقرار واحد، بل أن تسليم السلاح يرتبط بتغير المعادلة التي أدت إلى حمله أساسًا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





