تعد حالة الانطفاء وفقدان الشغف من أبرز الحالات المُنتشرة بين الشباب خلال السنوات الأخيرة، ويصف الكثير من الشباب تلك الحالة بأنهم يبدأون في مشروع جديد أو دراسة أو عمل بحماس كبير، وعقب ذلك يجدون أنفسهم بعد فترة قصيرة نسبياً في حالة من الفراغ ولا يتم تفسيرها بتعب جسدي واضح ولا فشل ملموس. ولكن تلك الحالة يُطلق عليها الباحثون "الانطفاء - Burnout" والتي درسها علم النفس منذ خمسينيات القرن الماضي، وتوصل إلى تفسيرات دقيقة لأسبابها.
وكانت قد اتفقت العديد من الأبحاث والدراسات حول أن فقدان الشغف المبكر ليس علامة ضعف شخصي أو كسل، بل هو نتيجة تراكمية لاختلالات حقيقية بين احتياجات الشخص النفسية وبيئته المحيطة، سواء كانت أكاديمية أو مهنية أو حتى في هواية كان يحبها ويمارسها يوماً. وإن إدراك هذا الفارق بين "الكسل" و"الانطفاء الحقيقي"، يعد هو الخطوة الأولى نحو التعامل مع تلك الحالة بجدية بدلاً من محاولة تجاهله أو الشعور بالذنب حيالها.
وقد أوضح الباحثون من خلال دراساتهم العديد من الأسباب التي قد تصل بالإنسان إلى شعوره بفقدان الشغف المبكر والانطفاء، والتي نستعرضها لكم في هذا الموضوع وهي كالتالي:
صاغ المحلل النفسي الأمريكي هربرت فرودنبرجر مصطلح "الانطفاء" خلال مطلع السبعينيات، حيث استخدم استعارة المبنى المحترق لوصف حالة لاحظها لدى عملائه، وكان أغلبهم من الأشخاص شديدي الإنجاز الذين فقدوا تفاؤلهم وشغفهم بالحياة وإحساسهم بالهدف. وعلى الرغم من أن المصطلح لا يحمل تعريفاً موحداً معتمداً في الأدلة التشخيصية الطبية الرسمية، ولكن الأبحاث اللاحقة وأبرزها العمل الذي قادته الباحثة كريستينا ماسلاخ وطورت من خلاله مقياس "ماسلاخ للانطفاء"، حددت من خلاله ثلاثة أبعاد أساسية لهذا الشعور وهي: الإرهاق العاطفي، وفقدان الشخصنة أي اللامبالاة تجاه من حولك، وانخفاض الشعور بالإنجاز الشخصي.
نجحت كريستينا ماسلاخ وزملاؤها في تطوير نموذج حدد 6 مجالات في بيئة العمل أو الدراسة إذا حدث فيها عدم توافق بين احتياجات الفرد والبيئة المحيطة أدى ذلك تدريجياً إلى الشعور بالانطفاء وهي: عبء العمل، مستوى السيطرة المتاحة على القرارات، المكافأة، الانتماء لمجتمع داعم، العدالة، والقيم المشتركة. وأوضحت كريستينا أن الشغف لا يتآكل فقط بسبب كثرة المهام، بل بسبب اختلال أي من هذه العوامل الستة مع مرور الوقت، وهو ما يفسر لماذا قد يشعر شخص يعمل ساعات معقولة بالانطفاء، فيما يظل آخر يعمل لساعات أطول متحمساً، بحسب مدى توافق بيئته مع هذه الجوانب الستة.
يعد من أكثر النتائج البحثية إثارة للاهتمام في هذا المجال التمييز الذي وضعه عالم النفس روبرت فاليران بين نوعين من الشغف: "الشغف الانسجامي" وهو الذي ينبع من اختيار داخلي حر ويرتبط بالرضا والمشاعر الإيجابية، و"الشغف القهري" والذي يسيطر على الشخص وكأنه مضطر لممارسة النشاط، ويرتبط بالإرهاق العاطفي والانطفاء بمرور الوقت. وأكدت دراسات لاحقة تم إجراؤها على رياضيين وطلاب شباب، أن الشغف القهري تحديداً يرتبط بزيادة خطر الإصابات والانطفاء نتيجة الإفراط في الممارسة وصعوبة التوقف حتى مع وجود حدود جسدية أو نفسية واضحة، مما يعني أن الشغف المفرط وغير المتوازن قد يكون هو السبب في انطفائه لاحقاً، وليس دليلاً على حمايته.
استندت عدد من التفسيرات الحديثة للانطفاء إلى "نظرية تقرير المصير"، والتي تحدد ثلاث حاجات نفسية أساسية للإنسان وهي: الشعور بالاستقلالية في اتخاذ القرار، الشعور بالكفاءة في أداء ما يقوم به، الشعور بالانتماء والارتباط بالآخرين. وقد توصلت دراسة أُجريت على مئات من الرياضيين الشباب أن إشباع هذه الاحتياجات الثلاثة يرتبط بشكل مباشر بانخفاض أعراض الانطفاء، فيما يؤدي حرمان الشخص من أي منها بشكل متكرر إلى تراكم مشاعر الإرهاق والانفصال العاطفي تدريجياً، حتى وإن كان النشاط نفسه محبوباً في الأساس.
أشارت عدد من المراجعات البحثية إلى أن أكثر من نصف طلاب الجامعات يعانون من مستويات مرتفعة من حالة "الانطفاء الأكاديمي"، وهي حالة من المشاعر السلبية طويلة الأمد المرتبطة بعملية الدراسة نفسها. وأوضحت الأبحاث أن الدراسة على الرغم من كونها شغفاً حقيقياً لدى كثير من الطلاب، إلا أنها قد تتحول إلى مصدر انطفاء حين يغيب التوازن بين ضغط الأداء الأكاديمي والاحتياجات النفسية للطالب، وبشكل خاص في ظل مؤسسات تعليمية لا تراعي هذا الجانب بالقدر الكافي.
أشارت جمعية العلوم النفسية الأمريكية إلى أن كثيراً من أعراض الانطفاء تتداخل مع أبرز سمات الاكتئاب، ومن بينها الإرهاق الشديد وفقدان الشغف، وتصاعد السخرية والنظرة السلبية للأمور. وأوضحت الباحثة كريستينا ماسلاخ أن الانطفاء مثل الاكتئاب، "يخنق" طموح الشخص ومثاليته وإحساسه بقيمته الذاتية تدريجياً، مما يجعل من الضروري عدم الاستهانة بتلك الأعراض باعتبارها مجرد حالة من "الكسل المؤقت"، بل التعامل معها كحالة نفسية حقيقية تستحق الانتباه والتدخل المبكر.
أشارت دراسة تم إجراؤها على أطباء أسرة إلى أن الوعي بوجود معنى حقيقي في العمل يشكل عاملاً وقائياً مهماً ضد الانطفاء، وأن غياب هذا المعنى قد يجعل حتى الإنجازات الظاهرة غير كافية لمنع الشعور بالفراغ. وإن هذه النتيجة تفسر جزئياً لماذا قد يفقد شخص يحقق نجاحاً واضحاً على الورق شغفه بشكل مفاجئ، حيث إن المسألة ليست في غياب الإنجاز نفسه، بل في غياب الإحساس بأن هذا الإنجاز يرتبط بشيء أعمق وذي قيمة شخصية حقيقية بالنسبة للشخص.
Loading ads...
قدم "نموذج مطالب الوظيفة ومواردها"، الذي وضعه عدد من الباحثين في علم النفس التنظيمي، تفسيراً تكاملياً للانطفاء والذي يقوم على فكرة بسيطة، وهي حين تفوق المتطلبات النفسية والجسدية والاجتماعية المفروضة على الشخص الموارد المتاحة له للتعامل معها كالدعم الاجتماعي، أو مساحة الاستقلالية، أو فرص التطور يبدأ الانطفاء بالتشكل تدريجياً. كما أشارت دراسات حديثة أيضاً إلى عوامل تفاقم هذا الاختلال لدى الشباب تحديداً، من بينها الاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي، والذي رُبط في أبحاث حديثة بتفاقم أعراض الانطفاء والإرهاق النفسي لدى فئة الشباب بشكل خاص. يُمكنكم قراءة: أين يجد الشباب شغفهم الحقيقي بعيداً عن السوشيال ميديا
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

أبرز أسباب الانطفاء وفقدان الشغف المبكر
منذ 35 دقائق
0



