ساعة واحدة
عنف المدرّبين وصمت أولياء الأمور... كيف سقطت زينة ضحيةً للمنظومة الرياضية في مصر؟ - رصيف22
الخميس، 29 أكتوبر 2026

بعيداً عن نتيجة التحقيقات في واقعة صفع زينة، تتكرّر اعتداءات وتعنيف المدربين للاعبين واللاعبات في مصر خاصةً في الرياضات الفردية حيث غالباً ما يكون لكل لاعب مدرب خاص فضلاً عن مدربي الفرق والمنتخبات. أثارت حوادث عدة في السنوات الأخيرة سجالاً حول سلطة المدرب على اللاعبين القصّر والتي تخوّلهم تعنيف الرياضيين الأطفال نفسياً وجسدياً ولفظياً وأحياناً جنسياً، وفي بعض الأحيان بمباركة أولياء الأمور أو غضهم النظر.
وفي أيلول/ سبتمبر 2026، أمرت النيابة العامة المصرية بحبس مدرب رياضة سلاح الشيش في أحد الأندية في منطقة الدقي على ذمة التحقيق، في اتهامه بهتك العرض والتحرش بعدد من اللاعبين واللاعبات، تتراوح أعمارهم بين 9 و13 عاماً، في أثناء تدريبهم/ نّ.
قبلها بأشهر قليلة، وبالتحديد في نيسان/ أبريل 2026، تعدّى مدرب سباحة على أحد اللاعبين الصغار بالصفع على وجهه، ما تسبّب له في ثقب في طبلة الأذن، وذلك في منطقة قصر النيل في محافظة القاهرة، لتُحرّر والدة الطفل محضراً رسمياً، قبل أن تتنازل عنه في وقت لاحق دون أن تتضح الأسباب.
مسلسل سطوة المدربين واعتداءاتهم على اللاعبين القُصّر في الرياضات الفردية في مصر كان قد شهد واقعةً أخرى مثيرة في 2024، حينما ألقت الأجهزة الأمنية القبض على مدرب شهير لرياضة "الكيك بوكسينغ" في منطقة التجمّع الخامس، بعد ورود بلاغات تتهمه بالتحرش بسبع فتيات في أثناء التدريب، حيث أوهم الفتيات بأنّ هذا يندرج تحت قواعد اللعبة.
وبحسب مبادرة "Speak up"، وهي مبادرة نسوية لدعم ضحايا العنف والتحرّش، فإن المدرب المتهم بالتحرّش استهدف الفتيات الصغيرات من سن 13 إلى 18 عاماً، وكان يهدّد الفتيات ويضغط عليهن إذا حاولت إحداهن التكلّم عمّا يحدث في أثناء التدريب، عبر إقناع الفتيات بأنهنّ "شركاؤه في الخطأ".
وفي الوقت الذي لا يتوقّف مسلسل الاعتداءات –اللفظية والجسدية- على الأطفال في الرياضات الفردية، حسب التعليقات والمنشورات التي تابعها معدّ التقرير عبر السوشال ميديا خلال الأيام الأخيرة، وفي بعض الأحيان بموافقة الأهل، فتحت واقعة الطفلة زينة باباً للنقاش بشأن أسباب تكرار هذه الوقائع بشكل أكبر في الرياضات الفردية مقارنةً بالرياضات الجماعية.
وتساءل البعض عن وجود مدوّنة سلوك تطبقّها الاتحادات الرياضية على مدربي هذه الألعاب وهل توجد طرق شكوى آمنة يمكن أن يلجأ لها اللاعبون وأولياء الأمور، بالإضافة إلى الوقوف على أسباب صمت الأهالي وموافقاتهم على تعرّض أبنائهم لمثل هذه الوقائع، وتأثيرها نفسياً على اللاعبين الصغار ومستواهم، وآلية حماية الأطفال من مثل هذه الوقائع.
يعلّق المتحدث الرسمي باسم وزارة الشباب والرياضة المصرية، محمد الشاذلي، على واقعة صفع زينة، موضحاً أن الوزارة تحرّكت بشكل فوري بالتنسيق مع اللجنة الأولمبية المصرية والاتحاد المصري لتنس الطاولة للتعامل عبر خطوات وإجراءات واضحة.
ويضيف الشاذلي، في حديثه إلى رصيف22، أنّ التحرّك الرسمي شمل ثلاثة إجراءات رئيسية وحاسمة، أولها إيقاف المدرّب فوراً عن ممارسة أي نشاط رياضي -سواء كان رسمياً أو غير رسمي- وثانيها التوجيه ببدء تحقيقات فورية بمعرفة اللجنة الأولمبية المصرية للوقوف على ملابسات الواقعة.
وعن مدى وجود كود سلوك تطبّقه الاتحادات الرياضية على مدرّبي الألعاب الفردية، يقول الشاذلي إنه جرى توجيه إنذار وتنبيه صارم لكافة الاتحادات الرياضية ومجالس الإدارات وأعضاء المنظومة الرياضية بالمواد القانونية والعقوبات المقرّرة في اللوائح والقوانين في حال ارتكاب مثل هذه الأفعال، لمنع تكرارها مستقبلاً بشكل نهائي.
كذلك، يشدّد المتحدث الرسمي باسم الوزارة على أنّ الأزمة تتجاوز مجرّد العقوبات في اللوائح الاعتيادية، كونها تتضمّن اعتداء المدرب على اللاعبة، حيث أنّ هذا الفعل، وغيره من أفعال السبّ والقذف، والضرب، أو التعدّي بكافة أشكاله، يخضع لقوانين تصل عقوباتها إلى حد السجن، وفقاً لقانون الرياضة المصري وقانون الطفل وقوانين العقوبات النافذة.
ويستطرد الشاذلي: "قانون الرياضة المصرية (وتحديداً المادة 84 و88) يتضمّن عقوبةً تصل إلى السجن في حالة السب والقذف والإهانة والتمييز العنصري، كما يتناول قانون الطفل المصري (في المادة 116) بوضوح تشديد العقوبات الجنائية والقانونية في حال ارتكاب أي من أفراد الجهاز الفني أو الإداري أو أولياء الأمور أفعالاً تمسّ سلامة اللاعبين أو تشكّل جريمة اعتداء، فيما يحظر قانون العقوبات المصري الاعتداء على الأطفال ويقرّ عقوبةً بالسجن كذلك.
وتنص المادة 84 من قانون الرياضة المصري رقم 71 لسنة 2017 بمعاقبة كل من سب أو قذف أو أهان شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً بالقول أو الصياح أو الإشارة، أو حرّض على الكراهية أو التمييز العنصري، بأي وسيلة من وسائل الجهر والعلانية في أثناء النشاط الرياضي أو بمناسبته، وذلك بالحبس مدةً لا تقلّ عن سنة، وغرامة لا تقلّ عن ألف جنيه (أقل من 20 دولاراً أمريكياً) ولا تزيد على 3 آلاف جنيه (أقل من 55 دولاراً أمريكياً)، أو إحدى هاتين العقوبتين.
كذلك، يلفت الشاذلي إلى أن وزير الشباب والرياضة وجّه بعدم التهاون في تطبيق القانون وفي توقيع العقوبات التي يقرّها القانون في مِثل هذه الوقائع، معرباً عن دهشته من تصرّف المدرب الذي من المفترض أن يحمل اسم وسمعة مصر في الخارج، فضلاً عن كون الضحية طفلةً صغيرة.
وفي ما يخصّ دور أولياء الأمور، يقول الشاذلي إنّ العامل الأكبر يقع على "ولي الأمر"، سواء كان الأب أو الأم أو المدرب المعني بالولاية، باعتباره خط الدفاع الأول وحائط السد لعدم السماح بأي تجاوز بحق الطفل، مؤكداً أنّ الوزارة لا تقبل بأي شكل من الأشكال التهاون في تطبيق العقوبات المقرّرة قانوناً حمايةً للنشء والرياضيين في مختلف الألعاب الفردية والجماعية.
في مقابل تأكيد الشاذلي على أهمية دور أولياء الأمور تجاه أبنائهم في توفير الحماية لأبنائهم في هذه المراحل السنية، كان رد فعل الأم في واقعة الطفلة زينة مستهجناً ومثيراً للدهشة، ونشر عدد من أولياء الأمور والمدرّبين الآخرين منشورات وتعليقات تدافع عن هذا المدرّب المعنّف، ما يوحي بمناخ من التسامح مع هذا العنف وتبريره.
يقول والد طفلين يمارسان رياضة السباحة، هو حسام دياب، لرصيف22، إن العلاقة بين المدرب واللاعب لا تقتصر دائماً على الجوانب الفنية، إذ قد تتداخل معها اعتبارات شخصية وأسرية، فضلاً عن رغبة بعض أولياء الأمور في الحفاظ على علاقة جيدة مع المدرب، خشية أن يؤثّر الخلاف معه على فرص أبنائهم في التدرّج الرياضي أو المشاركة في البطولات.
ويتابع دياب بأنّ بعض المدربين يتحكمّون بالفعل في انتقال اللاعبين من مستوى تدريبي إلى آخر، حتى عندما يكون اللاعب قد استوفى الحد الأدنى من متطلّبات التقدّم، ضارباً مثالاً السباحة، حيث قد يظلّ الطفل في مستوى معيّن فترةً طويلةً قبل السماح له بالانتقال إلى المستوى التالي، برغم رغبة أسرته في تطوير مستواه والمشاركة في البطولات، مشيراً إلى تأثير بعض الاعتبارات الجانبية بعيداً عن الكفاءة في عملية التدرّج والمشاركة، والتي تخضع لـ"أهواء شخصية".
إلى ذلك، يرى دياب أنّ هذه الظروف قد تدفع بعض أولياء الأمور إلى الحرص على توطيد علاقتهم بالمدرب، حتى لا يتعرّض أبناؤهم للتعنّت أو تتعطّل فرص تقدّمهم، موضحاً أن الخوف من الاستبعاد أو عدم الاختيار للمنافسات قد يجعل بعض الأسر تتردّد في الاعتراض على تصرّفات وسلوكيات المدربين، خاصةً في الرياضات الفردية التي تتسم بمنافسة قوية على فرص المشاركة المحدودة.
وعن عدم اتخاذ أولياء الأمور إجراءات ملموسةً تجاه تجاوزات المدربين، يلفت إلى أن بعض الأسر قد تفضّل الاكتفاء بالاعتراض على سلوك المدرب، دون المطالبة بإيقافه أو اتخاذ إجراء قد يؤثّر على عمله، عادّاً من واقع تجربته أنّ غالبية تجاوزات المدربين قد تنتهي بتسوية أو وعود تتعلّق بمشاركة الطفل في بطولة لاحقة.
وفي واقعة زينة، لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دوراً قوياً في تحرّك السلطات حيال الواقعة والتحذير ضد أي اعتداءات محتملة داخل الوسط الرياضي مستقبلاً. وعن هذا، يعتقد حسام أن انتشار فيديو الواقعة قد يدفع المؤسّسات المعنية إلى التحرّك بصورة أسرع، عادّاً أنّ ما يصل إلى الجمهور عبر التصوير لا يمثّل سوى جزء محدود من الوقائع التي تحدّث بشكل يومي.
ويضيف أنّ الشكاوى التي يتقدّم بها بعض أولياء الأمور ضد المدربين، ولا تكون مصحوبةً بدليل مرئي أو اهتمام عام، تجد، من وجهة نظره، صعوبات في إثبات الواقعة أو دفع الجهات المعنية إلى التحرّك والاستجابة للشكاوى.
ويختم دياب بدعوة أولياء الأمور إلى عدم التنازل عن حقوق أبنائهم عندما يصل سلوك المدرب إلى الاعتداء الجسدي والتعنيف، بما قد يؤثّر في شخصية الطفل وثقته في نفسه، خاصةً أنّ الطفل بحاجة ماسة إلى بيئة آمنة تتيح له ممارسة الرياضة والتطوّر فيها دون خوف من العقاب أو الاستبعاد.
تتفق البطلة الأولمبية في الكاراتيه فريال أشرف، مع دياب، في الرفض القاطع لأي تهاون أو تنازل من قِبل أولياء الأمور عن حقوق أبنائهم وبناتهم بدعوى الخوف من تعطيل المشاركة في البطولات الرياضية، مؤكدةً أنّ الرياضة في جوهرها وُجدت لبناء الجسم والعقل وحياة صحية سليمة، وليست وسيلةً لتحقيق أهداف أخرى على حساب كرامة اللاعبين أو سلامتهم النفسية والجسدية.
وتوضح أشرف، لرصيف22، أن التنازل عن الحقوق بحجة السعي خلف البطولات يحوّل الرياضة إلى أشبه بـ"التجارة" ويُفقدها معناها النبيل، مؤكدةً أنّ حصول اللاعب على الدعم والتقدير يجب أن يكون إضافةً إلى مسيرته وليس مقابلاً للتنازل عن أساسيات الحماية الشخصية.
مسترجعةً ذكريات طفولتها ودعم أسرتها، تتابع صاحبة ذهبية أولمبياد طوكيو 2020: "أتذكر تماماً موقف والدتي الصارم مع أي مدرب أو في أي مكان أتدرّب فيه، حيث كان مبدأ راسخاً لديها عدم السماح بأي تجاوز لفظي أو جسدي أو أي شكل من أشكال اللمس غير المقبول".
وتشير البطلة الرياضية إلى أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق ولي الأمر، الأم أو الأب، نظراً إلى أن اللاعب الصغير أو الناشئ قد لا يُدرك بوعي كامل تفاصيل التجاوزات أو الأساليب غير السويّة لبعض المدربين، مشدّدةً على أن ولي الأمر هو "حائط الصد" الأول والمسؤول عن إقرار القواعد في العلاقة بين اللاعب الصغير والمدرب، ومنع أي تجاوز مهما كانت مبرراته، وقبول بعض أولياء الأمور بأي تجاوزات بحق أبنائهم لا يعني سوى معاناة هؤلاء الأفراد "خللاً نفسياً"، في تقديرها.
تؤكد أشرف أيضاً أن أي شكل من أشكال الاعتداء أو التحرّش، سواء كان جسدياً أو لفظياً، يترك أثراً سلبياً بالغاً وممتداً في نفسية الرياضي، عادّةً أن حماية الناشئين واللاعبين الصغار تظلّ الأولوية المطلقة التي تعلو فوق أي إنجاز رياضي زائف.
من جهته، يرى أستاذ الصحة النفسية، الدكتور أحمد السيد، في حديثه إلى رصيف22، أن أي نوع من أنواع العنف تكون له تبعات سلبية عديدة على شخصية الطفل في مرحلة التكوين، موضحاً أن العنف يولّد لدى الأطفال نوعين من العقلية: إما "عقلية خاضعة" أو "عقلية متمرّدة"، وكلاهما نتيجة حتمية للتعرّض إلى الضغط والإهانة من قِبل المدرب الذي من المفترض أن يكون مصدراً للأمان والاحتواء والدعم، لا مصدراً للإهانة والاعتداء.
أما تسامح بعض أولياء الأمور مع عنف المدربين ضد أبنائهم، فيثير دهشة السيد الذي يقول إن تبرير العنف أو التستّر عليه تحت غطاء تحقيق البطولات يُعد خطراً جسيماً على المجتمع والطفل.
ويشرح أنّ "الأم أو الأب عندما يقفان في صف المعتدي ويقبلان بإهانة طفلهما، فإنهما بذلك يمنحانه شرعية زائفة للعنف، وهو ما قد يؤدّي بالتبعية إلى تحطيم شخصية الطفل وكسر ثقته بنفسه تماماً، فضلاً عن غرس مفاهيم مشوَّهة بأن 'الكرامة تهان في سبيل الإنجاز'". ويعتبر أن صمت أولياء الأمور تحت أي مبرّر يعد "مشاركة في جريمة تُرتكب بحق أبنائهم".
ويفنّد السيد الأفكار التي تبرّر العنف بأنه "يصنع أبطالاً أقوياء" أو "يحفّز اللاعبين"، موضحاً أن فكرة أن القسوة والضرب يولدان شخصيات قوية منافية للعلم حيث أنه على العكس، الإهانة بالضرب على الوجه أو الجسد ينتج شخصيات انهزامية ومكسورة نفسياً، قد تصبح أكثر خطورة على الآخرين لاحقاً.
ويبرز السيد أن تشجيع الطفل وبناء شخصيته ينبغي أن يكون عبر توفير المساحة الآمنة والدعم النفسي المستمر لا عبر الترهيب والإهانة، مؤكداً ضرورة إيجاد مساحات آمنة تتيح للأطفال التعبير عن أنفسهم وحمايتهم من أي تجاوزات تُرتكب من مدربيهم في الرياضات المختلفة.
Loading ads...
ويختم حديثه بالإشارة إلى ضرورة توعية أولياء الأمور والمدربين بأن الاهتمام بالجانب الإنساني والنفسي للرياضي الناشئ لا يقل أهميةً بأي حال من الأحوال، عن السعي خلف حصد الميداليات والألقاب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





